قيس سعيّد والدول الغربية... جفاء وإصرار على تنفيذ مشروعه

الجمعة 1 يوليو 202204:42 م

منذ إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد، عن الإجراءات الاستثنائية في 25 تموز/ يوليو الماضي، والمتمثلة خاصةً في تعليق عمل مجلس نواب الشعب، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، أصبحت تونس محطّ أنظار العالم ومحور اهتمام العديد من الدول والمجتمع الدولي خاصةً أنها قطعت أشواطاً مهمةً بخطى ثابتة نحو الانتقال الديمقراطي وعُدّت مشروعاً ديمقراطياً متميزاً مقارنةً ببعض دول "الربيع العربي" التي أسقطت أنظمةً دكتاتوريةً، ولم تجد توازنها بعد.

تواترت التحذيرات والانتقادات من العواصم والمؤسسات الغربية من ضبابية المشهد السياسي في تونس، ومن التضييق على المعارضة ومن ضرب المكاسب الديمقراطية في البلاد كما طالت الانتقادات الاستفتاء المزمع تنفيذه في 25 تموز/ يوليو المقبل. مواقف يعدّها قيس سعيّد في كل مرة تدخلاً سافراً في الشأن التونسي، ويعرب عن رفضه لأي ملاحظات من هذا القبيل، كما شدد في أكثر من خطاب على أنه لا مجال للتدخل في الشأن التونسي الداخلي.

موقف رئيس الجمهورية عدّه البعض خطوةً إيجابية نحو قطع الطريق أمام محاولات انتهاك السيادة الوطنية أو المسّ بها فيما عدّه البعض الآخر موقفاً من شأنه أن يقود تونس نحو عزلة دولية.

"ليست ضغوطاً ولا هيمنة على تونس"

يرى الدبلوماسي السابق أحمد ونيس، أنه عندما تكون تونس واثقةً من سياستها وثابتةً في الانتقال الديمقراطي بخطى مضبوطة وفعالة فإن الحوار مع أي مصدر كان في العالم يعتمد فيه المتدخلون الديمقراطية وجب الاستماع إليهم وتبيان الخطة الحقيقية إيماناً بتحقيق الانتقال الديمقراطي.

وأضاف ونيس في حديثه إلى رصيف22، أن من يعتزم الخيار الديمقراطي كنظام سياسي للوطن ينخرط في مجموعة ديمقراطية وهي بمثابة أسرة في مجموعة اختيارية غير منزّلة بإرادة أجنبية لا بالسلاح ولا بضغط أي كان، عادّاً أن الانتساب إلى الأسرة الديمقراطية يمكّننا من الإصغاء إلى نصائح المصادر الديمقراطية الأخرى، دولاً كانت أو مؤسسات، وإذا كانت النصيحة صحيحةً وارتكبنا نقصاً أو تأخراً في الزمن أو تخلفاً في المبادئ والمرجعيات نستدرك أمرنا وهذا لا يُعدّ لا ضعفاً ولا تواطؤاً.

"بالنسبة إلي الطرف الذي يدخل في حوار مع تونس ويقدم النصيحة ويحلل وينشر بكل شفافية نتائجه لا يوجد داعي للتحفظ والاستنكار بشأنه"

كما اعتبر أن تصريحات الفاعل الأجنبي لا تُعدّ تدخلاً ولا ضغطاً ولا هيمنةً علينا لأننا في حالة حوار ضمن الأسرة الديمقراطية التي هي أقلية في المنظومة العالمية ونحن نجتهد حتى نحقق الانتقال الديمقراطي الكامل لإرساء أركانه في تونس وفي صدد استكماله سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

وقال ونيس: "بالنسبة إلي الطرف الذي يدخل في حوار مع تونس ويقدم النصيحة ويحلل وينشر بكل شفافية نتائجه لا يوجد داعي للتحفظ والاستنكار بشأنه، أما إذا شككنا في نواياه أو صفته الديمقراطية فنتجنبه حينها"، متحدثاً عن تداعيات محتملة لمواقف تونس الأخيرة بشأن لجنة البندقية، لأن تدخل لجنة البندقية لم يكن مسلطاً على تونس وفق تعبيره.

وأوضح الدبلوماسي السابق أن تونس سنة 2011، عندما كان الباجي قايد السبسي يرأس الحكومة، اتصل أحد الزملاء في ديوانه بمجلس أوروبا وبلجنة البندقية وطلبنا منهم تأسيس تعاون بين تونس وهذه المؤسسات، أي أننا نحن من شرعنا في المبادرة معهم ودعوناهم لتقديم مساهمة فكرية وأدبية وقانونية في تحقيق سياسة الانتقال الديمقراطي التونسي وبقينا على التوجه نفسه، متابعاً: "الاهتمام الذي استظهرته لجنة البندقية لتونس، ليس فجائياً ولا اعتباطياً ولا تسلطاً ولا هيمنةً، هو فقط استجابة للحكومة التونسية منذ 2011 ولجنة البندقية قدمت مساعدات عديدةً للمجلس التأسيسي الذي انتهى في سنة 2014 بالمصادقة على الدستور التونسي الجديد. لا توجد أي غرابة في هذا التدخل، وإذا كنا موافقين معه نعبر عن ذلك وإذا كانت عندنا تحفظات نعبّر عنها، وإذا كنا غير موافقين نقول أيضاً. لا يكتسي الأمر أي خطورة ولجنة البندقية ليست لها صلاحيات تنفيذية هي فقط لجنة استشارية لا تمثل خطراً وتالياً استظهار التحفظ والعداء لهذه اللجنة يتجاوز السياسة التقليدية التي انتهجتها البلاد منذ سنة 2011".

وأضاف ونيس: "بالنسبة إلى الشركاء الأجانب الذين ينطلقون من مبدأ الخيار الديمقراطي ويسعون إلى تحقيقه في أوطانهم وفي العالم، هناك استغراب يمكن أن يتوظف عنه شيء من التحفظ في المستقبل في التعاون مع تونس".

المبدأ هو "الاستقلالية"

في تحدٍّ للضغوط الداخلية والخارجية، عبّر رئيس الجمهورية قيس سعيّد في العديد من المناسبات عن رفضه القاطع لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي للبلاد، وقد أسالت تصريحاته الأخيرة ذات العلاقة بلجنة البندقية حبراً كثيراً، وقال خلال لقائه بوزير الخارجية عثمان الجرندي: "لا مجال لتتدخل في شأننا الداخلي كما تفعل لجنة البندقية. سيادتنا غير قابلة للمساومة. ماذا يعني أن تتحدث امرأة عن ضرورة إعادة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وأن يتم الاستفتاء في الموعد الذي يحددونه هم وعن طريقة الاقتراع؟ تدخل سافر غير مقبول من تونس. لسنا في حاجة إلى مصاحبتهم ولا مساعدتهم. مستقبلاً هؤلاء الأشخاص إن كانوا في تونس، فهم غير مرغوب فيهم، الدستور يضعه التونسيون ولا يوضع في البندقية". تصريح جاء على خلفية الملاحظات التي ساقتها اللجنة في علاقة بإجراءات تنظيم الاستفتاء على الدستور.

وقد تواترت انتقادات الغرب لتحركات قيس سعيّد السياسية الأخيرة، وكان مبعوثو دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي قد أعربوا في بيان لهم عن قلقهم إزاء قرار حل المجلس الأعلى للقضاء، وهي انتقادات جوبهت برد رسمي من رئيس الجمهورية الذي أعرب بدوره عن القلق الذي يساور البلاد من قلقهم لأن تونس دولة ذات سيادة وفق تأكيده.

في تحدٍّ للضغوط الداخلية والخارجية، عبّر رئيس الجمهورية قيس سعيّد في العديد من المناسبات عن رفضه القاطع لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي للبلاد، وقد أسالت تصريحاته الأخيرة ذات العلاقة بلجنة البندقية حبراً كثيراً

بدورها لم تمر تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي وصف فيها حل البرلمان في تونس بتشويه الديمقراطية من دون رد ضمني من رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي قال إن تونس دولة ذات سيادة ولها اختياراتها وأنها ليست إيالةً عثمانيةً ولا تقبل بتدخل القناصل الأجانب.

على الرغم من "مقايضة" الغرب الدعم الاقتصادي والمالي لتونس بالمواقف السياسية، فإن رئيس الجمهورية متشبث بموقفه الرافض لأي تدخل أجنبي في تونس.

لجنة البندقية المثيرة للجدل

ورأى أستاذ القانون الدولي عبد المجيد العبدلي، أن رفض التدخل في الشؤون الداخلية لتونس من أي جهة خارجية هو المبدأ وأن رئيس الجمهورية بصفته المعبّر عن السياسة الخارجية للبلاد التونسية وجب عليه اتخاذ هذا الموقف لكنه يرى أن العلاقات الدولية هي علاقات مترابطة وقرار إنهاء عمل لجنة البندقية وغيرها من القرارات لا تُتّخذ بهذه الكيفية، بل تُتّخذ بالهدوء والرصانة.

رفض التدخل في الشأن التونسي يجلب المنفعة في حالات معينة ويضرّ في حالات أخرى، فعندما تتوجه تونس بمطلب قرض من صندوق النقد الدولي يمكن للجنة البندقية والاتحاد الأوروبي الدفع نحو عدم قبول هذا المطلب

وشدد محدث رصيف22، على أن تدخل "لجنة البندقية" في شؤوننا الداخلية مرفوض وعلى ضرورة إيصاد الأبواب أمام مثل هذه التدخلات عبر تحصين أنفسنا من الداخل لأن الداخل التونسي غير محصّن بحسب رأيه. وتابع: "اليوم البلاد مقسمة إلى شقّين، مع خلافات حادة ووضع اقتصادي واجتماعي متدهور. يشتكي المواطن من غلاء المعيشة والأجور مجمدة تقريباً منذ سنوات والتونسي أصبح غير قادر على أن يعيش في تونس بما يتقاضاه من أجر. وضع تونس في العلاقات الدولية لا تُحسد عليه. العلاقات الدولية هي علاقات مترابطة. الداخل والخارج أصبحا من اهتمامات بقية الدول في العالم، ولكن لا يجب أن يتحول هذا الاهتمام إلى تدخل مثلما فعلت لجنة البندقية. أرى أن ما قام به رئيس الجمهورية من حيث المبدأ مقبول ويجب عليه القيام بذلك لكن يجب أن نحصن أنفسنا من الداخل، لأنه عندما تكون لدينا حصانة، الخارج لن يتدخل. علينا أن نتجنب الاستفراد بالسلطة وتقسيم الشعب إلى شقين مع وضد، وأن يكون هناك انسجام بين أفراد الشعب وألا نتسرع في اتخاذ القرارات لأن القرارات تُتّخذ بالرصانة".

كما وصف العبدلي، لجنة البندقية بـ"اللجنة المشبوهة" التي وراءها مجموعات ضغط مذكراً بأنها تضم 60 دولةً وتوسعت بعد إنشائها سنة 1990، على العديد من الدول من بينها إسرائيل، كما تساءل عن جدوى انضمام تونس سنة 2010 إلى هذه اللجنة التي تصنع الدساتير وتقدمها للدول.

ونفى أستاذ القانون الدولي أن يكون رئيس الجمهورية في صراع مع المجتمع الدولي، عادّاً أن لكل شخص طبيعةً خاصةً أن ما قام به ردة فعل، في حين أن العلاقات الخارجية لا تُبنى على ردة الفعل والتشنج بل بالهدوء، وأنه عندما يكون الشخص في منصب رئيس الجمهورية يجب عليه أن يتخذ قرارات خارج ردة الفعل وأن تكون القرارات موزونةً ومحسوبةً لأنه في مثل هذه الحالات سنعادي تقريباً كافة أعضاء المجتمع الدولي في حين أن تونس دولة نامية في حاجة إلى مساعدات.

وشدد عبد المجيد العبدلي، على أن كل دولة تساعد تونس لمصلحتها الخاصة وتترقب أشياء أخرى من هذه المساعدة وليس لمصلحة تونس، وعلى رئيس الجهورية أن يعي ذلك.

من جانبه، أكد الدبلوماسي السابق عبد الله العبيدي، أن القوانين والتشريعات في تونس تضمن أسس الحوكمة المتمثلة في كيفية التصرف في مؤسسات الدولة بطريقة تضمن الجدوى في توفير الأمن والغذاء للشعب، وأن التعاون مع الغرب يهدف إلى التحكم في الجريمة المنظمة والإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية، وبذلك فإن المصالح مشتركة في هذا المجال والغرب يساهم في دعم تونس لتشتغل هذه المرافق، وتالياً لا وجود لتدخل أجنبي فالغرب في صدد التدخل في شؤونهم لأنهم هم الممولون".

يضيف المتحدث: "عندما تدير شؤونك بطريقة تضمن فيها دائماً البديل إذا شعرت بأن الامتيازات التي تُطلب منك أكثر من المزايا التي تتلقاها، تنصرف وتعيد انتشار تحالفاتك وتبني شبكة علاقات ولا تترك المجال لأي ركن من أركان الشبكة للهيمنة عليك. وعندما تلاحظ وجود نزعة للهيمنة تحاول إعادة التوازن"، مشيراً إلى أن رفض الملاحظات التي توجَّه إلى تونس موقف غير سليم في كل الحالات وغير خطأ في كل الحالات، لأن هناك مواقف دافع فيها رئيس الجمهورية عن امتيازاته.

وتابع العبيدي أن رفض التدخل في الشأن التونسي يجلب المنفعة في حالات معينة ويضرّ في حالات أخرى، فعندما تتوجه تونس بمطلب قرض من صندوق النقد الدولي يمكن للجنة البندقية والاتحاد الأوروبي الدفع نحو عدم قبول هذا المطلب، وتالياً على الدبلوماسية التونسية التدخل وتوضيح وجهة نظرها، فعندما تقدّم تونس تفسيراً علمياً تكون مجبرةً على أخذه بعين الاعتبار ملاحظاً وجود عجز في أداء سياستنا ودبلوماسيتنا التونسية في هذا الجانب.

وختم بالتأكيد على أن رئيس الجمهورية لا يمثل جميع التونسيين في كل الحالات، فهو يتحدث عن الدوس على سيادة البلاد في حين أن أطرافاً أخرى ترى أن أهم شيء هو الديمقراطية والقطع مع الهيمنة.

على الرغم من الانتقادات الأوروبية والأمريكية، فإن الرئيس التونسي قيس سعيّد يسير قدماً نحو تنفيذ الخريطة السياسية التي عرضها والتي تتكون من استشارة وطنية واستفتاء شعبي على الدستور الجديد وانتخابات تشريعية نهاية السنة الجارية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard