"دخلتُ قلوبهم كالشمس التي تشقّ الظلام"... نساء كربلائيّات واجهن ونجحن

الاثنين 4 يوليو 202204:48 م

"في بداية مشواري الفني، واجهت الكثير من الصعوبات من قبل الجمهور، وتحديداً الجمهور الكربلائي"؛ هكذا بدأت وداد هاشم، الممثلة المسرحية والصحافية من كربلاء، عن معاناتها مع ظلم المجتمع الذكوري في طريقها لتحقيق طموحاتها.

عانت وداد عند دخولها مجال الفن، لأن المدينة لها خصوصيتها، كونها مدينةً دينيةً ولها عاداتها وتقاليدها المتجذرة. تروي وداد لرصيف22: "المرأة في كربلاء عليها ألّا تتجاوز حدود الدراسة والبيت. أمّا أن تكون امرأةً ترتقي خشبة المسرح فهذا عيب عليها. وأنا اخترقت نوافذهم الزجاجية ودخلت قلوبهم كالشمس التي تشقّ الظلام وتشرق عنوةً على الليل بعد أن يسدل ستائره".

في أول ظهور لها على خشبة المسرح، كانوا يضعونها في زاوية ضيّقة. عانت الكثير، ومع مرور الأيام كانت تسمع عبارات كثيرةً من محيطها تقول لها: "عليكِ أن تتركي هذا المجال لأنه لا يليق بك". تقول: "خجلت من كلامهم لأنني لم أقترف ذنباً سوى أنني أؤدي أدواراً رصينةً ومقبولةً في المجتمع، ورصد الظواهر التي من شأنها أن تكون عامل هدم وليس عامل بناء وأغلب أدواري كانت أدوار الأم". 

في مجال التعليم أصبحت نسبة المتخرجات من الجامعات تتجاوز الـ50%، بعد أن كانت لا تتعدى الـ35%. هذا لا ينفي واقع أن نسبة الأمية بين الأناث بلغت 18% مقارنةً بالذكور التي بلغت 8%

تضيف: "تعرضت لضغوط كثيرة في بعض الأعمال السياسية، وكانت تأتيني تهديدات من جهات لم أعرف مصدرها. في أحد العروض، أوقفوا العرض ومنعوني من إكماله، هذه أول مرّة أصرّح فيها بهذا الأمر ولم أبُح به لأحد أبداً. لم أستسلم، فأصبح المسرح ملاذي وقوتي، بالرغم من أن التركيبة الاجتماعية قائمة على التمييز بين الرجل والمرأة، لكنني عزمت على اكتشاف قدراتي ومكامن قوتي لمواجهة الصعوبات التي اعترضت طريقي". 

بالنسبة لوداد، "الله هو من خلقني بهذه التركيبة التي لا بد أن أعمل بها ولا يحق لأحد أن يقف ضد موهبتي وأحلامي، فأطلقت العنان لنفسي ونجحت لأني لم أتعدَّ حدود مدينتي وخصوصيتها وإن كنت قبل ذلك أعمل على تربية نفسي ملتزمةً بهويتي الدينية والأخلاقية، وهذا ما جعل الأعمال المسرحية تتوالى عليّ من العتبتين الحسينية والعباسية، فأنا كنت أمام أطياف لا حصر لها من التنوعات التي تخضع لسقوف مختلفة من المجتمع، ولكني نفضت الغبار الذي يضعونه فوق مسمى امرأة، ونجحت في أن أكسب محبة الجمهور الكربلائي". 

منار والثورة

تقول الصحافية والناشطة المدنية والسياسية منار قاسم، لرصيف22: "نشأت في أسرة كربلائية خاضعة للعادات والتقاليد الكربلائية، لا تسمح بخروج النساء واختلاطهن بالمجتمع والحد من تطوير أنفسهن علمياً وعملياً. أنا المرأة الوحيدة التي أكملت دراستها في الأسرة، ودرست التخصص الذي أحب بعد دخولي مجال الصحافة واستطعت أن أثبت وجودي بعد مواجهتي للعديد من المشكلات والضغوط، سواء من أهلي أو زوجي أو من المجتمع". 

سمعت منار الكثير من الكلام المزعج من قبيل "أنت امرأة عليك البقاء في المنزل... ما دخلك بالإصلاح والتظاهرات؟ المرأة لا يجب أن تتحدث بهذه الحرية المطلقة لأنها عورة". تقول معلّقةً: "وكأن المرأة خُلقت للبيت فقط. لقد واجهت الكثير من التهديدات من جميع الجهات، وتعرضت للاعتداء من قبل القوات الأمنية في أحد الاعتصامات". 

تروي أنها كانت تتعرض للكثير من التهديدات التي كانت تصل إلى منزلها في بعض الأحيان: "في أحد الأيام تمّ طرق باب المنزل ووضع رصاصة أمامه. بالإضافة إلى الكثير من الاتصالات التي تأتيني من قيادات كربلاء للحد من حريتي والابتعاد عن الوسط الصحافي والثورة. كنت أخفي كُل هذه التهديدات عن زوجي وأهلي لكيلا أتعرض للضغوط منهم أيضاً". 

بالنسبة لمنار، "ثورة تشرين كانت بمثابة نقطة تحول، علمتني أن أكون قويةً وأن أخرج الطاقة التي في داخلي لأعبّر عن قوتي. استطعت أن أثبت نفسي وأقول لا من دون تردد أو خوف لكن ضمن حدود مدينتي وبأخلاق ومعرفة ودراسة". 

المرأة في كربلاء عليها ألّا تتجاوز حدود الدراسة والبيت. أمّا أن تكون امرأةً ترتقي خشبة المسرح فهذا عيب عليها. وأنا اخترقت نوافذهم الزجاجية ودخلت قلوبهم كالشمس التي تشقّ الظلام وتشرق عنوةً على الليل بعد أن يسدل ستائره

تقول الناشطة والصحافية: "يشكل الحديث عن تمكين المرأة الكربلائية نقطة تقاطع بين ثقافة العزل والتهميش والتمييز وبين ثقافة النوع والمشاركة، فالثقافة السائدة تحوّل المرأة إلى كائن محبط مهمش فاقد لأبسط حقوقه الإنسانية باسم الشرف تارةً، وباسم الحفاظ على قيم الأسرة تارةً أخرى، غير أن عملية تمكين المرأة تفتح لها نوافذ وعي جديدةً، وتهيئ المجتمع لخلق تصورات جديدة عن أدوارها. 

واقع المرأة الكربلائية

تصارع المرأة العراقية عامةً، والكربلائية خاصةً، لإثبات ذاتها والبحث عن هويتها المفقودة تحت سيطرة مجتمع ذكوري قامع لأهدافها وطموحاتها وانخراطها في شتى المجالات السياسية والفكرية والرياضية والفنية والثقافية، وأن لها الحق كالرجل تماماً في إدارة شؤونها وأنها لا تختلف عنه. 

وفي ظل القواعد والمفاهيم التي وضعتها الأعراف العشائرية السائدة، والتي تُعدّ الأساس للتنظيم الاجتماعي، فإن دور المرأة الكربلائية في المجتمع لم يعد محدوداً داخل المنزل فقط، فقد شهد العقدان الأخيران نهضةً للمرأة على جميع المستويات، واستطاعت الكثيرات منهن اقتحام مجالات كثيرة، ففي مجال التعليم أصبحت نسبة المتخرجات من الجامعات تتجاوز الـ50%، بعد أن كانت لا تتعدى الـ35%. هذا لا ينفي واقع أن نسبة الأمية بين الأناث بلغت 18% مقارنةً بالذكور التي بلغت 8% فقط، لمن هم فوق الـ10 سنوات. 

أمّا في مجال العمل، فقد ارتفعت نسبة النساء العاملات في القطاعات الحكومية إلى 30% فقط. ومن الناحية السياسية، فقد نصّ الدستور العراقي على منح المرأة الحق في الترشّح والانتخاب، كما ضمن لها حق المشاركة السياسية وذلك من خلال تخصيص 25% من نسبة البرلمان. وبالرغم من أن الدستور قد كفل المساواة التامة بين الجنسين في الحقوق والواجبات في مواده وفقراته، إلا أن هذه المساواة التامة قد تحققت في النصوص نسبياً وليس على أرض الواقع. 

تقول فاتن الحلفي، عضوة سابقة في مفوضية حقوق الإنسان وناشطة في مجال حقوق المرأة، لرصيف22: "من خلال عملنا المستمر، ومن ملاحظاتنا لبعض الانتهاكات التي تواجهها المرأة، سواء كانت في عملها أو داخل منزلها أو في المجتمع، وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المرأة الكربلائية، إلا أنها أثبتت وجودها وذاتها ووصلت إلى مراكز قيادية وذوات مسؤوليات عالية من خلال المناصب التي تسلمتها في مختلف المؤسسات الحكومية ووصلت إلى أعلى الدرجات التعليمية وكذلك امتهان مختلف المهن على صعيد العمل الحر أسوةً بالرجل". 

انتهاكات جسيمة

بالرغم من أن الدستور قد كفل المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات في مواده وفقراته، إلا أن هذه المساواة قد تحققت في النصوص نسبياً وليس على أرض الواقع

وبالرغم من التطور الذي حصل في المجتمع، إلا أنه لا زالت هناك انتهاكات تتعرض لها المرأة داخل المنزل وخارجه عن طريق تزويجها خارج المحكمة، وفي عمر صغير، مما يؤدي إلى ضياع حقوقها الزوجية وحقوق أطفالها في المستقبل، إذ سجلت محكمة الأحوال الشخصية في المحافظة لعام 2021، أعداد زواج القاصرات وبلغ 1،569 حالةً، وبلغت حالات الطلاق لعام 2021، 3،208 حالات. 

تتحدث الحلفي، عن "أنواع العنف الأسري القائم على تفضيل الجنس الذكوري في ظل مجتمع عشائري يقوم بحماية الرجل دون المرأة، في ظل غياب التشريعات القانونية التي تناهض العنف الأسري، ما أدى إلى ازدياد حالات العنف ضد المرأة". 

وتشير إلى أنه "في الوقت الحالي أصبحت لدى بعض النساء ثقافة الشكوى، عندما تتعرض لأي نوع من أنواع العنف الأسري من خلال تقديم شكوى في قسم حماية الأسرة والطفل في المحافظة، وقد سجّل قسم حماية الأسرة والطفل حالات اعتداء الزوج على الزوجة في الربع الأوّل من عام 2022، بلغت 379 شكوى. ولكن أغلب النساء ما زلن يمتنعن عن إقامة شكوى بسبب الخوف من الأسرة والمجتمع مما يؤدي إلى تعرضهن المستمر للعنف". 

وتضيف: "أمّا المرأة الريفية، فلها معاناة خاصة مقارنةً بالمرأة في المركز حيث لا زالت تعاني الكثير في كافة جوانب الحياة فهي إلى الآن بالرغم من التطور الحاصل تضطر إلى السير لمسافات كبيرة للوصول إلى المؤسسات التعليمية والصحية ولا زالت تتعرض لأبشع أنواع العنف الأسري، بالإضافة إلى حرمانها من حقوقها الشرعية المتمثلة في قضايا الميراث وضعف الدور الحكومي في دعم المرأة العاملة في مجالات الزراعة والحرف اليدوية في ما يخص القروض التي تقدّمها المؤسسات المعنية". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard