رسائل موت إلى السيدة "حياة"... لماذا يموت العساكر بدل الجنرالات؟

السبت 2 يوليو 202201:13 م

 على ورق الورد


الرسالة الأولى

مساء الخير يا داليا، منذ شهر أو أكثر لم أتلقَ منكِ رسالة جديدة، وأنا لا أملك إلا أن أنتظرك.

أنا معبأ بالغاز المسيل للدموع والرصاص وكلمات الحُب، معبأ بالكثير من صور القتلى وصور الدماء التي لا تفارق خيالي. أتعلمين أن كل جندي يحارب يفقد جزءاً من هويته الإنسانية؟ الناس هُنا مسعورون يا داليا، يقتلون حتى الحيوانات. أعلم كم هذا مؤسف لكِ ولكن تلك هي الحقيقة. في ساحة الحرب لا مجال لأشياء كثيرة، لا مكان للخوف، للتراجع، أو حتى الأمل. في الحرب ليس كما في الحياة، فالاستسلام قد يعني الموت، ولذلك أنتظر رسالتك حتى أشعر بنبضي، وبأني ما زلت قادر على السير وسط الغابات، نسيت أن أقول أيضاً إنه لا مجال للشعور بالألم، لكن ثمة شيء يلاحق الجندي أينما ارتحل، أتعلمين ما هو؟ الحنين، نعم الحنين إلى الراحة والنوم وتناول الطعام من يد الأم، يحن كل واحد هنا إلى بيته الذي أضطر أن يتركه من أجل الدفاع عن قضية أمته، أو من أجل رغبات ديكتاتور مجنون!
أنك تلاحقينني بشكل دائم، تدهمني صورتك أحياناً وأنا أطلق الرصاص على الجبهة الأخرى، أتماسك حتى لا أبكي، هل يمكن لجندي أن يبكي يا داليا؟! ولماذا يبتسم إذا ما كان سيلقى حتفه عما قريب، لماذا نموت نحن العساكر بدلاً من الجنرالات؟!
لم أعد أعلم شيئاً، لم أعد أميز الأشياء، تتداخل الحقائق والخيالات في ذاكرتي كثيراً. أتساءل هل ما زلت أملك نفس مشاعري؟ هل ذاكرتي مازالت ذاكرتي أم أن كل شىء اختلف؟
أجهل الكثير هنا، ولكن رجائي أن تكوني بخير. قبليني في رسالتك القادمة، ولا داعي أن تعطريها، رائحة الجنود هنا لا تتيح لي أن أتذوق الطعام حتى، أحبك كثيراً.

الرسالة الثانية

يقولون إن للقطط سبعة أرواح، ولكني بعد ما شاهدته اليوم أظن أن للجنود ثمانية أرواح، فقد ضحّوا بسبعة منها في الأسابيع الماضية.

لا أعلم كيف سنتجاوز تلك التلال، لا نستطيع العبور بتلك المعدات الثقيلة. انكشف الغطاء الجوي. فقدنا عدداً كبيراً من الرجال، ولكن جاء إلينا اليوم مدد جديد. قابلت أحد أصدقائي القدامى، أخبرني أن والدتي أصيبت بالربو. هل هذا حقيقي؟ لماذا لا تكتبين لي منذ مدة؟ سأعتبر أن خطاباتي لم تصل إليكِ بعد، ولكن حتماً سنلتقي، يتراءى لي أني سأقابلك عما قريب، لكني لست ملكي ولا أملك أن أقدر المدة ولا أن أحدد المكان، الحرب متاهة لا تملكين فيها أية قرار.
أحلم الآن أن ألقي جسدي الهَرم على السرير دون أن أفكر في أي تداعيات. أريد أن أضع كل الأفكار جانباً. إنني خائف أكثر من أي وقت مضى وأتساءل من يمكنه الانتصار: طبقة العمال الكادحين أم الرأسمالية الجارفة؟ هل ماركس كان يؤمن حقاً بما كتبه؟! هل يمكن تقليم أظافر البرجوازيين؟! صراعات هذا العالم لا تنتهي، ولكني أحلم بالثورة فهي ملاذنا الأخير. إنها أقرب من أي وقت مضى وإن لم تكن للبلاد فلتكن للمحبوبين يا داليا، فلتكن لي ولكِ.

ثمة شيء يلاحق الجندي أينما ارتحل، أتعلمين ما هو؟ الحنين، نعم الحنين إلى الراحة والنوم وتناول الطعام من يد الأم، يحن كل واحد هنا إلى بيته الذي أضطر أن يتركه من أجل الدفاع عن قضية أمته، أو من أجل رغبات ديكتاتور مجنون... مجاز

الرسالة الثالثة

الأيام تعصرني كحبة كرز، وفي أسوأ الأحوال تدهسني كحبة رمل، الآن بدأت حمّية الجو، فالصيف يتآهب للدخول. كم أكره هذا الفصل يا داليا.

الفقد مرير، هكذا قالها لي صديقي المجند بعد فقد أعز أصدقائه، وكيف لي أن أشرح أن صديقه هذا يحاربنا من الضفة الأخرى، فقد استطاع الجيش اليوم بمداهماته أن يقتل عدداً من الضباط المهمين بعد عدة هجمات مباغتة وسريعة، وأخبرنا القائد – كي يرفع من روحنا المعنوية - ببعض أسماء القتلى البارزين في جيش العدو. شعرنا كلنا بفخر النصر، بينما صرخ صديقي في داخله، صرخة أطاحت بلون وجهه إلى الأصفر الباهت، صرخة مكتومة لم يتوقف بعدها عن البكاء في خلوته.
 كلنا نعلم مصيرنا إذا ما متنا في الحرب. ستلقى جثثنا الهامدة إلى مقابر جماعية، لا يعلوها اسم أو تاريخ لا ورود ولا أدعية.
على كل لم أعد أحمل السلاح، أصيب بعض المسعفين وتم إسناد المهمة لي. تزامن ذلك مع وصول رسالتك لم يتسنّ لي قراءتها بعد، ولكني فرح كطفل صغير يشارك يومه مع من يحب.

الرسالة الرابعة

على حين غرة يا داليا بدأ الهجوم، ولم أستطع لليوم الثاني على التوالي أن أقرأ رسالتك. إنها في جيبي على كل حال. أعرف أنك ستستغربين إذا ما كان هنالك وقت كي أكتب لك لماذا لا أقرأ إذن الرسالة؟
بصراحة لا أريد أن أقرأها، لم تصل رسالتك إلا قبل يومين بعد شهور من رسائلي. ترعبني فكرة أن أقرأ ما لا يسرّني وأنا من أبحث عن الأمل بأظافري أينما ذهبت. نحن الجنود لا نملك سوى التحلي بالأمل، لو تخلل اليأس قلوبنا سنموت، أؤكد لك ذلك.
أتعلمين، منذ مدة أسر الجيش العديد من الرجال والنساء المدنيين، من بينهم شاب وأمه لم يروا بعضهم البعض منذ أسبوعين. ترجت الأم من القادة في عدة مناسبات أن يفرجوا عن ابنها حتى لو بقيت هي سجينة، كما يناشد الابن أن يهتم العساكر والأطباء بصحة الأم المريضة بداء القلب، وكلاهما طالبا مرات أن يروا بعضهما، لكن القائد لم يسمح. توفيت الأم منذ ساعات، وبدلاً من أن يروا بعضهم أحياء فقد جاء السماح للابن أن يرى أمه ميتة ليدفنها. أتعرفين ماذا فعل؟ رفض الخروج لدفن أمه! أتدركين ما معنى ذلك؟ معناه أن اليأس تملك منه كالسم، كالسرطان، نهشه كما تنهش الأسود الفرائس!

قتله اليأس حياً، وأنت تطلبين مني أن أقرأ الرسالة، لا لن أفعل، فأنا أفضل أن أعيش على الوهم في هذه الأيام فضلاً عن الحقيقة. في الحرب لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص. إننا دائماً مهددون بالموت أو بالهرب وما أسوا الاختيارين.

رغم كل تلك الأحداث التي غيرتني هنا، ظل خيالي هو الشيء الوحيد الصامد حتى الآن، منذ زمن بعيد لم أكتب قصيدة جديدة، أشعر أنكِ طلبتي مني أن أكتب، في أقرب فرصة سأفعل وسأرفقها في الرسالة القادمة إذا ما حييت، أحبك يا داليا.

الرسالة الخامسة

آه يا داليا آه، هل رأيت أحداً يفتتح رسالته بكلمة آه؟ على كل حال نحن نحرز تقدماً كبيراً، وأنا، على غير عادتي منذ أشهر بعيدة، أشعر بالسعادة، كأنني ذهبت لتوي إلى السينما معك وشاهدنا فيلماً جميلاً. أعرف أنه تعبير حالم، خصوصاً أن المسافة بيننا كبيرة تفصلها الدماء والدبابات وآلاف القتلى والجرحى، ولعلك تسألين عن السبب، فأقول لكِ ببساطة إنني كتبت قصيدة جديدة.
لا تقفزي لقراءتها فما زالت أحدثك أو أرجو الكلمات كي تخرج لأحدثك. تحررت من اليوم الذي كلفوني فيه بتقديم الإسعافات عملاً بمهنتي كطبيب، والتي سمحت لي أن أتعرف على الوجه الإنساني للجنود بعدما خلت أنهم جميعاً بلا قلب.
أحترت كثيرا في أن أختار عنواناً للقصيدة، دائماً ما كنت أسند تلك المهمة إليك، ونتشارك سوياً في اختيار العنوان الأدق، ولكن أين لي بك الآن!
قبليني في رسالتك القادمة، ولا داعي أن تعطريها، رائحة الجنود هنا لا تتيح لي أن أتذوق الطعام حتى، أحبك كثيراً

لا أعلم مدى جمال ما خطته يدي، ولكني على كل يا داليا قد كتبت شيئاً، أعلم أنك ستفرحين به كثيراً، دائماً ما كنت دافعي في الكتابة، والآن تدفعني الحرب للهرب. أرجو أن تنتهي المراوغات سريعاً وأن أعود الى الوطن، أتقاسم كسرات الخبز معك، وأقبل يد أمي كل صباح، نصنع سوياً الفطور بلغة الحب، والغذاء بدافع الواجب، والعشاء تلبية لجوع منتصف الليل. أحلم كثيراً يا داليا وما أصعب الأحلام وأكثرها إرهاقاً، أما الآن فإليك بقصيدتي:
ما أقربك أيها الموت
وما أسوأك يا قبلات الوداع
قبليني حبيبتي حتى أموت
قبليني كي أعيش
أكلت اثنتي عشرة برتقالة في أسبوع
ولم أنتبه أبداً أنها فاسدة
شربت من دماء الموتى كؤوس المرار
كانت عيناك أمامي تلاحقاني كلما أمسكت سلاحي
كلما قرأت خبراً عن المفاعلات النووية
كلما منعوا المدنيين من الرحيل
كلما اقتلعوا الأزهار من مكانها
أنهم لا يجيدون شيئاً سوى المنع
يمنعون تارة ويقتلون تارة أخرى
لم تعد تجدي ممارسة السياسات الكاذبة
ولم يعد لي سوى أن أقبّل صورتك
أتفقد جوابك الوحيد
لا أقرأه
أوثق صداقتي بالوهم
وأتكلم بلغة الرصاص.

شبق يعتري جسدي المنهك
وأمل ينبثق من بين يدي
ونعي لشفتي التي لم تلمس شفتك منذ أشهر
وحيد في ملكوت الحرب
الحرب التي منعت الأغنياء من لعب البولينج والجولف والكوتشينه
يبدو أن للحرب وجهين كالعملة
 رؤوس كالجماجم
وجنود كأسماك القرش
ورياح ليست كالرياح
‏لم تكن سوى ليلة أخرى سيئة

تحت أروقة البرد القارس

كنت أعد أصابعي من الندم

أبكي حيث لا صوت بكاء

ولا نحيب ولا أحزان على الوجه

أغرق في ملكوتي الخاص

وأسكب دماء أفكاري فوق الطاولة

وأعبر بخوفي على متن الباخرة

وأقول وأنا أودع الأموات
أنتم الأحياء

أنتم من نجوتم

بينما نحن لم نفعل.

الرسالة السادسة

أخيراً، أُعلن خبر وقف إطلاق النار على الجبهة، وبدأ الجميع يسترجع جزءاً من حياته قبل الحرب. تسامرنا كثيرا وقُلنا الكثير من النكات البذيئة، وفي غفلة من الجنرال، قام أحد الجنود بضرب الرصاص في الهواء. يالها من رحلة طويلة على النفس قد أودت بكل الطيور في قلبي، إما للموت أو للهرب من قضباني الحديدية والبحث عن قلب آخر حر، أما أنا فلم أعد كذلك. غيرتني الحرب تماماً، جعلت مني نسخة باهتة، ألفت الدماء والرصاص والقتلى كما ألفت الأغاني والألحان والأصوات العذبة. بعد الحرب تختفي كل مظاهر الجمال ويتبدد كل شعور بالأمن والراحة.
تجاوزت صعوبة الأيام الماضية بحكايات الجنود، منها قول جندي وعيناه مليئتان بالدموع: "أسندت إلي مهمة الحرب تلك بعد أقل من شهر من عودتي من المناوشات البحرية. كنت قد بدأت أن أهيئ نفسي أن لا مزيد من الحروب، حتى داهمني خبر إستدعائي مجدداً وأنا لم أنته بعد من كوابيسي المتلاحقة التي تلاحقني فيها النيران والدبابات والرصاص والأمواج والأحجار، حتى بات صوت طرق باب غرفتي مزعجاً لي. كل صوت مهما كان منخفضاً يثير حفيظتي. أحسب أنني لم أعد أنعم بسمع جيد، في الحرب لا يوجد مجال لصوت منخفض، فما بالك بمن قضى سنتين على هذا المنوال!".
الحرب تنهش فينا كالكلاب، تقتل فينا المشاعر والقدرة على التعبير، تفقدنا أسمى معاني الإنسانية، تفقدنا الحب، ومن نحب، ومع ذلك نحاول الحفاظ على إصبعي الوسطى والسبابة، أما لنرفعهما معاً من أجل الإشارة بالنصر أو من أجل إطلاق النار!... مجاز

ثم استرسل قائلاً: "لم أعد أودع الأحباب منذ ذلك الحين، في كل مرة أخرج ملوحاً إليهم بيدي مبتسما نصف ابتسامة، ماضياً إلي المجهول مرة أخرى، من يقدر على ذلك، من يقدر؟".
وقف الجندي الآخر الجالس بجانبه ليعرض فيلماً قصيراً عن حياته، وياله من ممثل بارع، ولا أخفيك سراً أنه من أشد الجنود قسوة ونفاقاً، ربما لذلك أجاد التمثيل. وقف ينظر إلينا بمزيج من تعابيره الهيستيرية التي تجمع الفرح والحزن في آن واحد، وبدأ يحكي بصدق لأول مرة: "أنني أشبه الحيوانات، ولعل بعضهم أشرف مني، حاولت جاهداً أن أجد عيشة كريمة ولكن والدي كان قاسياً ولم يشف غليلي غير القتل. تلك البندقية باتت جزءاً مني وأضاعتني من روحي وقضت على إنسانيتي".
إن الحرب تنهش فينا كالكلاب، تقتل فينا المشاعر والقدرة على التعبير، تفقدنا أسمى معاني الإنسانية، تفقدنا الحب، ومن نحب، ومع ذلك نحاول الحفاظ على إصبعي الوسطى والسبابة، أما لنرفعهما معاً من أجل الإشارة بالنصر من أجل إطلاق النار!
وكأن الموت يا داليا يلاحقنا وينظر إلينا من حين لآخر من أجل أن يلتهمنا. نظرت إلى السماء، أسترجع عادتي القديمة في التأمل، ولكن غلبني النعاس ونمت. ستنتهي الحرب قريباً... هكذا تشير المعطيات، لم يعد بيننا سوى جواب واحد وبعض الكيلومترات والكثير من الأمل حتى نتلاقى، أحبك يا داليا.

الرسالة الأخيرة

اجتاحت البلاد صافرات الإنظار بعد فشل المفاوضات، وبدا لي أن العالم يتبدل. أشعر بقرب النهاية هذه المرة، أما بالنجاة أو بالموت! لا أخفيكِ سراً، أصبت منذ ساعة برصاصة في الجانب الأيسر. لا أعلم تحديداً مدى سوء الإصابة، أطاح اللغم المدفون بأغلب الكتيبة وبدأت أشعر أن أحشائي تخرج مني.

ولكن يظل السؤال هل انتصرنا؟ أم أنني سأموت دون حتى أن أكمل رسالتي، تخرج مني الأنفاس بصعوبة بالغة ويقف بجانبي الجنرال تاركاً إياي للمصير المظلم.

نحن بانتظار الإمدادات الجوية العسكرية، وفي انتظار الإسعافات. لم أكن أتخيل يوماً أن أكتب عن وفاتي قبل حدوثها، بجانبي لترات دمي المتساقط على الأحجار والإسفلت، ألفّ الجرح بقماشة ربما تزيد من تلوثه، ولكني أريد أن أموت دون ألم.

أكتب لك رسالتي بخليط من الحِبر والدماء، لعل رسالتي تصلك مفعمة بالحزن واليأس وبعض بقع من دمي المتجمدة، ماذا عساي أن أفعل؟ لا أظن أنني سأنجو.
أتعلمين يا حبيبتي إني معبأ بالكثير من الأسئلة، ولكن حتى وإن كتبتها لن ألقى الرد، فلماذا أكتبها إذن؟ كل ما أعرفه الآن أنني أحبك كما لم أحب أحداً من قبل. هل يحق لي أن أجعل رسالتي معبئة بالشجن والحنين وبها رائحة الموت العفن؟ طالما حلمت أن أعود لأقبلك، أضمك إلي صدري وأبكي من هول الحرب، ثم تغمرنا السعادة والدموع وندخل إلى المنزل نمارس الحب، نشعل الراديو ونستمع للأغاني ونخبز سوية لنملأ المكان برائحة الخبيز. أريد أن أشم روائح التوابل والقهوة والكيكة بدلاً من روائح البارود والدم. أريد أن أكف عن البكاء ولكني لا أقوى على ذلك يا داليا.
لن أسامحهم أبداً، لن أسامح كل من ساهم في نشوب الحرب، كل من ساهم في بكاء الأمهات، لن أسامحهم يا داليا لن أسامحهم حتى في موتي.
آه كدت أنسى، رسالتك رسالتك يا داليا، الرسالة لا تزال في جيبي!

من بعيد

نظر الجندي المُحب إلي الجنرال طالباً منه أن يخرج الجواب من جيبه، خرج الجواب ناصع البياض لا تشبوه شائبة كأنما وصل لتوه، كان مغلفاً بالكثير من أكياس السلوفان، فتحه الجنرال وسلمه له وبدأ يقرأ. كانت عيناه تقفز من سطر إلى آخر بلهفة شديدة، كان يضحك كأنه يكتشف الضحك لأول مرة، كانت عيناه متلألئتين وثغره مبتسماً عن آخره، غمرته مشاعر الحرية والسعادة والحب، لم يخنه الوهم قدر ما خانته حقيقة الحياة، بدا في نفسه راضياً وسعيداً. لم يخب ظنه، كان الجواب المخبأ في جيبه ناحية قلبه دافعه وإيمانه للمضي قدماً والتغلب على ثقل الأيام، كأن الجواب كان سترته الواقية من الرصاص والموت.

وسط أزهار الكرز وسرب من الطيور المحلقة في السماء، ابتسم ابتسامته الأخيرة ونظر للجواب في يده ممسكا إياه بشدة: "الآن فقط يا داليا يمكنني الموت، كان جوابك أملي في انقضاء الأيام، وأصبح شافياً لآلام موتي، سأهنأ بالموت كما لم يهنأ أحد قبلي. سيقولون مات المُحب في ساحة الحرب غير متألم وسعيداً، بل سعيد جداً يا داليا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard