إعادة أل التعريف إلى الله

السبت 23 يوليو 202202:06 م

 المفاهيم


تبدو المفاهيم كمجازات مصابة بتصلب الشرايين ، مجازات تمعدنت بالتكرار والاستخدام، كلمبات شوارع تضيئ للعابرين بضوءٍ فاترٍ وبدرجةٍ واحدة من الشحوب نفسه، الأنين الخافت شوقاً لروح المجاز الغامض.

يقلّب المجاز المفاهيم كصيادٍ يقبض على سمكة ثم يرميها في الحياة من جديد.

قد تبدو تجربة قاسية بعض الشيء، لكنها لعبة المجاز التي ليست أدنى من ألعاب كبرى سواها، كالموت أو الحلم.

المبتدأ الضائع

 هو الضمير المخنوق للشريط الإخباري، مثلاً نقرأ الخبر: انتشال عشرين جثة لمهاجرين لاجئين في البحر، ثم يسير الشريط لتأكله حافة الشاشة حرفاً حرفاً، ويولد خلفه خبرٌ بمبتدأ مخنوق يتدحرج بين مستقيمي الشريط.

الخبر العابر طفرة، لأن الخبر لا يعبر في أرض مبتدئِهِ، بل يقول ثم يقيم.

الخبر يصبح عابراً بمبتدأ مخنوق، أو أرض محروقة، أو ظلمة أعماق البحار.

الخوف

الخوف مجاز التعجّب. كأن أقول لك: أخشى عليك!

تخشى عليّ!

ولكن...

تعال لننتبه مما نخاف؟

لا أحد سوانا. 

النهار

فعل مضارعٌ للضوء

الأيمان

 لا طريق أمام مفهوم الإيمان لتحقيق ذاته البكر سوى في تحريره من اقتراحات المعرفة. إنه مفهوم مضطهد، مكموم ، هو علاقة مع اللامعرفي، حرّ من الأفكار ومصالح الكائنات. إنه اتصال مع طاقة الحلم الأكثر حضوراً في عقول الكائنات.

نقرأ الخبر: انتشال عشرين جثة لمهاجرين لاجئين في البحر، ثم يسير الشريط لتأكله حافة الشاشة حرفاً حرفاً، ويولد خلفه خبرٌ بمبتدأ مخنوق يتدحرج بين مستقيمي الشريط... مجاز

نقيض الشك ليس الإيمان بل اليقين. فلا وجود للإيمان بين الشك واليقين.

الإيمان المعرفي هو إيمان بإله أو نبي أو طائفة أو جماعة أو شيخ أو مبادئ عصابة، إنه إيمان مغتصب بالمعرفة، يوزعه العالم عليناً كمن يزرع الجثث في غابة محروقة، ويطلب أن نرويها بالدم كي تصبح أشجاراً .

المفاهيم في طفولتها هي كثافة الحدث في الزمن قبل أن ترصدها المعرفة، ولها غوايات فائقة، وأهمها الإيمان الغامض باللاشيء... عدمنا الخاص. تلك الطاقة الخالدة.

الجزيرة المجهولة

عقدة الوعي البشري،  كلما أصابها التهالك تذوي جذور البشرية في خيالٍ بائسٍ.

ها هي البشرية تبحر محاولة استعادة شغف متهالك نحو المطلق ولسان حالها يقول: طالما أن الحياة الواعية قادتنا إلى ما بعد اليأس، فلننطلق إذن إلى العدم، الجزيرة الأخيرة المجهولة أمام الوجود.

المغامرة

كلمة مستهلكة بعيداً عن معناها الصامت، حيث في أعماقها الغامضة ينمو ذلك الاحتكاك مع فرصة الموت، الوقوف على بوابته، حينها ستصرخ حين تنجو: هذه حياتي!

لتلتقط بداياتك من جديد، وتمضي ألِقاً كمغفلٍ عاشق ينهض بعد كبوة.

التداول

طاقة هائلة تحتاج لاستهلاك متزايد من الوقود الحيوي، الوجودي، كي تستمر في الحركة.

البضاعة تستهلكنا بشراسة وحش خارج من قفص. لأننا اخترعناها واستهلكنا واستثمرنا فتوتها وشبابها بما يليق بكائنٍ أدنى من التوحش، ثم حبسناها في قفص نواظم حضارتنا الشرسة.

البضاعة تلتهم سجانها لأنها حرةً بطبيعتها خارج مفاهيمنا، ولأنها تقبض على سر استهلاكنا للوجود. إنه التداول.

التداول علاقة مع الآخر، علاقة مع الجحيم.

هل سننجو؟

 يبدو سؤالاً سخيفاً ، ولكن ربما نتساءل باحترام كوميدي/ دانتوي ونحن نتأمل حقيقة أن العصر الذهبي للفن الإنساني استمد روحه من جحيم دانتي، ولم يستمدها من زفاف وردة وحيدة في البرية. كأن نقول مثلاً: هل نستطيع أن نبتكر تداولاً لا يلتهم الحياة ويحولها إلى بضاعة؟

الاستهلاك  

الاستهلاك ليس وحشاً، بل هو فراغ يحشرك مع الوحوش منتظراً من سيلتهم الآخر. إنه فراغ انتظار شخصي ينمو كلما التهمت وحشاً أو التهمك.

فراغ وحشي عتيق، يأخذك إلى سيرك الوجود، كمن يقود فيلاً مكبلاً من البراري ليرقص في حضرة العدم.

الانتقام

مفهوم بترت المعرفة أطرافه وأدخلته إلى تماهي الفرد مع الإله و النبي ومع أي قابضٍ على معرفة تحيطك بالخوف من مصدر مظلم لا شكل له.

لقد أخذت المعرفة مفهوم الانتقام من "مستقبل لحظة غريزية" للدفاع عن الحياة في لحظة تهديد قصوى، وجعلته رمزاً يرتدي ثوب البطولة، ليصبح فاتناً، نبيلاً، قابلاً للتحلل في منظومة الوعي البشري كشكل ناصع من أشكال الحق .

الإيمان المعرفي هو إيمان بإله أو نبي أو طائفة أو جماعة أو شيخ أو مبادئ عصابة، إنه إيمان مغتصب بالمعرفة، يوزعه العالم عليناً كمن يزرع الجثث في غابة محروقة... مجاز

الحكاية  

جنية الغواية التي لا تموت، الغامضة، إنها تحدث بين عشبةٍ ونداها المتدحرج عند الفجر، كما تحدث بين الأكوان والمجرات البعيدة وعقل طفل.

ومنذ أن نسجت المعرفة شباكها على الوجود، تعرضت الحكاية للانتهاك، وكان عليها أن تجدد روحها كل لحظة تحت الشمس أو فوقها، وستبدو لنا بأنها تنتقم من شباكنا وشبكاتنا ونواظمنا وفوضانا.

انتقام الحكاية

"لقد غصت في المطلق كغبي، وخرجت منه كساكن كهف".

هكذا يتحشرج صوت إميل سيوران الحاد والجارح كمبضع ضروري لتضخم جثث الأفكار التي راكمتها حربان عالميتان، وقرون من الانحطاط قبلهما.

وما كان المطلق أولا سوى حكاية. لقد تسللت الحكاية مع الأفكار كأم تراقب طفلها المضطرب وتتبعه كحاميةٍ لنموه المضطرد، فبنى أفلاطون مدينته بشوارعها وسكانها وقوانينها، ثم تسللت الحكاية إلى روح أخبار ثيسبس وإلى المناظرات السردية الجافة، لتقتحم حلبات المسارح عبر حكايات سوفوكليس ويوربيدوس وأسخيلوس، وتسكن كجنية في رأس أرسطو، حتى يكتب عنها معترفاً فيها كفن ينبثق من روح الشعر، وستجد طريقها إلى دانتي لتسكن جحيمه وفردوسه، ثم لتسكن في روح المطلق والمعتقد، وتشكل هيكلاً عظمياً في معرفة الجنس البشري نحو العالم.

إنها إذن الجنية المشاغبة المشاكسة والتي لا يمكن الاستحواذ عليها.

غامضة، ساحرة، مادة خارقة وغير مدركة، يمكنها أن تحوّل كومة من الأحرف الصدئة إلى كينونة، فنراها تجمح في آسيا وفي فوضى الحواضر الفاتنة مع حكّاءي الليل، وتتخلل الحكمة والخيال في ألف ليلة وليلة، ثم لتجعل شكسبير "موعداً بين فأس ووردة".

وعلى خطى سوفوكليس ودانتي ، قدم شكسبير الحكاية كثوب/مطهر جديد لتخليص حكايات تاريخ العائلات الحاكمة من الموت عبر الحكاية الفاتنة التي تحوّل اشمئزازنا من الوجود إلى حكمة، وليلقي على الفن ثوب فخ فاتن، له عمق طهراني وجسد عابدات باخوس. وإذا كان المسرح هو الخطأ الأكثر تحبباً بحق الحكاية، فإن الارتكابات القاتلة بحقها تأتت من التاريخ، من غَدْر التاريخ بأصالة حكاياته، عندما قرر أن يصنع تفاصيل الحكاية بالإرادة والقوة واحتكار الحدث، مستخدماً الواقع كحلبة بلا جدران، وبانتهاك مفتوح.

تنتقم الحكاية عبر الهرب إلى الواقع، لتعيش في صدور أبطالها الحقيقيين وفي تفاصيل حضورهم الواضح في المعايشة والملتبس في القول.

 إنها تقول لصُنّاع الحكاية: "أنتم موظفون مثاليون ولستم مبدعين، ولستم من يمتلك حقي في الوجود خارج صناعتكم"، وبهذا فإنها تنتزع الشرعية العميقة عن الفن، كضرورة لصناعتها.

تنتقم الحكاية بإتقان مريع، وآثار انتقاماتها عبر التاريخ لا تزال قائمة حتى اليوم، فمن يصدق أن الأرض التي أنجبت سقراط وأرسطوطاليس ويوربيدوس وأسخيلوس وأوفيد وهوميروس وهيراقليطيس والقائمة تطول... من يصدق أنها الأرض نفسها التي نسميها اليوم اليونان؟

ومن يصدق أن الأرض التي أنجبت حمورابي وجلجامش والفراعنة والفينيقيين ورهط الأنبياء و وابن سينا والخوارزمي وابن رشد والمعري والمتنبي وابن الهيثم وعباس بن فرناس وابن الهيثم والقائمة تطول أيضاً، هي ذات الأرض التي نسميها اليوم البلاد العربية؟

من أراد النظر إلى الماضي سيرى فصول انتقام الحكايات من مغتصبيها، حينما دخلت بصمت إلى الحواضر والمدن وصنعت نفسها بالدم المخنوق نفسه الذي تفتق من جراح انتهاكها ذات يوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard