ضحايا "تشابه الأسماء" في العراق... أن تموت تحت التعذيب لأن اسمك محمّد

الجمعة 18 فبراير 202206:59 م

محمد الدبي، مواطن عراقي من محافظة البصرة، استدعته مديرية مكافحة الإجرام في المحافظة كشاهد في قضية جنائية، ولكنه احتُجز عند دخوله إلى المديرية للاشتباه بتورطه في جريمة قتل بقي على أثرها رهن الاعتقال التعسفي لمدة 10 أيام رغم تعرف الأجهزة الأمنية على القاتل الحقيقي وتبرئة محمد من هذا الالتباس.

في الـ7 من آب/أغسطس من عام 2021 استُدعي أهل محمد لتسلّم جثته من إحدى المستشفيات، وعليها آثار التعذيب التي تبيّن ما مر به ابنهم قبل وفاته.

ضجت وسائل التواصل الإجتماعي بقضية محمد الدبي، وانتشرت على نطاق واسع، وطالب الشيخ عبد الأمير التعيبان رئيس عموم قبيلة الدبات السنبسية الطائية في حينها، رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ووزير الداخلية "بالتحقيق الفوري في ملابسات اعتقال ووفاة ابن قبيلتنا في محافظة البصرة محمد حافظ الدبي والذي فارق الحياة بعد تعرضه إلى التعذيب في مديرية إجرام محافظة البصرة، وإعلان الأسباب والنتائج أمام الرأي العام العراقي".

في الـ7 من آب/أغسطس من عام 2021 استُدعي أهل محمد لتسلّم جثته من إحدى المستشفيات، وعليها آثار التعذيب التي تبيّن ما مر به ابنهم قبل وفاته.

حتى اليوم، لا يزال المجرم الحقيقي طليق والقضية مهملة كحال باقي القضايا المشابهة.

ويزداد عدد ضحايا تشابه الأسماء في العراق، في ظل تجاهل مستمر من قبل الجهات المعنية لحل هذه الأزمة، ويعاني المشتبه بهم من شتى أنواع التعذيب وإجبارهم في بعض الأحيان على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، وقد تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام.

ودعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان له الإثنين الماضي، الحكومة العراقية إلى اتخاذ جميع التدابير الممكنة لإنهاء التداعيات الخطيرة لظاهرة "تشابه الأسماء"، والتي تسببت في السنوات الأخيرة باحتجاز أشخاص أبرياء وتقييد حريّتهم، ووصلت في بعض الحالات إلى إعدام أشخاص أبرياء لمجرد تشابه أسمائهم مع آخرين مشتبه بهم.

وقال المرصد الأورومتوسطي ومقرّه جنيف إنّ ظاهرة "تشابه الأسماء تتسبب بتقييد حرية وحركة آلاف العراقيين على نقاط التفتيش وفي المطارات ومراكز التوقيف نتيجة لتشابه أسمائهم مع أسماء مطلوبين على ذمة جرائم متعددة، إذ تقوم الجهات الأمنية في بعض الأحيان بالتعسف في احتجازهم، وتعذيبهم بما يُفضي إلى الوفاة".

علي السامرائي، 27 عاماً، موظف في إحدى الشركات المحلية، تمّ اعتقاله على يدّ القوات الأمنية عند مدخل العاصمة الشمالي، بعد الاشتباه بانتمائه لإحدى الجماعات الإرهابية، قضى على أثر ذلك قرابة الشهرين في السجن دون مسوّغ قانوني.

وكلت عائلة السامرائي محامياً للدفاع عنه وبيان اختلاف اسم الأم والمواليد بينه وبين المتهم الحقيقي، ولكن رفض ضباط التحقيق هذه المسوغات بحجة احتمالية تزوير عائلته لأوراقه الرسمية، وهو الأمر الذي يضعه السامرائي في إطار الابتزاز المعروف، ويشير إلى أنه أهله اضطروا إلى دفع مبلغ 40 ألف دولار للضباط من أجل الإفراج عنه.

حوّلت الأجهزة الأمنية في العراق قضية تشابه الأسماء إلى وسيلة لكسب المال، فتتقاضى مبالغ تصل إلى آلاف الدولارات من عوائل الضحايا الأبرياء، فقط من أجل مكالمة هاتفية أو إدخال طعام وملابس

استطاع أهل السامرائي دفع المال لقاء حرية ابنهم، إلا أن هذا الحال لا ينطبق على كثير من الذين يتم اعتقالهم بسبب تشابه الأسماء وهم غير قادرين على "دفع ثمن" الإفراج عنهم، كحال الشاب عمر السراي الذي اعتُقل بتهمة اسمه لأكثر من 6 أشهر ولم يُفرج عنه إلا بعد توسّط أقربائه لدى إحدى الشخصيات السياسية، من

يرى المحامي علاء البياتي أن الابتزاز هو الصفة الغالبة في مثل هذه القضايا، حيث ترفض الأجهزة الأمنية الإفراج عن المتهمين للاستفادة من المبالغ المالية التي يقدمها عوائل الضحايا لهم من أجل توفير بعض الميزات لأبنائهم، مثل إجراء المكالمات الهاتفية وبدل الطعام والملابس، وتصل قيمة هذه المبالغ إلى 2000 دولار شهرياً، أو دفع مبالغ أكبر من أجل رفع القضية إلى المحكمة.

حتى بعد تبرئة الضحية في المحكمة، يذهب بعض الضباط إلى تجميد قرار الإخلاء حتى دفع مبالغ أخرى من أجل الإفراج عن المواطن البريء

ويؤكد البياتي أنه "حتى بعد تبرئة الضحية في المحكمة، يذهب بعض الضباط إلى تجميد قرار الإخلاء حتى دفع مبالغ أخرى من أجل الإفراج عن المواطن البريء".

ويكشف أحد ضباط مديرية إجرام بغداد (رفض الكشف عن اسمه) لرصيف22 أن "المديرية تعلم بهذه الظاهرة، إلا أن تدخل جهات سياسية عليا يمنع القضاء من التحرّك لوقف هذه النتهاكات"، مشيراً إلى أن "الأحزاب السياسية تستفيد من هذا الاعتقال مادياً من خلال الرشاوى المقدمة ولدينا معتقلين منذ سنوات، تم إثبات براءتهم، ولكن لا يزالوا قيد الاحتجاز بأوامر حزبية".

هذا الواقع، يدفع بالباحث في الشؤون السياسية الدكتور محمد العزي إلى لوم النظام السياسي في العراق "الذي أتاح سيطرة الأحزاب على عجلة العدالة فضلاً عن سيطرتهم على النظام التشريعي، ونفوذ هذه الجهات الحزبية أسهم في عدم إقرار أي قانون واضح ينهي هذه الظاهرة".

من جهته، يرى الباحث في الشأن الأمني علي عبد الإله أن "عدم وجود قاعدة معلومات موحدة بين الأجهزة الأمنية هو أحد أبرز أسباب ارتفاع حالات تشابه الأسماء"، ويوضح أنه "في بعض الحالات، يكون اسم أحد المطلوبين مدرجاً ضمن منظومة الحشد الشعبي دون وجود هذا الاسم لدى منظومة الجيش وبالعكس، إضافة الى إهمال أرشفة كامل بيانات المتهم والتي من شأنها توضيح اختلاف اسم الأم ومواليد المتهمين ومحل ولادتهم".

لا تنتهي روايات تشابه الأسماء في العراق. ذهب عبد الرحمن الملا (31 عاماً) ليحاول إصدار البطاقة الوطنية الموحدة، فتم اعتقاله بتهمة تورطه بجرائم إرهابية، وبقي في السجن 3 أشهر، إلى أن تم اكتشاف أن المتهم الحقيقي معتقل في سجن الناصرية منذ عام 2018، ليُفرج عنه تالياً بعد خضوعه لجلسات تعذيب جسدي ولفظي كما يقول لرصيف22.

لا تنتهي روايات تشابه الأسماء في العراق. ذهب عبد الرحمن الملا  ليحاول إصدار البطاقة الوطنية، فتم اعتقاله وتعذيبه بتهمة تورطه بالإرهاب، وبقي في السجن 3 أشهر، إلى أن تم اكتشاف أن المتهم الحقيقي معتقل في سجن الناصرية منذ عام 2018

يُفيد الملّا أن المحكمة قد زودته بكتاب يؤيد الخطأ الحاصل إلا أنه اعتُقل مرة ثانية لمدة شهر، بعد أن رفض الحاجز الأمني الاعتراف بهذا الكتاب القضائي، ما دفعه إلى عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة، فضلاً عن الخوف الدائم من مراجعة الدوائر الحكومية لتسيير معاملاته الاعتيادية، حتى أنه يؤجل فكرة الزواج كما يقول، خوفاً من الاعتقال مرة ثانية.

ويؤكد الناشط المدني في منظمة إنسان ومقرها في بغداد صعب الراوي، "ارتفاع عدد الشكاوى بسبب اعتقال الأبرياء بسبب تشابه الأسماء خاصة في فترة ما بعد مظاهرات تشرين وازدياد المطالبات بحل هذه الأزمة"، ونوّه إلى أن المنظمات المدنية رفعت هذه الشكاوى إلى الجهات المعنية ومنظمة الأمم المتحدة دون جدوى، إذ لم يتم إصدار أي قانون من شأنه القضاء عليها.

يذكر أنه وحتى الآن، لا توجد أي إحصائيات رسمية تبيّن العدد الحقيقي للأبرياء الموقوفين بسبب تشابه الأسماء، خاصة في ظل تعمد السلطات الأمنية إخفائهم، أو إجبار هذه الفئة على الاعتراف بتهم مختلفة من أجل تجنب الفضيحة.

وفيما يزداد عدد المعتقلين الأبرياء في سجون العراق، ترتفع مخاوف المواطنين من زجهم في السجون تحت بند تشابه الأسماء، في بلد يملأ الخوف جميع جوانبه كما امتلأ بالفساد، فيما يقبع فئة كبيرة من الشباب، في سجون هي أقرب إلى معتقلات حرب، يتعرضون فيها لأبشع أنواع التعذيب، فقط لأنهم يحملون أسماء "مشبوهة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard