صراع دستوري في تونس... لجنة إعداد الدستور "تتبرأ" من "مشروع قيس سعيد"

الاثنين 4 يوليو 202204:56 م

تصاعد الضغط، أمس الأحد، على الرئيس التونسي قيس سعيّد، بعد تبرّؤ الهيئة التي شكلها سابقاً لصياغة مسودة دستور جديد من المشروع الدستوري الذي نُشر في الجريدة الرسمية، وذلك بالتوازي مع تفاقم الخلافات داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي ستشرف على الاستفتاء المقرر إجراؤه في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو الجاري.

وكسر الأحد رئيس الهيئة، العميد الصادق بلعيد، حاجز الصمت بعد يومين من نشر مشروع الدستور المذكور، عبر مقال له في صحيفة "الصباح" المحلية، قال فيه إن "الدستور" الذي عرضه سعيّد، فيه مخاطر عدة من مسؤوليته التنديد بها.

مطبات والتعديل "غير ممكن" 

بعد يومين من الصمت، قرر بلعيد الخروج إلى العلن للتنديد بمشروع الدستور الذي نشرته الرئاسة عادّاً أنه "يُشوّه الهوية التونسية"، فيما رأى أستاذ القانون الدستوري الذي ساهم في صياغة المسودة في "الهيئة الوطنية من أجل جمهورية جديدة"، أمين محفوظ، أن التدارك ما زال ممكناً، داعياً الرئيس إلى ذلك، أي إلى تعديل الدستور الذي عرضه.

وقال بلعيد، إن "الدستور الذي عرضته رئاسة الجمهورية تنتفي فيه المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية"، مضيفاً أن "المحكمة الدستورية هي الأخرى تعرضت لتنظيم منقوص وجائر في هذا الدستور".

لم يكتفِ أستاذ القانون الدستوري الذي عُدّ في فترة ما أقرب الشخصيات إلى الرئيس سعيّد، بذلك، إذ قال إن "هذا الدستور يؤسس لنظام جهوي وإقليمي مبهم ومريب وغامض ينذر بمفاجآت غير حميدة مستقبلاً". 

نحن لسنا أمام مشروع الهيئة، بل نحن أمام مشروع الرئيس الذي استغلّ حسن نية أعضاء الهيئة، نحن أمام مشروع الأمر الواقع وهو مشروع الرئيس الذي بموجب القانون غير قابل للتعديل. رصاصة أطلقت والرصاصة التي تُطلق لا تعود

ودفعت الانتقادات المتصاعدة التي شهدتها البلاد في الأيام القليلة الماضية، للدستور الذي عرضه سعيّد، شقيق الرئيس إلى الدخول على الخط موجهاً سهام نقده إلى الهيئة التي قبلت أن يكون دورها استشارياً، وهو ما يرشح أزمة الدستور الحالي إلى التفاقم في وقت تستبعد فيه أوساط قانونية إمكانية تعديل الرئيس للدستور المعروض.

وقال أستاذ القانون الدستوري في الجامعات التونسية، عبد الرزاق المختار، إن "الهيئة تتحمل مسؤولية الانخراط في مشروع محدد وإطاره القانوني كان معلوماً وكان يطرح منذ البداية إشكالات واضحةً بشأن ديمقراطية التمشي وتشاركيته".

وقال المختار في حديث إلى رصيف22: "أعتقد أن التأثيرات هي الأهم، نحن لسنا أمام مشروع الهيئة، بل نحن أمام مشروع الرئيس الذي استغلّ حسن نية أعضاء الهيئة، نحن أمام مشروع الأمر الواقع وهو مشروع الرئيس الذي بموجب القانون غير قابل للتعديل. رصاصة أطلقت والرصاصة التي تُطلق لا تعود وتالياً ليس بالإمكان تعديل هذا المشروع قانونياً قبل الاستفتاء".

وهذه الخطوة من الرئيس سعيّد، والتي لم تفاجئ المتابعين، قد تعزز جبهة المناوئين له، وهو ما بدا واضحاً ولافتاً في حديث الثنائي محفوظ-بلعيد، اللذين انتقدا بشدة "دستور" الرئيس، بل ذهب رئيس الهيئة الوطنية من أجل جمهورية جديدة إلى ما هو أبعد من ذلك حين ندد به وبما يحتويه من مخاطر ومطبات.

وقال المختار إن "تداعيات هذه الانتقادات ستكون سياسيةً أساساً، من خلال تزايد المنتقدين له وتعزز معسكر الخصوم، والمسألة الثانية أن تأثيره محدود جداً. أظن سيكون مؤثراً على المصداقية، لكن أيضاً رئيس الجمهورية ستكون له ردة فعل بخطاب له يرد فيه على بعض الكلام".

خلافات تزيد الطين بلّةً

بالتوازي، تفاقمت الخلافات داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ما قد يزيد الطين بلّةً للرئيس سعيّد الذي في الواقع لم يتراجع سابقاً بالرغم من اتساع جبهة الرافضين لتوجهاته وهو ما يزيد الأزمة السياسية غموضاً.

وقال عضو هيئة الانتخابات سامي بن سلامة، إن إدارة الهيئة قررت توجيه تنبيه إليه ومنعته من القيام بمهامه في تطور بدا لافتاً خاصةً أنه جاء بعد ساعات من الكشف عن الدستور الذي سيُعرض على الاستفتاء والذي أثار ضجةً كبيرةً في الشارع التونسي.

وفي أول ردود الفعل حول هذه الخلافات، حذر الناطق باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية ذات الثقل الشعبي والتاريخي القوي في البلاد، سامي الطاهري، مما أسماه التكتل داخل الهيئة ضد بن سلامة.

وقال الطاهري: "إنها محاولة لعزله لأنه يكافح الجمود والتكليس والسلبية والنوايا المبيتة".

كسر الأحد رئيس الهيئة، العميد الصادق بلعيد، حاجز الصمت بعد يومين من نشر مشروع الدستور المذكور، عبر مقال له في صحيفة "الصباح" المحلية، قال فيه إن "الدستور" الذي عرضه سعيّد، فيه مخاطر عدة من مسؤوليته التنديد بها

هذه الخلافات خرجت إلى العلن قبل مدة، وكشفت عنها اجتماعات الهيئة التي بُثت مباشرةً عبر صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك والتي أظهرت حجم الاختلافات داخلها.

وقال عضو الهيئة السابق، زكي الرحموني، إنه "تم توجيه تنبيه موقع من جميع الأعضاء يشير إلى خرق الحياد وواجب التحفظ وإفشاء أسرار مهنية في ما يتعلق بتوزيع الناخبين وغيره، وهذا يعني تنبيهاً بعدم مواصلة التدوين الذي يقوم به سامي بن سلامة، وهو ما يمثل شروعاً في الإعفاء في الواقع، وهو مسار يعني أن مجلس الهيئة قرر إعفاء العضو قبل أن يصادق رئيس الجمهورية على الإعفاء أو يرفض ذلك. هناك اتجاه لإعفاء سامي بن سلامة".

وأكد الرحموني في تصريح لرصيف22، أن "هناك انقسامات منذ البداية داخل هيئة الانتخابات. هناك اتجاهان؛ اتجاه يمثّله بن سلامة الذي يؤكد دعم المشاركة في الاستفتاء ودعم حقوق الناخبين في ما يخص التسجيل وغيره، واتجاه يمثله رئيس الهيئة وبقية الأعضاء الذين ينتمون إلى القطاع نفسه، وهم خاضعون لإدارة الهيئة وهو اتجاه يضرب المشاركة في الاستفتاء".

ورأى أن "رئيس الجمهورية استجاب لكل الطلبات التي قام بها بن سلامة في ما يتعلق بدعم المشاركة في الاستفتاء لإنجاحه، لكن رئيس الهيئة ومن معه يقومون بضرب المشاركة، هناك إقصاء لعدد كبير من الناخبين وهو إقصاء متعمد، ما سيؤثر على نسب المشاركة في الاستفتاء".

وكان الرئيس قيس سعيّد، قد عيّن أعضاء الهيئة الجدد في العاشر من أيار/ مايو الماضي، في خطوة دفعت خصومه إلى التشكيك في مصداقية الهيئة والاستفتاء المرتقب، لكن الخلافات الأخيرة داخل الهيئة تُنذر بإمكانية التأثير على نسب الإقبال على صناديق الاقتراع في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو.

وما يعزز هذه الفرضية، أن الخلافات تعود في جوهرها إلى الآليات التي تم بها تسجيل الناخبين، إذ لطالما رفض رئيس الهيئة فاروق بوعسكر، استبعاد التسجيل الآلي للناخبين أو عن بعد، وهو ما جوبه برفض من بن سلامة الذي يبدو أنه وجد نفسه معزولاً داخل الهيئة.

غير أن الباحث والمحلل السياسي محمد ذويب، قال إن "بن سلامة معروف بانتقاداته للمنظومة الحاكمة ما قبل الخامس والعشرين من تموز/ يوليو، لكنه واصل نقده لهيئة الانتخابات الجديدة، ويطالبها بالشفافية والديمقراطية وبتطوير أساليب العمل".

وأبرز ذويب لرصيف22، أنه "يبدو أن ما يقوم به بن سلامة لم يعجب رئيس الهيئة فاروق بوعسكر، الذي تحرك مع بقية الأعضاء. وما يجري داخل الهيئة يؤكد وجود اختلافات في وجهات النظر، وربما حتى صراعات في مستوى تركيبتها، لكن ما نريده هو أن تحافظ الهيئة على تجانسها ووحدتها في هذا الظرف الحساس ونحن على مشارف الاستفتاء".

واستبعد المحلل السياسي أن تؤثر هذه الخلافات على نسب المشاركة في الاستفتاء.

وقال ذويب إن "هذا مستبعد لأنه لا علاقة لتركيبة الهيئة أو خلافاتها الداخلية بإقبال التونسيين من عدمه على الاستفتاء أو موقفها بخصوص التصويت. لن تؤثر باعتقادي على ذلك".

هذه الخلافات داخل هيئة الانتخابات تأتي في وقت بدأت تتضح فيه ملامح مواقف الطبقة السياسية المنقسمة على نفسها بشدة من الاستفتاء المرتقب، إذ بدأت أحزاب تدعو إلى مقاطعة هذا الاستحقاق، فيما تؤكد أحزاب أخرى أنها ستصوت بالرفض، وتقول أحزاب مؤيدة للرئيس سعيّد إنها ستصوّت لصالحه. وستحشد الناخبين للاستحقاق المرتقب.

وقد تمثل هذه الخلافات ورقةً بيد المعارضة السياسية في البلاد، لا سيما أن الجدل يتصاعد أصلاً بشأن الدستور المعروض على الاستفتاء حول نقاط عدة تضمنها، على غرار الصلاحيات القوية التي ستصبح بيد الرئيس.

وقال النائب السابق في البرلمان والناشط السياسي التونسي الصحبي بن فرج، إنه "تقنياً لن تكون هناك مشكلة، سامي بن سلامة معزول داخل الهيئة وهناك تكتل كامل ضده بالرغم من أنه يؤكد أن تعطيل الاستفتاء يحدث من إدارة الهيئة وبقية الأعضاء من خلال التسجيل الآلي، ومكاتب الاقتراع وتوزيع المكاتب الجغرافي، وهو يشير إلى عملية تخريب للاستفتاء من داخل الهيئة".

وأكد بن فرج لرصيف22، أن "هذا مؤسف لأن الرئيس قيس سعيّد لا يريد الاستماع إلى الآراء، حتى الداعمة له، ما أوصلنا إلى مأزق اليوم حيث ستكون هناك مشكلة سياسياً".

وفسر الناشط السياسي: "سياسياً سيفتح الباب أمام التشكيك في مسار الانتخابات، والمعارضة ستقول إن هناك شبهات تزوير. لن يتم الربط بشكل مباشر لكن ستقول المعارضة إنه على مستوى التنظيم اللوجستي لا يوجد إجماع داخل الهيئة المنظمة نفسها، يعني هناك مشكلة وسيقولون إن مصداقية العملية برمتها على المحك".

وأكد أن "ذلك قد يطعن في مشروعية الاستفتاء، لأن الشرعية ليست فيها مشكلة، خاصةً إذا تم الكشف عن آراء غير متطابقة مع التوقعات حول نسب المشاركة أو نسبة التصويت بنعم للاستفتاء، وهو ما قد يضعف موقف الرئيس والاستفتاء والدستور".

وكانت هيئة الانتخابات قد كشفت عن تسجيل أكثر من 9 ملايين ناخب في هذا الاستفتاء الذي بدأت حملة الدعاية له اليوم وسط انقسام سياسي حاد وأجواء صيفية قد تلقي بظلالها على سيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard