شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"حركات استفزازية تحتضنها الشرطة"... السويد تمنح إذناً رسمياً لإحراق القرآن

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتطرف

الثلاثاء 28 يونيو 202202:11 م

يقول الأديب والصحافي اللبناني أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة" إن تأكيد الهوية والانتماء من الممكن أن يتحول إلى "أداة حرب" عند اجتماع واتحاد وتعاضد فئة تتشاطر عناصر الهوية وتجد نفسها عرضة للخطر، خطر الإهانة أو السخرية أو التهميش أوالقمع". 

يحاول معلوف من خلال الكتاب أن يمتحن الهوية والانتماء في حال تعرّضهما للخطر فيقول: "أتحدث عن هويّات قاتلة. ولا يبدو لي أن هذه التسمية مبالغ فيها، لأن المفهوم الذي أفضحه، والذي يختزل الهوية إلى انتماء واحد، يضع الرجال في موقف متحيّز ومذهبي ومتعصب ومتسلط، وأحياناً انتحاري، ويحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة.

إسقاط ما سبق على ما يجري مؤخراً في السويد، لا يعتبر إسقاطاً خجولاً، فأزمة الاندماج والتعايش في أوروبا -التحدي الأكبر أمام العديد من  المهاجرين المسلمين- تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤوليتها الدول المستضيفة، خاصة في ظل الاختلافات الدينية.

صحيح أن هذه الاختلافات لا تشكلُ عقبة أمام الاندماج كونه لا يتطلب الانغماس التام في ثقافة البلد المضيف، ولكن تحقيق الحد المقبول من هذا الاندماج يُقاس بالقدرة على تحقيق المشاركة المجتمعية بين الثقافات المختلفة، دون أي تمييز أو تفرقة، وذلك لا ينجح دون احترام التعددية والطقوس الدينية ووضع أطرٍ تتيح مشاركة الجميع في شتى مجالات الحياة دون تمييز.

يقول الأديب والصحافي اللبناني أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة" إن تأكيد الهوية والانتماء من الممكن أن يتحول إلى (أداة حرب) عند اجتماع واتحاد وتعاضد فئة تتشاطر عناصر الهوية وتجد نفسها عرضة للخطر، خطر الإهانة أو السخرية أو التهميش أوالقمع.

معظم الدول الأوروبية أبدت ذلك الاحترام وصارت مضرب مثل في تهيئتها لظروف الاندماج، إلا أن الحوادث الأخيرة في السويد ودول أوروبا، وحالة الاحتقان لدى معظم الجاليات الإسلامية، تسحب دول القارة شيئاً فشيئاً إلى سيناريوهات تجعلها عرضة للتوتر وتصاعد العنف على عدة مستويات. 

هل لحالة الاحتقان لدى المسلمين في السويد بعد حوادث حرق القرآن الكريم علاقة بحوادث العنف التي تسجل في أوروبا مؤخراً؟

هل تحاول السويد عبر احتضان هذه الاستفزازات تدجين المهاجرين المسلمين في سبيل الوصول إلى أعلى درجات تقبل حرية التعبير؟ 

هل ما يجري محاولة للتهميش والإقصاء والعنصرية المستمرة ضد المسلمين، أم جبهة مضادة في وجه أي نشاطات تحمل في طياتها أسلمة شرائح من المجتمع أو خلق تكتلات إسلامية؟

غليانٌ إسلامي

مصطفى درويش (31 عاماً) سويدي من أصول سورية، يعمل في مسجد ستوكهولم الكبير، يقول لرصيف22: "الحركات الاستفزازية التي تحتضنها الشرطة السويدية غير مقبولة ولا يمكن السكوت عنها، وأنا متأكد أن الشرطة السويدية لن تمنحني ترخيصاً للقيام بنشاط مماثل بحق المثليين على سبيل المثال".

"تأتي إلى الجامع أحياناً منظمات تنادي بالإلحاد والعلمانية، وتقدم لنا دعوات لحضور مناظرات، نرحب بهم، لأنهم يعلون شأن الاحترام على الاختلاف". يقول (مصطفى درويش) الذي يعمل في مسجد ستوكهولم الكبير.

يعمل درويش في جامع ستوكهولم، أقدم المؤسسات الإسلامية في السويد، ويضيف: "نحن دُعاة سلام ومنفتحون على الرأي الآخر، وأي شخص لديه مشكلة مع الإسلام أو القرآن الكريم، بإمكانه مناقشتها بأسلوب راقٍ وحضاري، ونخوض منذ سنوات هذا النوع من النقاشات مع مسلمين وغير مسلمين، لكن إهانة المقدسات بهذه الطريقة جريمة لا تمت لحرية التعبير والإنسانية بأي شكل من الأشكال".

ويتابع: "كان بإمكان المتطرف اليميني راسموس بالودان كتابة مقال عن الإسلام والقرآن الكريم ليقول من خلاله ما يشاء، لكن في إطار الرأي النقدي القائم على احترام الآخر". يضيف درويش المقيم في السويد منذ تسع سنوات: "يأتي إلى الجامع أحياناً أشخاص ومنظمات تنادي بالإلحاد والعلمانية، وتقدم لنا دعوات لحضور ورشات عمل ومناظرات، نرحب بهم ونتعاون معهم، لأنهم يعلون شأن الاحترام على الاختلاف".

ينعت درويش نفسه بالساذج إذا قيّم سلوك بالودان على أنه عبثي أو فردي، ويؤكد أنه يندرج في إطار خطة ممنهجة لها مآرب معينة، إما يجهلها أو لا يريد الخوض فيها، ويقول: "قرأت عن رفض السويد في السنوات السابقة إعطاء تصريح للمتطرف الدنماركي للقيام بحرق القرآن الكريم، وعلى ذلك، شيء ما حدث حتى قررت الشرطة منحه هذا الترخيص والقيام بهذ السلوك".

ليس عبثياً

بحسب الدستور السويدي، يعطى أي شخص مقيم على الأراضي السويدية تصريحاً للتعبير عن رأيه وتنظيم مظاهرات مناهضة لقانون أو دين أو حكومة أو ظاهرة، لكن مرونة القانون لا تلغي السلطة التقديرية للجهة المانحة للترخيص، والتي تعي بالتأكيد أن ما جرى هدد بشكل أو بآخر تعايش الناس في السويد، فماذا بعد إصابة 26 شرطياً و14 متظاهراً وتدمير 20 سيارة شرطة؟ وهي أحدث حصيلة سجلتها الشرطة السويدية لضحايا العنف الأخيرة التي شهدتها البلاد.

في الأسابيع القليلة الماضية، حصل السياسي اليميني راسموس بالودان على إذن بحرق القرآن خلال فعاليات أسبوع يارفا السياسي الذي تجري فيه الأحزاب السياسية السويدية نقاشات ومناظرات سياسية.

ماذا بعد إصابة 26 شرطياً و14 متظاهراً وتدمير 20 سيارة شرطة؟ وهي أحدث حصيلة سجلتها الشرطة السويدية لضحايا العنف الأخيرة التي شهدتها البلاد.

"إما أن الشرطة ترغب في المزيد في العنف، وإما أنها تستعد لتسديد فاتورة جديدة ضمن سلسلة الأثمان الباهظة للمخطط".

 بهذه التساؤلات يبدأ الناشط الحقوقي عبد الله كحيل تعليقه على منح الشرطة الترخيص الجديد لبالودان، ويضيف: "لا يمكن النظر إلى ذلك على أنه مجرد حقّ يمنحه القانون في السويد ويصون من خلاله حرية التعبير، ولا يمكن الإجحاف بالجزم أن هناك استهدافاً ممنهجاً للإسلام في السويد أو محاولة لكسر شوكته".

يؤكد كحيل أن الحكومة السويدية حاولت من خلال القضية توجيه صفعةٍ إلى محرّك العنف الكامن داخل المهاجرين المسلمين، عبر قولها إنّ الشرطة تقبل أي نشاط أو سلوك مهما كانت شدّته وخلفياته أو تبعاته ما دام أنه سلمي ولا يستخدم العنف كوسيلة، فيما اعتبرت التظاهرات المناهضة لذلك وأعمال الشغب التي قام بها المسلمون والتي تعتبرها غير سلمية من وجهة نظرها، سلوكاً مخالفاً يستوجب الرّدع. 

ويتابع كحيل: "إن ردة فعل المسلمين في السويد خدمت المشروع، وأظهرت أن المسلمين لجأوا إلى العنف وليس إلى قانون، لذلك قامت الشرطة بحماية بالودان في الوقت الذي ردعت فيه بالقوة أعمال الشغب والمظاهرات العنيفة".

تحت عباءة السلطة..

من المغالاة الربط بين ما يجري اليوم وما أثير سابقاً حول نشاط السوسيال لسحب الأطفال وتفسيره على أنه مؤامرة على الإسلام، لكن في نفس الوقت، لا يحتاج المتابع إلى الكثير من التحليل والاستدلال حتى يستشعر رائحة "إسلاموفوبيا" في مسارح أحداث الأزمتين. 

في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2021، سحب السوسيال في السويد أطفال نساء داعشيات، تم ترحيلهن إلى السويد، كما وضع السوسيال يده على نحو 16 طفلاً من أبناء السلفيين الجهاديين، لذلك كان الإسلام السياسي حاضراً في "انتفاضة" السوسيال الأخيرة. 

التاريخ يشهد على أن إهانة الإسلام ليست حديثة، ابتداءً من عصر النبوة وصولاً إلى الرسومات الدنماركية وأحداث شارلي إيبدو، وكلها أحداث شهدت ردات فعل شعبوية حملت في طياتها عنفاً.

في قضية بالودان، ثمة وميض لرعاية حكومية سويدية تحاول استغلال أية فرصة تعبّد من خلالها الطريق لكناسة القنابل الموقوتة (خلايا جهادية نائمة)، التي تنزع من خلالها صواعق تلك القنابل قبل انفجارها، ليس في السويد فحسب، إنما في فرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى. بتعبير آخر، استفزازات بالودان تساهم في خلق تيار قادر على وأد أي نشاطات طامحة لأسلمة شرائح من المجتمع أو خلق تكتلات إسلامية لها مآرب إسلام سياسي في المنطقة.

إذاً الرسالة الواضحة وصلت، هذه البلاد تسمو بحرية التعبير السلمي وتضعه في رأس هرم المقدسات.

 تفتح ذراعها لليمين المتطرف كما فتحت أبوابها للهاربين من بؤر الحروب، مع ما حملوه من أفكار قد تكون مشبوهة بالنسبة لأولاد البلد الأصليين، وبالتالي من يظن بأن تربة هذه الأرض خصبة أمام بذور دولة خلافة، فهو مخطئ. 

ما هكذا يروّض الغضب

التاريخ يبرئ تلك المخاوف، ومن يقرؤه جيداً يجد تبريرات لذلك الهلع، فهو شبيه لمخاوف الأميركيين من الهجرة الكاثوليكية ووصول الكاثوليك إلى السلطة ومن ثم قيامهم بفرض قانون إلهي متشدِّد يحول الولايات المتَّحدة الأمريكية إلى جمهورية كاثوليكية.

كذلك في أوروبا، كانت الكاثولكية تشكل تهديداً للديمقراطية والمساواة والعلمانية، إضافة إلى التوجس من معدَّل الولادات المرتفع لدى المرأة الكاثوليكية الذي سيؤدي إلى أكثرية كاثوليكية.

التاريخ ذاته أيضاً يشهد على أن إهانة الإسلام ليست بالأمر المستحدث، ابتداءً من عصر النبوة وصولاً إلى الرسومات الدنماركية وأحداث شارلي إيبدو، وكلها أحداث شهدت ردات فعل شعبوية حملت في طياتها عنفاً، وجعل ذلك العنف معظم أنصار الطرف المقابل يستخلصون انطباعات عن أن غالبية  المسلمين لا يحترمون القوانين والحريات.

يختم أمين معلوف كتابة بفصل أسماه "ترويض الفهد" جاء فيه: "كيف نروّض الفهد. لماذا الفهد؟ لأنه يقتل إذا طاردناه ويقتل إذا تركناه طليقاً، والأسوأ أن نتركه في الطبيعة بعد أن نكون قد جرحناه. ولكنني اخترت الفهد لأننا نستطيع أن نروّضه أيضاً. ‏هذا ما كنت أطمح إلى قوله بخصوص رغبة الهوية. يجب ألا تعالج بالاضطهاد والتواطؤ، بل يجب تفحصها ودراستها بهدوء وفهمها، ثم السيطرة عليها وترويضها، إذا ‏كنا نريد ألا يتحول العالم إلى غابة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

العدالة الاجتماعية ضرورةٌ ملحّة

بينما يحسب المتطرّفون أنّهم يحملون لواء العدالة، لكنّهم في الواقع، يتحدّون جوهرها، وهو أنّ لكلّ امرئٍ الحق في الشعور بأنّ رأيه وكيانه ووجوده أشياء مُقدَّرة، ولو اختلف مع الآخر.

في رصيف22، نسعى إلى نقل رؤيتنا، لنُظهر للعالم كيف بإمكان العدالة الاجتماعية والمساواة تحسين حياتهم، من دون تطرّفٍ، بل بعقلانيةٍ مُطلقة.

Website by WhiteBeard