شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
فستان زفاف بلون زهرة البنفسج

فستان زفاف بلون زهرة البنفسج

مجاز نحن والنساء

السبت 25 يونيو 202202:09 م

 في ليلة عرسي


 

تمسك أمي بأوراق ورد البنفسج الذي استطاعت تجميعه من حديقة المدرسة التي تعمل بها، تطحنهم جيداً داخل كوب نحاسي قديم لم نتخل عنه بعد، ونستخدمه دوما في طحن البهارات حتى التصقت به الرائحة طوال الأعوام. تضع بعض السوائل فوق الأوراق البنفسجية المقطعة، لتزيد من مزجهم معاً وحتى يصير قوامها كالعجين. تبدأ رائحة جميلة هادئة في التسلل نحوي، ممتزجة برائحة البهارات التي مازالت عالقة داخل الكوب النحاسي، لتذكرني تلك الرائحة بيد جدتي التي أورثت أمي وأورثتني طريقة صناعة هذا المزيج الفريد. تضيف أمي العديد من السوائل بمقدار معين محاولة التذكر تارة، ومستمعة لتصحيحي لها تارة أخرى. أعلم أن هذا المزيج هو الأمل الأخير لدي في علاج الأرق الذي ينتابني كثيراً تلك الأيام. تخبرني أمي أن خواء الرأس هو ما سيضمن لي النوم الهانئ. أسكب الماء الساخن فوق المزيج بعد تصفيته، فينساب الدفء الممتزج بالرائحة الهادئة داخلي أكثر.  

في الفاترينة

أتأمل فاترينة هذا المحل المهجور الذي اكتشفته لأول مرة. لم أكن أقصد منطقة لوران كثيراً، لكنه أخبرني أن هناك مطعماً داخلها سيبعثني لزمن آخر قديم. الديكورات الفخمة التي تذكرك بفترة الخمسينيات. صور أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي التي تملأ المكان كله. لم يكن المكان قديماً حقاً، لكنه فقط كان محاكاة لزمن يعشقه الكثيرون. لم أكن محبة بأي قدر للمكان كديكورات أو حتى كطعام. لست من عشاق سينما الأبيض والأسود والطرب القديم، لكنني كنت أظهر له طوال الوقت اعجابي بأن المكان حقاً رائع ومتميز، كأنني ولدت فقط لأشاهد تلك الديكورات وأعجب بها.

حينما غادرنا المطعم، ظللنا نجوب الشوارع المحيطة به دون هدف. كنت أحاول أن نطيل الحديث بأي قدر ممكن بعدما أمضينا أياماً كثيرة في خلاف ما لم أعد أذكره الآن، لكنه كان كافياً لجعله يتوقف عن الكلام معي تماماً لعدة أيام. نتحرك من شارع مضيء لشارع أقل إضاءة، حتى رأيته. كان محلاً أشبه بدكان قديم تومض فوقه لافتة محاطة بلمبات النيون التي لم تعد تضيء كلها. بضع كلمات إنجليزية فوق اللافتة بخط يبدو يدوياً، ورسمة لوجه امرأة ترتدي قبعة من القبعات القديمة التي كانت تظهر في الأفلام. واجهة المحل الزجاجية نظيفة وبراقة، عكس الملابس التي تبدو من خلفها، والتي تبدو كأنها اهترأت من كثرة تعاقب الشمس عليها.

طالما تخيلتني في زفافي بفستان بنفسجي معبق برائحة هادئة. يقولون إن اللون البنفسجي هو لون الثراء، الرفاهية والسفسطائية، لكنه بالنسبة لي، منذ كنت طفلة، هو اللون الذي يدمج مئات ورود البنفسج داخله. أن أصير جزءاً من ذلك الكل ولو للحظات... مجاز

كان أمامي مثلما تخيلته دوماً. فستان طويل بقماش بنفسجي دون أي نقوش، مفتوح من الرقبة على شكل حرف V عميقة، لون القماش يعطي انعكاساً بارقاً دون أن يحوي أي زوائد عليه، من الجانب كان يتبدى الظهر المفتوح لأسفل الظهر، لا تغطيه سوى بعض الشرائط الخلفية. وقفت أمامه متأملة، طالما تخيلتني في زفافي بفستان بنفسجي معبق برائحة هادئة. يقولون إن اللون البنفسجي هو لون الثراء، الرفاهية والسفسطائية، لكنه بالنسبة لي، منذ كنت طفلة، هو اللون الذي يدمج مئات ورود البنفسج داخله. أن أصير جزءاً من ذلك الكل ولو للحظات.

سأقف بفستاني البنفسجي في منتصف القاعة، ومئات الورود تفتح وتغلق من حولي

في الداخل كان المحل مترباً للغاية، بضع فساتين بيضاء متناثرة في المكان بموضات قديمة قليلاً، تيجان من الورد الأبيض البلاستيكي واللؤلؤ موضوعة في جانب وحدها. بعض القفازات من الأبيض الساتان، قصيرة وطويلة تملأ المكان، رغم أنه لم يعد أحد يرتديها الآن. بعض فساتين ملونة داخل واجهة المحل، لكن لم يجذبني سوى البنفسجي.

يجول معي بامتعاض داخل المحل. يمسك بالقماش المترب دون حماس حقيقي. أتأمل الفستان بانبهار حقيقي. القماش الذي أردته دوماً والشرائط الخلفية التي تغطي الظهر العاري كله. الذيل القصير الأنيق الذي ينسدل للخلف. أفكر في أن أذهب لقياسه. يخبرني أنه لا توجد فساتين زفاف بنفسجية. الجميع يرتدون الأبيض فقط. لكنني لا أتخيل نفسي سوى مرتدية ذلك اللون في الزفاف.

فستان فارغ

أتخيل القاعة بالديكور الكلاسيكي، الورود تملأ المكان كله. ربما سنختار بدلاً من القاعة مكاناً بحديقة خاصة به. سيكون وقت الظهيرة بلا شك. سأقف بفستاني البنفسجي في منتصف القاعة، ومئات الورود تفتح وتغلق من حولي. لن تكون هناك طاولات، سنجعل كل مدعو يمسك بباقة ورد في يده. ممر طويل من البتلات المتناثرة سنلقيها فوق الأرض كي أطأ فوقها أثناء دخولي. لا يليق المشهد سوى بعزف الكمان. ستسود رائحة ما هادئة وحالمة في المكان كله. سيكون صوت العزف خافتاً للغاية، لكنه سيملأ قلوبنا. سنلتقط عشرات الصور التي نضحك فيها حقا من داخل أرواحنا. أردد الكلام وأنظر نحوه لأجده قد تركني ورحل.

أحاول أحياناً لمس قماش الفستان بخفّة كيلا أفسده، أحياناً أخرى أتشجّع وأقترب بوجهي لأستنشق رائحته، وقتها تحلّق عشرات من ورود البنفسج حولي، فأشعر أنني أيضاً أحلّق معها نحو السماء... مجاز

أتأمل الفستان الذي وضعته داخل غرفة نومي معلقاً على الدولاب من الخارج. كان يبدو أنيقاً جداً وحالماً جداً، لدرجة أنني لم أعد أتمكن من إغماض عيني كيلا تذهب صورته من أمامي. فشلت جميع محاولات إقناعه بأن أرتدي الفستان البنفسجي في الزفاف، فآثرت إغلاق هاتفي وشراء الفستان رغم كل شيء. سأرتدي فستان زفافي الذي اخترته حتى لو كان بمفردي، أو بإلغاء الزفاف كله، مثلما أصر في تهديداته الهاتفية لي.

يبقى الفستان معلقاً أمام عيني ليلاً نهاراً. لا أتمكن من إغلاق عيني من كثرة التفاصيل الجملة التي أكتشفها كلما زدت في تأمله فيه. حتى أدق التفاصيل كأنني وجدتها داخلي على مر السنوات من تخيلي له. شيء ما داخلي يخبرني كأنني قصصت بنفسي قماشه وطابقت رسمته، بل واستخدمت حتى ماكينة أمي القديمة (السنجر) لتجميع أجزائه رغم أن هذا غير ممكن.

أحاول أحياناً لمس قماش الفستان بخفّة كيلا أفسده، أحياناً أخرى أتشجّع وأقترب بوجهي لأستنشق رائحته، وقتها تحلّق عشرات من ورود البنفسج حولي، فأشعر أنني أيضاً أحلّق معها نحو السماء. اشتريت أيضاً من نفس البائع تاجاً مزيناً باللؤلؤ والورود البيضاء، لم يكن للأسف يمتلك طرحة من قماش التل البنفسجية، فقط البيضاء هي ما وجدتها، فبدت نافرة للغاية وغير لائقة للعروس التي هي أنا. أمضي كثيراً من الوقت في البحث عن طرق لتصفيف شعري بطريقة جميلة تليق بالفستان والتاج.

تلك الليلة، بعدما شربت مجدداً مزيج بتلات ورد البنفسج الدافئة وساد خدره اللذيذ داخلي، تخيلتني لأول مرة أقيس الفستان. كان نفس مقاسي، كأنما فُصّل من أجلي وحدي. أضع سلسلة من اللؤلؤ رقيقة لتتناسب مع التاج الذي شبكته داخل شعري. أسمع صوت الكمان من بعيد وأتمايل على نغماته داخل الغرفة. لم أكن لأسمح لأحد من المدعوين أن يأتي بنفس اللون، ربما لكتبتها كملحوظة فوق الدعوات لو حدث الزفاف فعلاً. سأصبح أنا الوردة البنفسجية الوحيدة داخل المكان. أستلقي فوق الفراش، أضع الفستان فوق جسدي وأحتضنه لأذيبه داخلي وداخل أحلامي.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard