مقهى رتينة... الأمن السوداني في مواجهة الفن

الثلاثاء 28 يونيو 202201:06 م

واصل جهاز الأمن السوداني، تدخلاته في الفضاء العام، وألغى حفلاً جماهيراً معلناً للمطرب الشاب، محمد عبد الجليل، قبل ساعاتٍ فقط من إقامته، وذلك من دون إعطاء توضيحات.

ويرجح أن إلغاء الفعالية يعود إلى كون عبد الجليل، أحد أبرز نجوم الفن الداعمين للثورة السودانية التي دخلت شهرها التاسع، للمطالبة بالحكم المدني.

واشتهر عبد الجليل بغناء عدد من الأغنيات الممجدة للثورة السودانية، والمطالبة بعودة العسكر الجاثمين على السلطة إلى ثكناتهم بصورة فورية.

تفاصيل ما جرى

أفاد منظمو الحفل في مقهى رتينة الذي يتبنى عملية التغيير عبر العمل الثقافي، بإجرائهم مئات الاتصالات بغرض الاعتذار لأصحاب التذاكر والحيلولة دون تكبدهم مشقة الوصول إلى مسرح الفعالية في مسرح قاعة الصداقة في الخرطوم.

لكن لضيق الوقت، وصل كثير من أصحاب الحجوزات المسبقة بالفعل إلى مكان الفعالية، ليعلموا عندها بخبر الإلغاء.

جهاز الأمن السوداني يواصل تدخلاته في الفضاء العام، ويلغي حفلاً جماهيرياً معلناً للمطرب الشاب، محمد عبد الجليل، قبل ساعاتٍ فقط من إقامته، وذلك من دون إعطاء توضيحات

وأصدر المقهى بياناً لرواده -اطّلع عليه رصيف22- كشف فيه عن الأسباب التي وراء إلغاء الحفل، وتعهد بإعادة ثمن التذاكر، ودفع مصروفات الواصلين إلى الحفل من خارج العاصمة الخرطوم.

واتهم المقهى الأمن بالتلكؤ في استخراج التصديق اللازم، بالرغم من إخطارهم مسؤولي الجهاز بشأن موعد الحفل وتفاصيله، وتواصلهم معهم قبل أيام عدة من موعده.

وفي وقت سابق، أصدر جهاز الأمن قراراً ألزم فيه جميع المؤسسات الثقافية والحقوقية والطوعية بضرورة الحصول على تصديقات، قبل إقامة أي نشاط، ما عدّه كثيرون سياسيةً جديدةً للتضييق على الحريات بواسطة أجهزة الانقلاب.

شيك على بياض

وبعدما أنهت الحكومة الانتقالية المعزولة، الصلاحيات الواسعة الممنوحة للأمنيين، وحصرت مهام الجهاز في جمع المعلومات وتحليلها، أعاد الجنرال عبد الفتاح البرهان، كافة الصلاحيات المنزوعة من الأجهزة الأمنية، بما في ذلك سلطة التوقيف والاعتقال، ولآمادٍ طويلةٍ، وتحصين كل ذلك بإعطاء عناصر الأمن حصانات قانونية تحول دون ملاحقتهم في ردهات المحاكم.

وبموجب هذا الشيك الأبيض، عاد أفراد الأمن إلى سلوكياتهم إبان حقبة المخلوع البشير، فظهروا في الاحتجاجات المنددة بالحكم العسكري وهم يمارسون الاعتقال والتنكيل بحق الشباب، كما عادت ظاهرة اختفاء الأشخاص في ظروفٍ مريبة.

وفي سياق متصل، عاد الأمن لمضايقة الصحافيين والناشطين في مختلف المجالات، في مقابل فتح الباب على مصراعيه أمام القوى والعناصر المؤيدة لاستيلاء الجيش على السلطة.

استهداف

يعتقد الناشط في الفضاء الثقافي، والكاتب في دوريات عدة، محمد بدوي، أن جهاز الأمن يعمل على تدارك أخطائه في حقبة المخلوع البشير، من خلال استهداف الناشطين في المجالين الثقافي والطوعي على وجه الخصوص.

"تصرفات الأمن تنطوي على نوع من رد الجميل للبرهان، بعدما أعاد إليهم صلاحياتهم المنزوعة، ليعودوا ليتربحوا من التجاوزات وسياسة الابتزاز ضد الشباب الثوري، والأمن يعمل على إرضاء البرهان، من خلال المبالغة في إظهار الولاء، خشية نزع أنيابه مجدداً، ولذا تراهم يتدخلون في كل المجالات"

وقال لرصيف22، إن واجهات العمل الثقافي والطوعي، كانت أولى منصات تثوير الشباب ضد نظام الديكتاتور البشير، من خلال إشاعة الوعي، وكشف أوجه القصور والفساد في أجهزة النظام عبر تغطية الثغرات في مجال الخدمات، الأمر الذي مهد لتنظيم الشباب وحشدهم في الحراك الثوري الذي أنهى ثلاثة عقود من الحكم العسكري (1989-2019).

وأضاف أن الأمن فطن إلى هذه الثغرة ويعمل حالياً على تداركها من خلال استهداف الناشطين، وضرب الفعاليات، للحيلولة دون حدوث عمليات التشبيك والتنظيم، مشدداً على أن ذلك وإن كان ممكناً في مرحلة سابقة، لكنه صعب حالياً، لكون الثورة انتقلت من كونها فعلاً رأسياً، إلى ممارسة أفقية أفرزت عدداً كبيراً من القادة على مستوى لجان المقاومة التي تنظم الاحتجاجات في نسختها الجديدة.

انتهاك قانوني

يشدد المحامي في مجال حقوق الإنسان، ناصر الخليفة، على عدم قانونية تدخلات جهاز الأمن في مجالات العمل الثقافي والطوعي من خلال إخطاره بالفعاليات وتفاصيلها قبل وقت كافٍ، ومن ثم يقرر قادته المصادقة عليها من عدمها.

وكشف لرصيف22، أنهم في صدد تقديم عريضة قانونية ضد ما أسماه خروقات الأمن، وتحركات عناصره غير الدستورية لتقييد الأنشطة والفعاليات، خاصةً أن قائد الجيش ألغى قانون الطوارئ قبل ما يزيد عن الشهر. يشدد رائد أبو الحسن، وهو ناشط اجتماعي يعمل ضمن منظمات تنشط تحت مظلة العمل الحكومي، على أحقية الأمن في إلزام المؤسسات بالحصول على تصديقات قبل إقامة أي نشاط.

وقال لرصيف22، إن البلاد باتت مرتعاً لأجهزة المخابرات، والسفارات والمنظمات ذات الأجندات الدولية، الأمر الذي يضع مزيداً من الأعباء على الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أن المناداة بإنهاء سلطة الأمن على مراقبة الأنشطة والفعاليات، يمثل دعوةً لمن وصفهم بالعملاء، للتجسس والتخابر، على حساب مصالح السودانيين.

وعند سؤالنا عن علاقة كل هذا بحفل عبد الجليل، أشار إلى أن خطاب الجهة المنظمة كشف أن السبب يعود إلى مخاطبة الأمن يوم الخميس، بالتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع، فيما كان في المقدور مخاطبة الأمن قبل ذلك التاريخ، أو تأجيل الحفل إلى وقت لاحق.

وشدد أبو الحسن، على أن عبد الجليل سبق أن أحيا عدداً من الحفلات العامة التي كال فيها السباب للعسكر، من دون أن يتعرض له أحد.

رد للجميل

كيف نظر رواد حفل عبد الجليل إلى قرار الأمن بإلغاء حفل المطرب الشاب الذي عكف على التحضير للحفل مع فرقته الموسيقية لفترة تقارب الشهر.

تقول سهير مأمون (21 عاماً)، لرصيف22، إن تصرفات الأمن تنطوي على نوع من رد الجميل للبرهان، بعدما أعاد إليهم صلاحياتهم المنزوعة، ليعودوا ليتربحوا من التجاوزات وسياسة الابتزاز ضد الشباب الثوري، مضيفةً أن الأمن يعمل على إرضاء البرهان، من خلال المبالغة في إظهار الولاء، خشية نزع أنيابه مجدداً، ولذا تراهم يتدخلون في كل المجالات.

من جانبه، يقول محمد مالك (26 عاماً)، إن قرار إلغاء الحفل لم يكن مفاجئاً لهم، خاصةً أن الأمنيين على علم تام بأن معظم أصحاب الحجوزات المسبقة من الشباب المؤيد للثورة، فيما عبد الجليل إحدى شاماتها الفنية البارزة.

وأضاف: طبيعي أن الأمن يخشى تحول الحفل إلى منصة للهتاف المزلزل ضد العسكر، أو منصة للدعوة إلى مليونية 30 حزيران/ يونيو المرتقبة.

ودعت لجان المقاومة السودانيين إلى تسيير مواكب ضخمة، وجهتها القصر الرئاسي، يوم 30 حزيران/ يونيو، لإنهاء النظام الانقلابي.

لا يخفي محمد بدوي، خشيته من أن تقود تدخلات الأمن وإغلاق بوابات الوعي والثقافة وحتى منافذ العمل الخيري، إلى فتح المجال أمام سيناريوهات مرعبة تشمل هجرة الشباب، أو استقطابهم نحو الجماعات المتشددة، وحتى أدلجتهم بخطاب تعبوي أحادي، وصولاً إلى لجوء أعداد منهم إلى المخدرات.

في المقابل، تقول سهير مأمون، إن الأمن كلما أغلق نافذةً للوعي وخدمة الناس، ستكسب الثورة مناصرين جدداً متفرغين كلياً لخدمة أهداف الثورة في إسقاط الانقلاب وإعادة رسم المشهد في البلاد كاملاً.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard