شلّ قطاعات حيوية... إضراب عام في تونس بدعوة من اتحاد الشغل

الجمعة 17 يونيو 202210:56 ص

عقب فشل المفاوضات مع الحكومة، خاض الاتحاد العام التونسي إضراباً عاماً الخميس 16 حزيران/ يونيو، داخل 159 مؤسسةً ومنشأةً عموميةً. وفيما تجمع المئات للتظاهر أمام مقر الاتحاد، شهدت العديد من المؤسسات شللاً تاماً، وانقطاعاً للرحلات الجوية والبرية والبحرية. ويأتي الإضراب نتيجةً لمسلسل الشد والجذب بين النقابة الأكبر في البلاد وبين مؤسسة الرئاسة والسياسات الحكومية التي يقول الاتحاد إنها مجحفة في حق الشعب التونسي.

هوة تتسع

يحتج الاتحاد على ما عدّه تنصّلاً للحكومة من تطبيق الاتفاقيات المبرمة وتجاهلها لإصلاح المؤسسات العمومية بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني لأسعار جميع المواد. وقد طالبت المنظمة الشغيلة في برقية تنبيه بالإضراب بسحب المنشور عدد 20 الذي أصدرته حكومة نجلاء بودن، والذي دعت فيه إلى التنسيق المسبق مع الحكومة وعدم التفاوض مع النقابات إلا بترخيص منها.


كما دعا الاتحاد إلى تطبيق جميع الاتفاقيات الموقعة، والشروع في مفاوضات اجتماعية لتحسين المقدرة الشرائية، بالإضافة إلى إلغاء المساهمة التضامنية وهي مساهمة تضامنية لفائدة الصناديق الوطنية تم إقرارها سنة 2018، وكان الاتحاد قد طالب بالكشف عن عائداتها الحقيقية منتقداً غياب الدقة في الأرقام المقدمة من طرف وزارة المالية.

دعا الاتحاد العام التونسي للشغل العاملات والعمال المنضوين تحت لوائه إلى المشاركة في إنجاح الإضراب والحضور بكثافة أمام مقر المنظمة للدفاع عن حقوقهم ضد القرارات غير الشعبية، على حد وصفه.  

أمام تشبث الاتحاد بتنفيذ الإضراب العام، أعلنت الحكومة التونسية عن قرارها باللجوء إلى آلية "التسخير" لتأمين الحد الأدنى من الخدمات الموجهة إلى المواطنين، وقد أكد وزير التشغيل والتكوين المهني نصر الدين النصيبي، في تصريحه للوكالة التونسية الرسمية، أن الحكومة تحترم الحق في الإضراب وتسعى إلى إيجاد حل توافقي لتفادي تنفيذ الإضراب العام.  

يأتي الإضراب نتيجةً لمسلسل الشد والجذب بين النقابة الأكبر في البلاد وبين مؤسسة الرئاسة والسياسات الحكومية التي يقول الاتحاد إنها مجحفة في حق الشعب التونسي

قرار التسخير أثار حفيظة المنظمة الشغيلة التي عدّته قراراً غير دستوري داعيةً إلى عدم إيلائه أهميةً واتباع ترتيبات الإضراب حسب القطاعات لضمان توفير الحد الأدنى من الخدمات.

وقال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، في كلمته التي ألقاها من أمام المقر المؤقت لمنظمة الشغيلة، إن الإضراب العام نجح بنسبة 96.22 في المئة وإنه إضراب في سبيل الوطنية.

ورأى أنه لا خير في سلطة تهين قوة الإنتاج وتستهين بالعاملين بالفكر والساعد متحدثاً عن وجود سياسة منهجية مموّلة من الخارج لضرب القطاع العام: "بيع القطاع العام أو تفويته سيكون على جثتنا. بالرغم من حملات الشيطنة والهرسلة (التحرش) والتخوين فإن الاتحاد ثابت ومواصلون من أجل تحقيق الكرامة".


شدد الطبوبي في كلمته على أن الاتحاد رهين قواعده، وليس رهينةً لدى قيس سعيّد، ولا لدى أي حزب ولا أي سلطة، لافتاً إلى أن الاتحاد لم يشارك في الحوار لأنه لا يرى فيه أي حل لتونس.

كما انتقد النقابيّ الأرقام التي تقدّمها الحكومة عن طريق المتحدث الرسمي باسمها، عادّاً أنها أرقام غير صحيحة، كما دعا الحكومة إلى نشر البرنامج الذي قدمته لصندوق النقد الدولي.

وأعربت أحزاب التكتل والجمهوري والقطب والتيار الديمقراطي والعمال، عن مساندتها للإضراب الذي ينفذه أعوان القطاع العام محمّلين "حكومة قيس سعيّد المسؤولية كاملةً عن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية التونسيات والتونسيين وتواصل الارتفاع الجنوني للأسعار وندرة العديد من المواد الضرورية ذات الاستهلاك الشعبي الواسع".

كما استنكرت الأحزاب في بيان مشترك حملات التشهير والتخوين التي تشنّها صفحات مأجورة ضد المنظمة الشغيلة وهياكلها، كما دعت عموم التونسيين إلى مقاطعة الاستفتاء الذي وصفته بالمهزلة ومعلوم النتائج مسبقاً.

بدوره، أعلن الاتحاد الأوروبي للنقابات عن دعمه لإضراب اتحاد الشغل ومطالبه التي يدعو للاستجابة لها، وقال أمين عام الاتحاد الأوروبي لوكا فيسينتيني: "نتضامن مع زملائنا في اتحاد الشغل في كفاحهم من أجل الديمقراطية واحترام الحقوق الاجتماعية والنقابية في تونس".

تداعيات على الاقتصاد التونسي

تعيش تونس منذ سنوات على وقع أزمة اقتصادية خانقة أرخت بظلالها على جل القطاعات، وقد ساهم عدم استقرار الوضع السياسي في البلاد في تغذية هذه الأزمة وتواصلها، فيما يواجه المواطن التونسي تبعاتها التي رفعت نسبة البطالة وساهمت في تدهور المقدرة الشرائية. ويثير الإضراب العام الذي دعا له اتحاد الشغل دفاعاً عن حقوق العمال المخاوف من تعميق الأزمة الاقتصادية وتكبيد الدولة التونسية خسائر كبرى.

قال الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، إنه لا وجود لمقياس صحيح لتداعيات الإضراب على الاقتصاد، وإن القياس المستعمل هو قسمة الناتج المحلي الإجمالي على 365 يوماً، علماً أن الناتج الإجمالي للبلاد يبلغ 125 ألف مليار دينار.

قال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، في كلمته التي ألقاها من أمام المقر المؤقت لمنظمة الشغيلة، إن الإضراب العام نجح بنسبة 96.22 في المئة وإنه إضراب في سبيل الوطنية

لفت محدث رصيف22، إلى أن الإضراب له تأثير سلبي على الموارد الجبائية للدولة، فبسبب عدم توفر النقل لن يتمكن المواطن من تسديد ما عليه من ضرائب، في حين أن وزارة المالية تعدّ خلال هذه الفترة قوائم أجور الموظفين وفي حاجة إلى هذه الموارد الجبائية. وأضاف أن هذا شأن هذا الإضراب؛ أن يعطي فكرةً سيئةً جداً عن مستوى مناخ الأعمال، وبأنه غير مستقر تتحكم فيه الإضرابات بما لا يشجع المستثمرين.


كما رأى الشكندالي، أن الإضراب العام سيصعّب مهمة الحكومة في المحادثات مع صندوق النقد الدولي، خاصةً في المرحلة المقبلة لأن الاتحاد العام التونسي للشغل هو اللاعب الأساسي في الإصلاحات المتعلقة بالأجور وبالدعم وفي حال عدم موافقته عليها، فإن الحكومة ستجد صعوبةً في التنفيذ، وهذا لن يشجع الصندوق على إمضاء الاتفاق، وتابع: "إذا توصلت الحكومة إلى اتفاق مع الاتحاد في ما يتعلق بالزيادات في الأجور وتطبيق الاتفاقيات، فإن صندوق النقد الدولي سينسحب مباشرةً، لأن شرطه الأساسي هو تقليص حجم الأجور من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا أضرب الاتحاد ولم يشارك في الحوار فلن يتشجع الصندوق على إمضاء الاتفاق. وعليه، المعادلة صعبة وحسب تقديري فإن تغيير المقاربات ضروري. كنا ننتظر برنامج إصلاحات كبرى للحكومة تقدّم لنا معه مقاربات أخرى، لأن رئيس الجمهورية تحدث عن تصحيح المسار أي عبر مقاربات جديدة وإجراءات جديدة".

وكما أظهر الخبير الاقتصادي، فإن صندوق النقد الدولي يتعاقد بناءً على أهداف تُحقَّق بعد أربع سنوات. على سبيل المثال، كم ستبلغ نسبة النمو والبطالة والتشغيل والتضخم في تلك الفترة؟ وما هي السياسات التي تمكن من بلوغ الأهداف المرسومة؟ مشيراً إلى أن الفريق المفاوض للصندوق في السنوات الماضية لم يحسن التفاوض ولم يقدم مقاربات جديدةً واكتفى بالتلقي من الصندوق وهو ما يدل على أن الكفاءات غير مشاركة في الحكم.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي محمد الصادق جبنون، أن الإضراب العام كغيره من الإضرابات له تداعيات اقتصادية لكنها لن تكون كبيرةً لأنه لا وجود لارتباط مباشر مع الاستثمار.

ورأى في حديثه إلى رصيف22، أن التأثير يمكن أن يكون إعلامياً، خاصةً أننا في موسم سياحي وهناك مناسبات استثمارية مهمة في الفترة المقبلة، وعندما يكون هناك عمل مستمر واستقرار اجتماعي فهذا يعطي نتائج أفضل من ناحية الدعاية لأي وجهة في العالم.

وتعليقاً على إمكانية تأثير الإضراب على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أكد جبنون أنه لا وجود لأي تأثير سلبي لأن الصندوق له معايير أخرى، وله سياسة جديدة تقوم على تجنب آثار الأزمة الاقتصادية الراهنة المزدوجة "كورونا مع حرب أوكرانيا"، ورئيس البنك الدولي غايته تخصيص 750 مليون دولار للدول النامية والمتعثرة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية والجنوبية، وهناك توجه من صندوق النقد الدولي نحو إبرام اتفاقيات في أسرع وقت ممكن يمكن أن تتضمن تيسيراً للشروط التي يضعها في العادة. وتابع الخبير الاقتصادي: "لا أريد أن أستبق الأحداث لكن هناك مساراً إيجابياً في لبنان وسيريلانكا وهو غير مستبعد في تونس".

يُذكر أنه على الرغم من مساندة الاتحاد العام للإجراءات الاستثنائية المعلن عنها من قبل رئيس الجمهورية في 25 تموز/ يوليو الماضي، فإن تطور الأحداث في تونس وتسارعها ساهما في تعميق الهوة بين أعرق وأكبر منظمة في تونس والحكومة الحالية، تجلى ذلك بوضوح بعد رفض منظمة الشغيلة المشاركة في الحوار الوطني بلجنتيه الاقتصادية والاجتماعية والقانونية ورفضه القطعي لحزمة الإصلاحات التي تتفاوض حولها الحكومة وصندوق النقد الدولي.

وقد حذرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، من تبعات عدم توصل الحكومة التونسية ومنظمة الشغيلة إلى حل له علاقة بالإصلاحات عادّةً أن ذلك من شأنه أن يعزز من مخاطر تتعلق بدخول تونس في برنامج صندوق النقد الدولي للربع الثالث من السنة الجارية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard