فيلم "بيت سلمى"... عندما تطلّ عمّان علينا بعيون نسائها

الثلاثاء 12 يوليو 202201:23 م

من المشهد الأول، ثمة شعور حميمي يأتي بغتةً، في أثناء مشاهدة الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة الفلسطينية الأردنية هنادي عليان، "بيت سلمى"، الذي يُعرض حالياً على منصة نتفلكس، بجانب عدد من الأفلام بتوقيع نساء من العالم العربي.

هذا الشعور الحميمي المباغت، يرتبط ربما بوجه الممثلة القديرة جولييت عواد، التي يُفتتح الفيلم معها وفي بيتها. وجه يعيد ذكريات عديدةً وتفاصيل وحتى رائحةً تؤكد دائماً أن لعمّان وجوهها النسائية التي لا تُنسى.

فالفيلم الذي يحكي عمّان من خلال شخصيات نسائية، يدور حول ثلاث نساء ينتمين بشكل أو بآخر إلى بيت سلمى، صانعة الحلويات، وتحديداً "الكيك"، الذي تصفه ابنتها فرح (سميرة الأسير)، بثقة، بأنه "أزكى كيك في العالم".

من بيت سلمى الذي يقع في منتصف المدينة، وتحديداً في منطقة العبدلي، مع الإطلالة التي تدرك من خلالها معنى أن يكون البيت على سبعة جبال، تبدأ الحكاية، وتخرج منه ثم تعود إليه، تحديداً مع شخصية لمياء (رانية الكردي)، الزوجة الثانية للأب الذي رحل تاركاً وراءه ديوناً أكثر من الإرث.

الفيلم الذي يحكي عمّان من خلال شخصيات نسائية، يدور حول ثلاث نساء ينتمين بشكل أو بآخر إلى بيت سلمى، صانعة الحلويات، وتحديداً "الكيك"، الذي تصفه ابنتها فرح (سميرة الأسير)، بثقة، بأنه "أزكى كيك في العالم"

في المشاهد الأولى من الفيلم، تعمد عليان إلى تعريف المشاهدين بالشخصيات الرئيسية فيه، والثانوية، مثل مالك (فراس طيبة)، زوج فرح، وعمها الذي يتلو عليهم الوصية بعد رحيل الأب. عملياً، هما العنصر الذكوري الوحيد في الفيلم، وحضورهما كان لا بد منه لضرورة التعرّف إلى مشكلات النساء الحاضرات في الفيلم، والتي تتقاطع بشكل أو بآخر مع مشكلات نساء عربيات كثيرات.

مخرجة العمل هي نفسها كاتبته، ففي الفيلم العديد من الحكايات، التي رأت المخرجة أن تحكيها كلها في فيلم واحد. من الممكن أن يؤثر هذا الزخم في الحكايات على منطقية تسلسل الأحداث، لكن فرصة الحديث عما تعانيه المرأة في فيلم واحد لا تتوفر كثيراً، لذلك ينتقل الإحساس ربما إلى جملة "ما هو عنجد هيك بصير"، وتنتصر على فكرة تماسك الفيلم بعناصره كافة.

في بداية الفيلم، يظهر مطبخ سلمى في بيتها حيث تخبز الحلويات، وتدخل ابنتها فرح حاملةً ابنها الصغير، لتتركه عند أمها وتذهب إلى عملها. سؤال والدتها عن زوجها مالك، وردة فعل فرح، يعطيانك لمحةً عن وضع فرح المرأة، والأم العاملة والزوجة لرجل لا يغادر الكنبة بحثاً عن العمل. في هذه الأثناء، يأتي خبر وفاة أب فرح، لتنتقل الأحداث إلى بيت زوجة الأب لمياء، ويظهر الفارق بينها وبين سلمى (الزوجة الأولى)، ويعطي تصوراً لسبب الزواج من فتاة من جيل ابنته. لمياء تمثل شخصية المرأة التي لم يعجبها الانتماء إلى الطبقة المتوسطة، وقررت أن تعيش كما طبقة الأثرياء، حتى لو كانت لا تملك ثمن تعب العاملات في العزاء، وهي التي تعكس قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على تصدير الصورة التي تكذّب واقع الحال.

المخرجة هنادي عليان استطاعت، بسلاسة وخفة ظل، أن تعطي لمحةً عن الشخصيات والظروف المحيطة، بطريقة ذكية، وغير مقحمة، وهنا تكمن قوة الفيلم؛ أن يجعل مشاهديه يشعرون بأنهم يعرفون الشخصيات من قرب، ويندمجون معها

المخرجة هنادي عليان استطاعت، بسلاسة وخفة ظل، أن تعطي لمحةً عن الشخصيات والظروف المحيطة، بطريقة ذكية، وغير مقحمة، وهنا تكمن قوة الفيلم؛ أن يجعل مشاهديه يشعرون بأنهم يعرفون الشخصيات من قرب، ويندمجون معها.

فمنذ لحظة وفاة الأب، تعيش كل واحدة من النسوة صراعها الخاص، تحديداً مع غياب الإرث في حضرة دين كبير يتعلق ببيت سلمى، وهو البيت الذي ورثته من عائلتها، لكنها سجّلت نصفه باسم زوجها كي تنقذه في مشروع سابق. وهذا الزوج الذي ادّعى تطليقه سلمى، وتزوج بأخرى، لم يذكر هذه الجزئية في وصيته، فأصبحت للزوجة الثانية حصة فيه، وبات هذا البيت الجميل مهدداً بالبيع.

كأن الكلمات الخادشة، حسب وصف البعض، لا يتم استخدامها، ولا يُسمع صداها من قبل الجيران في عز عمليات العنف المنزلي الذي تتعرض له النساء.

كان من الممكن أن يظل الفيلم يدور في هذا الصراع بين ثلاث نساء يرتبطن بالبيت، فسلمى تعدّه ملاذها الذي ورثته عن عائلتها ولا تقبل ببيعه، في حضرة زوج فرح الذي يصرّ عليها بضرورة أخذ حصتها من الإرث، ولمياء التي تريد بيع المنزل كي تعود إلى تفعيل صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي بالمستوى الذي اعتاد عليه جمهورها. لكن عليان أرادت خلق معضلات أكبر في هذا البيت، تتعلق بحقيقة فرح ابنة سلمى، وهو موضوع حساس، ليس من المنصف الحديث عنه، لإعطاء فرصة لمشاهدة الفيلم، لكنها جزئية أهميتها تكمن في طرح الموضوع بجرأة.

بلمح البصر، ولظروف مختلفة، تصبح سلمى وفرح ولمياء في المنزل نفسه، وهنا لا يتوقف الصراع على بيع البيت من عدمه، ولا بين الضرّتين، بل تحت هذا السقف الذي يجمعهن تبدأ عملية كشف الأسرار، وتتبلور فكرة الأقنعة، تحديداً مع لمياء، التي طوال الوقت تصنع ديكورات خاصةً في المنزل كي توهم جمهورها بأنها في فرنسا. لمياء التي لا تملك ثمن ربطة خبز، تعيش عالمها المتخيل بكل قوة وثبات وإقدام، لكنها في الوقت نفسه تكون بكامل حقيقتها أمام ضرتها وفرح، وهذا هو البعد الذي أرادت المخرجة أن تصدره لمعنى البيت الحقيقي، حتى لو كانت تعيش فيه الأضداد.

تعرّض الفيلم مؤخراً لهجمة، تتلخص بجملة "ألفاظ خادشة لا تتناسب ومجتمعنا الأردني"، والتي بدورها قد تطيح بالعمل وبالجهد المبذول فيه كله

تفاصيل كثيرة في الفيلم، من غير المنصف الحديث عنها بإسهاب لكيلا يتم حرق الأحداث، فمشاهدة الفيلم الذي تعرّض مؤخراً لهجمة، تتلخص بجملة "ألفاظ خادشة لا تتناسب ومجتمعنا الأردني"، والتي بدورها قد تطيح بالعمل وبالجهد المبذول فيه كله. مشاهدته لها علاقة بضرورة الابتعاد عن مثل تلك الجمل، وتجاهل من يصدرها للنيل منه، وكأن الكلمات الخادشة، حسب وصف البعض، لا يتم استخدامها، ولا يُسمع صداها من قبل الجيران في عز عمليات العنف المنزلي الذي تتعرض له النساء، ويصممن آذانهم عنها، لكنهم يفتحون جبهةً كبيرةً إذ تم استخدام تلك الألفاظ في فيلم.

الفيلم فيه متعة تتعلق بمشاهدة تمثيل رفيع يتجسد في أداء جولييت عواد، وتأكيد على موهبة رانية الكردي، الفنانة التي كانت دائماً مختلفةً، وسبّاقةً، وموهوبةً، بالإضافة إلى سميرة الأسير التي بات اسمها يحضر تحديداً بعد مشاركتها في أعمال عدة خارج الأردن، وهي ممثلة لها قدرة على التنويع ولا تسم نفسها بأدوار محددة، وهذه ميزة تُذكر لها. الموسيقى التصويرية المرافقة للفيلم من تأليف سعاد بشناق، وتحضر عمّان بشموخها بين جبالها، في شرفة بيت سلمى المليئة بالورد، حتى لو كانت بينها ورود ذابلة تمر في المشهد. كافة العناصر في الفيلم تستحق المتابعة والتشجيع لخوض تجربة صناعة فيلم طويل للمخرجة هنادي عليان.

الفيلم ينتهي بفكرة البيت وأبعاده، ويؤكد على ما تستطيع أن تفعله المرأة في حضرة القهر والظلم وغياب العدالة، وفيه من الجمال الاجتماعي ما يطغى على القبح؛ مع طفل صغير وطفل قادم، وزوج قرر النهوض من الكنبة، تنتصر النساء في بيت سلمى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard