عندما تُعتم الدنيا في عيني، أهرب إلى البلكون

الجمعة 1 يوليو 202211:06 ص

في الصباح، يختلط صوت المنبه مع أصوات الحلم. أظن أنني لا أزال نائمة. ولكن بالنظر إلى الساعة، أجدها شارفت السابعة. لا بد أن أنهض. الطاقة متلاشية. أحملق في السقف. أتباطأ في النهوض بعينين ناعستين، وخطى متثاقلة، وروح مشحونة بالكسل.

أتذكر العمل، الطاحونة التي أدور فيها منذ سنوات. والتي تأكل وقتي وتلهيني عن ممارسة هواياتي في القراءة والكتابة والغناء. أسمع صوتين غريبين لا أدري من أين يأتيان. الأول يشبه صوت ماكينة أو موتور كهربائي. والآخر يشبه صدى آتياً من مكان بعيد. يترددان في الخلفية، أتجاهلهما حتى لا أتأخر، لكنهما يرتفعان إلى حد التصارع، كأنهما يتشاحنان. ما هذان الصوتان؟ هل سيفوز أحدهما على الآخر؟

ملكة نحل لا تتوقف عن العمل

في ظل العالم الرأسمالي - الذي يتمدد علينا كل يوم، ويحول أجسادنا إلى تروس في آلات تعمل بنظام ودقة، وتدور لتحقيق "لقمة العيش" - نركض يومياً من أعباء العمل إلى مسؤوليات البيت ثم إلى ضغوط الحياة. وهذا يحولنا جميعاً إلى موتورات كهربائية دون راحة. وبوجه خاص، يحول المرأة إلى جهاز توربيني لا يتوقف. الطاحونة التي تطحن فيها كل يوم كالرحى (الآلات الثقيلة). خاصة إن كانت عاملة ومتزوجة ولديها أطفال. حدّث ولا حرج من مهام العمل الموكلة إليها، مسؤوليات البيت، تربية الأطفال وتعليمهم، تلبية طلبات الزوج، إلى القيام بمهام التنظيف، الطبخ، إدارة شؤون المنزل، تدبير كل كبيرة وصغيرة. تظل ملكة نحل لا تتوقف عن العمل. وإن كانت موهوبة، فستسمع صوتاً داخلياً يصرخ فيها كل يوم مستغيثاً: "إلى متى سيتم دفني أسفل كل هذا"؟

في ظل العالم الرأسمالي - الذي يتمدد علينا كل يوم، ويحول أجسادنا إلى تروس في آلات تعمل بنظام ودقة، وتدور لتحقيق "لقمة العيش" - نركض يومياً من أعباء العمل إلى مسؤوليات البيت ثم إلى ضغوط الحياة

من ربة منزل بسيطة إلى مؤسسة كاملة

في العقود الماضية، لم تكن المرأة محملة سوى بالمهام المنزلية قبل أن يضغطها المجتمع والظروف المعيشية والأعباء المادية والحياة الزوجية إلى المشاركة في العمل. ورغم عدم اتفاقي مع تلك الفكرة من الناحية العملية - لأن العالم تغير، فإن لم تتغير هي الأخرى، فسيلفظها كطعام مسموم - إلا أن مجرد التفكير في تقليل الأعباء المادية والمجتمعية يجعلني أقتنص تنهيدة راحة. وذلك بعدما أضحت النساء الآن مؤسسات كاملة عليهن إدارة كل شيء. جبال تُرمى على أكتافهن كل يوم، يعملن في صمت رغم الانهاك البدني والاحتراق النفسي.

Multi tasked بالفطرة

أؤمن أن للنساء قدرات خارقة، فهن بطبيعتهن متعددات المهام أو كما يطلق عليهن multi tasked. ورغم ذلك أيضاً، فمن الظلم أن نعتمد على المرأة في كل شيء بحجة أن طبيعتها تؤهلها لفعل الكثير بيد واحدة. يد تهدهد الطفل والأخرى تعمل والعين على الموقد والعقل مشغول بالطفل الثاني.

الموهبة صوت داخلي يستغيث كل يوم

ماذا تفعل النساء الموهوبات وسط كل تلك الأعباء الموكلة إليهن؟ فبجانب كل ما سبق، عليهن ألا يهملن مواهبهن. عليهنّ أن يبدعن، يرسمن، يكتبن، يخرجن، يغنين، يمثلن. عليهن ألا يبقين بداخل تلك الطاحونة.

لكن من أين تأتي المساحة الفارغة لنسرق فيها وقتاً بسيطاً لأنفسنا، ونُرضي الصوت الثاني الذي يستغيث بنا كل يوم لنلبي احتياجاته؟ كيف يمكن أن نوفر وقتاً كالملاذ السري لنهرب إليه من كل ذلك؟ كوخ بعيد نختلي فيه مع أنفسنا واحتياجاتنا الحقيقية من راحة وتأمل واستمتاع بطيء بلحظات خفيفة خالية من متاعب تكدر علينا صفاء بالنا.

منذ فترة، تراكمت علي الهموم إلى الدرجة التي أدت إلى تجلّط قدمي اليسرى. وبعد إسعافي، نصحني الطبيب بأن أبتعد عن الأحزان، وأن آخذ إجازة من كل شيء. سمعت مرة الدكتور المصري-البريطاني مجدي يعقوب يقول إن كسر القلب ليست عبارة مجازية. إنها حقيقة، فالحزن يكسر القلب. وبالتالي، البعد عن كل الضغوط والأعباء والأوجاع يعتبر حلاً مثالياً، لذلك، ألجأ إلى الطبيعة.

أؤمن أن للنساء قدرات خارقة، فهن بطبيعتهن متعددات المهام أو كما يطلق عليهن multi tasked

تفتيش عن خضار الروح

أعشق التأمل في الطبيعة، أختلي بنفسي معها، أتحدث إلى الأشجار العالقة بالتربة. جذورها تشبهني، ثابتة مهما مر الزمن، وبذورها راضية رغم دفنها وحيدة. أما السماء، فأشعر بأنها قريبة من أناملي، تثرثر لي يومياً، أستمع إلى صفائها، يكاد ينطق لله جمالاً. ووجوه الناس ليست غريبة علي، تجاعيدهم تنم عن عمر انقضى بالشقاء والكد. فكل وجه يحكي ألف قصة. أستشف القصص من تعبيرات الوجوه. وجدت مرة عيناً ضاقت من ضيق الدنيا عليها، فأغلقت على نفسها، ولكنها تركت شرفة صغيرة تتطلع من خلالها على بقايا عمرها. أفتش فيها عن خضار الروح الفائت كمن يبحث عن إبرة ضائعة في حدائق من قش.

وردة ترقص على جسد النصيب

أجلس في حديقة ممتلئة بالورود. أتأمل وردة حمراء، أنظر إلى لونها المبهج، أركز في تداخل أوراقها بشكل جذاب ولافت للنظر. أقترب بفمي منها، ألثمها، قائلة: أحبك يا صُنع الله. ألاحظها توردت أكثر وتزينت بالخجل. آخذ نفساً عميقاً فيملأ الأكسجين صدري بذراته النقية. أشعر أنني أفضل حالاً مما كنت عليه، فأبتسم ويأتي الإلهام:

حلمٌ ترقرق بين أودية الحقول باسماً

وبرغم الوجد الكامن يشدو عالياً

يهزم الأقدار ويبقى لها شادياً

يرقص على جسد النصيب

بعدما أصبح عارياً

عندما تُعتم الدنيا في عيني، أهرب إلى البلكون. أستلقي على ظهري وأنظر إلى السماء. أسرح في مساحتها الشاسعة. أتأمل نجماً صغيراً فيها. أتخيل أنه صديق لي

نجم وفي يستمع لي

عندما تُعتم الدنيا في عيني، أهرب إلى البلكون. أستلقي على ظهري وأنظر إلى السماء. أسرح في مساحتها الشاسعة. أتأمل نجماً صغيراً فيها. أتخيل أنه صديق لي. مرة كتبت قصيدة في نجم صادقني مدة لا بأس بها.

لي نجمٌ...

أراسله...

عن بعد...

أسامره...

فيبعث لي...

بضي من...

نوره الوهاج...

ينير عتمة أيامي...

ويرعى كل أحلامي...

أشكو بثي...

فينصت لي...

يراقب دمعي الساكن..

يدنو مني. أحسه..

يلثمني...

فيا نوراً...

من خلق الله...

في فضاء حبك ضمني..

فسكن مولانا. يدفئني ويؤيني..

كتبتها قبل عشر سنوات تقريباً في بدايات محبتي للشعر. وبسبب حديث طويل مع نجم أضحى مع الوقت صديقاً وفياً، ينصت لثرثرتي ويحفظ سري، يشبهني في الضياع، هو ضائع في الفضاء الفسيح وأنا ضائعة في الكون الكبير كذرة تراب تائهة في صحراء العالم.

متأملة على أعتاب الكتابة

أجيد التأمل أيضاً في الكتابة، أنا وهي صديقتان حميمتان. تغيب عني، أعذرها، أغيب عنها، تقدرني، تبهرني باحتوائها لعبثي. أتحرر من قيودها، فتساعدني على الحرية، وتفك أناملي بسعادة، وتصافح قلمي بعطفها. تشملني شمولاً كاملاً، هي أوفى صديقة، تضمني وتحتوي جنوني، أتمناها فلا تبخل. أطلبها، فتفتح بيوتها على مصراعيها، حتى إن ضنت وبخلت أحياناً، أظل متأملة على الأعتاب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard