نريد للمساحات كلّها أن تكون آمنةً

الخميس 30 يونيو 202212:15 م

اختارت فاطمة فؤاد، توقيتها، ومعه توقيتنا. جرّتنا معها من دون أن تستأذن أحداً. دقّت بنفسها ساعة تعميق النقاش حول "تصديق الناجيات"، ومعنى الأمان، ليشتمل على الأسئلة الصعبة المتعلّقة بسياق الجرم، ومكانه، ومرتكبيه.

في السياق، كانت ليلةً صاخبة جسّدت فوبيا دار الفتوى وهواجس بكركي. 

في المكان، اقترف المعتديان انتهاكاتهما في مساحة عمل فاطمة، أو أرضها إذا صح التعبير، أي في ما اعتقدت ربّما أنه "مساحتها الآمنة" التي شكّلت حينها امتداداً لمساحتها الآمنة الأخرى، شارع 17 تشرين الأول/أكتوبر. أمّا تعرّضُ امرأةٍ لاعتداء في حفلة أصدقاء أو حانة رفاق أو مساحة ثقافية أو يسارية أو تقدمية... فليس بالأمر الجديد على النساء. الجديد كان ابتلاعنا خيبةً أخرى كان يمكن تفاديها لو عولجت هي وسابقاتها من انتهاكاتٍ جنسية وسلوكيات ذكورية وقعت في مساحات أُلصِقَتْ على جبينها صفة الأمان مجّاناً.

أمّا في ما يخص المُرتكبين، فهم كثر. كانوا الأقربين والغرباء. كانوا الفنّانين الذين يعدون بفتح ثقبٍ يعبر منه الحضور إلى عالمٍ ألطف تسقط فيه "الأنكزاييتي"، ولو لبرهة. كانوا المثقّفين وأصحاب العمل الذين ظنّ بعضهم -فنلقلْ بسذاجة- أنهم قد يُصغون ويصدّقون ويفعلون ما يستوجب الحفاظ على الأمان فعله.

ولكن ما هو هذا الأمان المنشود؟ هو بالطبع ليس انتفاءً للخطر ونزول الجنّة إلى الأرض والسهر مع جوقة ملائكة. هو أقرب إلى أذنٍ تصغي لسرديّة قد لا تروق لها، ووجهٍ يوحي بالثقة، وكيانٍ لا ينتظر أن تُحدّد له الناجية، مباشرةً من قعر انهيارها، كل الخطوات التي عليه اتّخاذها. فانتظار تحديد الناجية طلباتها ونضوج رحلتها لا يعني الجلوس مكتوفي الأيدي ريثما تستعدّ هي لدقّ ساعة الصفر. هناك دائماً أمور يمكن القيام بها -وآخرها اللا شيء- كعدم التعاون مع مغتصبٍ دلّتنا الناجية إلى جريمته، ومع داعميه الفخورين، أو التصفيق لهما كأن شيئاً لم يكن، فيما حياة المُنتهَك جسدها شبه واقفة. تُحاول التجاوز، فتعلق. تشجّع نفسها على النهوض، فتقع. تفكّر في أنها لا ترغب في أن يختزلها بوحها بـ"آه... هذه هي الفتاة التي اغتُصبت"، فتصمت.

انتظار تحديد الناجية طلباتها لا يعني الجلوس مكتوفي الأيدي ريثما تستعدّ هي لدقّ ساعة الصفر. هناك دائماً أمور يمكن القيام بها -وآخرها اللا شيء- كعدم التعاون مع مغتصبٍ دلّتنا الناجية إلى جريمته، ومع داعميه الفخورين، أو التصفيق لهما كأن شيئاً لم يكن

ثم لا يمكن قراءة سيل البيانات الداعمة للناجية الثائرة التي نجحت هي أيضاً في تحطيم صورة "الضحية المثالية"، من دون أن يتبادر إلى أذهاننا سؤال: إذا كان منسوب الوعي والتضامن عالياً إلى هذا الحد في مجتمعنا، فلماذا يحصل ما يحصل من تستّر وإهمال للشكاوى، كأنّما الانتهاك مجرّد أمر بسيط وروتيني؟ هذا السؤال موجّه تحديداً إلى الذين كانوا يعلمون ممّن يمتلكون السلطة. وهؤلاء في الواقع على حق، إنّ هذا الانتهاك أمر روتيني بالفعل.

وما هو هذا الأمان المنشود؟ هو بالطبع ليس السلوك الحمائي الذي غالباً ما يعزّز الوصاية الأبوية على الأشخاص. لكن الحق يُقال، إن هذا التقليد الأبوي يبدو في بعض الأحيان أشرف من الإهمال التقدّمي. فما العمل؟

ليست الإجابة بهذه البساطة، لكنها ليست بهذه الدرجة من التعقيد أيضاً. فلنتّفق على أنها تبدأ من الاعتراف بالمخاطر التي تُفرزها الهيكليات الذكورية في المساحات التي تراودها النساء بمعزل عمّا إذا كانت أشبه بمقهى شيشا، أو مركز ثقافي. وهي لا تنتهي بوجوب تحمّل المؤسّسات المعنيّة مسؤولياتها بوضوح، أولاً وأخيراً، قبل الأفراد أنفسهم.

فالمسألة ليست قصة أفراد أو "دي جايز" و"فنانّين بين بعض"، وسيرة مؤلمة لم يُعلم بتفاصيلها وقت حدوثها، كما أوحى مدير "معازف" الذي رفض آنذاك إقصاء المتّهم بالاغتصاب. شيء ما في ما قاله يُذكّر بجملة "إدارة الباركينغ غير مسؤولة عن الأغراض المفقودة". لكن كلا يا أعزّاء، الإدارة مسؤولة عن كل ما في عهدتها.

في ميدان الأمان المُستحدَث، عرف العالم العربي تجارب كثيرةً في السنوات الماضية، من المفيد مراجعتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها. على سبيل المثال، أُنشئت مجموعات شابّة في مصر كانت تحرص على أمن الساهرات والساهرين في الحفلات وتحدّد نقاط أمان للوافدات والوافدين. مجموعات ثقافية أخرى اعتمدت تذكير المشاركات والمشاركين معها بمبادئ رفض التحرش والإساءة قبل الانطلاق بأي نشاط جماعي، لتعلن بذلك موقفاً مؤسِّساً واضحاً يحدّد سقف التعامل مع كل ما سيتبع خلال الورشة أو النشاط المُنظّم. في الفنون التي يهيمن عليها الجسد، كالرقص والتمثيل، اعتُمدت بروتوكولات تواصل واضحة قبل المباشرة بأي عمل مشترك، والاتفاق على "كلمات أمان"، وبناء شبكات دعم أوليّة، قبل الوصول إلى مراحل الشكوى أو المحاسبة بأشكالها المتعدّدة.

الأمان ليس مساحةً معزولةً عن العالم، تُرمى أو تُعزل فيها النساء بوصفهنّ كائنات لها أوضاع خاصة صُودف أنها تدغدغ نزعة الهيمنة في الكثير من الرجال. لا نريد "مساحاتٍ آمنةً" في الحياة، بل نريد تأمين كل المساحات

تتبدّل أساليب صناعة الأمان وتعريفاته إذاً، وكذلك تداعياته على الناجية ومجتمعها القريب والمحيط، بين سياقٍ وآخر ومساحةٍ وأخرى، وقد تتنافس الآليات في ما بينها لالتقاط الأمان وفرضه على مساحاتها. لكن سرعان ما تعود وتراه، بعد أسابيع أو شهور، يتلاشى من جديد. لماذا؟ لأن ما من حالةٍ تشبه سابقاتها، وما من سافلٍ قوي يردعه حبرٌ على ورق، وما من عهدٍ يشبه سلَفَه، وما من شكلٍ أوحد للمحاسبة. تلك القاعدة الوحيدة التي يمكن الانطلاق منها لكيلا يصيبنا، وآلياتنا، الصدأ، ولكيلا نتحوّل إلى عناصر شرطة ستؤدّي مزايداتها وأحكام بعضها على بعض إلى مأدبة تآكل جماعي.

نسويات كثيرات لجأن في سبعينيات القرن الماضي إلى مقارباتٍ أخرى مختلفة جذرياً عن الآنف ذكرها، استلهمْنَها من نظرية الأمان الانفصالية، فبنَيْن مساحاتٍ تستقبل النساء فقط، ليستجممن فيها ويتجادلن ويبتْن لياليهنّ بهدوء، من دون أن يعني ذلك تمكّنهنّ من تحطيم كل هرميّات السلطة داخلها. لكن المغالطة السائدة كانت في وصفهنّ حصراً بالانفصاليات. ففي الواقع، لم يكنّ هنّ الانفصاليات الأُولَيات، إنما المجتمع هو الذي بادر إلى عزلهنّ عزلاً شديداً، وعنّفهنّ، وأقصاهنّ، دافعاً بهنّ نحو محاولة تشكيل أماكن بديلة أكثر أماناً وشموليةً في وجه مجالس رجال إلغائية لم تكن تحوي سوى رجال، ومراكز قرار انفصالية لم يكن يتبوّأها سوى رجال، ومساحات لم تكن تطلق العنان سوى لعنف بعض الرجال، وبعضُهم كثير.

التفكير في الأمان اليوم، كشعورٍ وحق وممارسة، ينطلق بشكلٍ أساسي من تطوير ماهيّته بالنسبة إلى المعرّضات والمعرّضين لغيابه، أي اللواتي لم يتمتّعن بطعمه في الأصل، كما والتفكير في ما ليس الأمانُ عليه: الأمان ليس مساحةً معزولةً عن العالم، تُرمى أو تُعزل فيها النساء بوصفهنّ كائنات لها أوضاع خاصة صُودف أنها تدغدغ نزعة الهيمنة في الكثير من الرجال. لا نريد "مساحاتٍ آمنةً" في الحياة، بل نريد تأمين كل المساحات، وهذا أضعف الإيمان، والأهم أن الأمان ليس مساحةً مستقلةً عن الحياة، التي بالمناسبة نريد أن نلتهمَها معكم، من ألِفها إلى يائها.

وسنظلّ نراود الحياة ومساحاتها لنثبت حقّنا فيها ونلهو معها، بالرغم من إدراكنا للمخاطر المحدقة بنا واحتمال عودتنا إلى المنزل مع مهبلٍ سينفجر من الغضب.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard