سقوط الأكاديميا... منع "تدشين" الكتب في الجامعات السودانية

الخميس 16 يونيو 202203:48 م

صُدمت الأوساط الثقافية والفكرية السودانية بمنع جامعتي النيلين والخرطوم، تباعاً، وفي اللحظات الأخيرة بعد أن وُزّعت بطاقات الدعوة، حفل توقيع كتاب "كولونيالية الإسلام السياسي"، لمؤلفه الدكتور فتح الرحمن التوم، أستاذ الفلسفة في جامعة النيلين، من دون أن تُبدي الجامعتان أسباباً واضحةً وموضوعيةً للمنع، ومن دون الإفصاح عن الجهات الحقيقية التي تقف وراء القرار. ويشكل قرار المنع -بحسب البعض- تراجعاً مريعاً عن دور الجامعة في حماية الفكر والتأليف الفلسفي وانكماش المؤسسات الأكاديمية وانسحابها من دورها التنويري المنفتح على المجتمع وقضاياه الملحة. 

عودة طرد الكتب ومطاردة الكتّاب

صدر الكتاب عن دار المصورات في الخرطوم، في الأشهر القليلة الماضية، وهو من الحجم المتوسط، ويضم نحو 1،016 صفحةً، وإلى جانب عنوانه البارز يضم عنواناً تفسيرياً جانبياً: "أزمة الوطن والوطنية والمُواطنة في خطاب الإخوان... السودان نموذجاً". الكتاب هو الأول في مشروع د. فتح الرحمن الفكري، ويضمّ عناوين عديدةً وخاتمةً وكلمةً أخيرة.

يتساءل المؤلف في مدخل الكتاب: "هل قلنا كولونيالية؟ نعم، وتعمّدنا صياغة عنوان هذا البحث على نحوٍ يصف ظاهرة الإسلام السياسي، بأنها ظاهرة كولونيالية". ومن ثم يعرّف الكولونيالية، "بأنّها نموذج في التفكير والتواصل والتصرف والحكم، يتميز بانتهاك الكرامة الإنسانية والتعدّي على الحرية ومصادرة الحقوق ومجانبة الأخلاق وإساءة إنتاج واستخدام السلطة السياسية وتغريب العلوم عن الإنسان واحتكار القوة واغتيال الغيريّة لصالح الذات أو لصالح فئة معينة فقط"... ويكشف أن مشروع الإسلام السياسي ليس ديناً، وإنما هو "مشروعٌ كولونيالي"، بحكم طبيعته وخطابه وغاياته. يتابع: "فمصطلح الإسلام السياسي ليس مصطلحاً دينياً إلهياً، إنّما هو مُصطلح إنسانيّ سلطويّ تماماً يسعى وينفعل تيار به محدود من المسلمين، وله العديد من التنظيمات، ويريد أن ينشئ له عضويةً سببيةً تكوينيةً بين الدين والدولة. إن الدين الذي يجمع بين الناس في أفق ووجهةٍ واحدةٍ قد جعلته العديد من السرديّات مرجعاً للفرقة بين الناس، فصار اليوم مرتكزاً للعنف والعنف المُضاد. فالناس اليوم هم أحوج ما يكونون إلى حيازة القدرة على التمييز الواضح بين كلّ من التجربة الدينية من جهة، والنص الديني من جهة أخرى. فقد شقيت البشريةُ بالمماثلة والتحديد بينهما". ويتساءل المؤلف، مرةً أخرى، مشيراً إلى النشاط الكولونيالي في فتوحات المسلمين: "هل نشرُ الدين يحتاج احتياجاً ماهوياً إلى شرعة السيوف؟ ألا يملك الدين في حدّ ذاته قدراً كافياً من القوة النفسية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعيّة والحضاريّة التي يستغني بها البتة عن الاستعانة بأيّ عامل آخر سواه حتى يمكن له أن يكون مقبولاً ومقنعاً للناس؟

"لمن تفتح الجامعة أبوابها عندما تغلقها في وجه ميلاد كتاب خطّه أحد مفكريها؟، حين تفعل الجامعة ذلك فإنها تتنكر، ليس فقط لوضوح الأفكار في متن الكتاب، وإنما أيضاً لا تعترف بذاتها، كونها 'جامعةً' من شأنها إشاعة التنوير"

بما يشبه المؤامرة

ترى سكينة عكاشة، طالبة الفلسفة في جامعة النيلين، ما حدث للكتاب على أنه مؤامرة، وتسأل: "لمن تفتح الجامعة أبوابها عندما تغلقها في وجه ميلاد كتاب خطّه أحد مفكريها؟". تقول لرصيف22: حين تفعل الجامعة ذلك فإنها تتنكر، ليس فقط لوضوح الأفكار في متن الكتاب، وإنما أيضاً لا تعترف بذاتها، كونها "جامعةً" من شأنها إشاعة التنوير. تضيف: "إنها تسحب البساط من تحت قدميها".

وترجع عكاشة إعلان الرفض في اللحظات الأخيرة إلى التردد والتذبذب في اتخاذ القرارات وأن مرجع ذلك أناني وأيديولوجي.

وتخشى أن "الكولونيالية" وجدت طريقها إلى كراسي الجامعة، ما يُعدّ مؤشراً خطيراً لتراجع العملية التعليمية ذاتها بشكلها السائد؛ إذ ساهمت في إنتاج هذا الكم من الفاعل الكولونيالي والذي أضحى يحاول تضييق الخناق حول كل من يمثل له تهديداً في منطقته بالمكر والتحايل. تقول: "ولكن لا بد للوعي من أن يجد طريقه على الرغم من منع الفعاليات الفكرية التي تتناول الدين داخل إطارها".

أخلاق التنكر

يُرجع المؤلف نمو الحركة الإسلامية في السودان ونشاطها، إلى الحرية التي يوفرها المناخ الديمقراطي، فقد عززت الحركة وجودها "مكرمةً" في مناخ ديمقراطي وأخلاقي سوداني، وحازت أرفع مؤسسات الحداثة في السودان، ولولا الحريّة المكفولة في جامعة الخرطوم -بحسب المؤلف- لكان توقّف نمو الحركة الاِسلاميّة السودانيّة منذ خمسينيات القرن الماضي. ويتابع الكتاب سرد تاريخ الحركة الاِسلامية السودانية الممتد منذ نهاية الأربعينيات، منذ "مؤتمر العيد" الذي انعقد في نادي أم درمان الثقافي 1954، ويتتبع مسيرتها وتقلباتها وتحالفاتها وانفرادها بالسلطة عن طريق الانقلاب العسكري في عام 1989. ويناقش بدقّة الوثائق والقوانين والمشاريع التي صدرت ومدى صمودها أمام اختبار الحريات، ويبحث في آراء الكتّاب الإسلامويين حول مشروع النهضة الشاملة، ويرى أنها "هوية مفتعلة عابرة للجغرافيا السياسية القطرية، وليس مشروعاً وطنياً سودانياً يحتفي بالوطن والدولة الوطنية والمواطنة وبالتعدد والاختلاف السياسي والثقافي والديني".

يقول الحسن عبد العزيز، لرصيف22: "يبدو أن الحركة الإسلامية دخلت وأغلقت الباب وراءها". ويضيف متحسراً: "أهدرت جامعتا النيلين والخرطوم فرصةً نادرةً لمناقشة الكتاب أمام الطلاب". "يعود ذلك لخلل بنيوي أصاب مؤسسات الحداثة في السودان". يقول.

"هذه الطريقة التي تمارسها السلطة في أساليب المنع والإكراه ضد الكتب، فيما تتيح للكتاب إمكانية شهرة جاهزة، فهي، في الوقت نفسه، حين تظن معها أنها السلطة المانعة فإن ذلك المنع هو بمثابة انتصار وهمي لها لأنها فقط تعكس أزمةً تدل على السلطة من كل اتجاه"

ويرى الناقد محمد جميل، أن حرمان كتاب "كولونيالية الإسلام السياسي"، من إتمام حفل التدشين والتوقيع في كل من جامعتي الخرطوم والنيلين على التوالي -بعد جهوزية كل الترتيبات لإطلاق حفل التوقيع- ربما كانت فيه دلالة عميقة على الراهن الذي يعيشه السودان في ظل السلطة الانقلابية السودانية من ناحية، وعلى طبيعة الكتاب ومحتواه من ناحية ثانية. يقول لرصيف22: "عنوان الكتاب يعكس موضوعاً صارخاً لإدانة الإسلام السياسي بل ويدلل على طبيعة تسلطية في صميمه، ولهذه الناحية فإن الإجراء الذي أقدمت عليه السلطات بالمنع يتّسق مع طبيعتها الأوتوقراطية، ويصدَّق مضمون الكتاب". ويرى أن هذا الإجراء يظل أفضل دعاية تروّج للكتاب والبحث عنه، وهو ما يدل على غباء أي سلطة تنحو إلى ممارسة الإكراه ضد الفكر، بحسب ما يقول. ويضيف: "إن هذه الطريقة التي تمارسها السلطة في أساليب المنع والإكراه ضد الكتب، فيما تتيح للكتاب إمكانية شهرة جاهزة، فهي، في الوقت نفسه، حين تظن معها أنها السلطة المانعة فإن ذلك المنع هو بمثابة انتصار وهمي لها لأنها فقط تعكس أزمةً تدل على السلطة من كل اتجاه. ليس المنع بالإكراه، إذاً، سوى تعبير من تعبيرات الضعف مهما بدا عنيفاً. وعاجلاً أو آجلاً ستكون هذه الحادثة سبباً مهماً للإقبال على الكتاب من طرف المهتمين وغير المهتمين، وتالياً فإنه مهما بدت تلك الحادثة مستنكرةً للوهلة الأولى إلا أنها في الحقيقة جزء من مكر الفكر في مواجهة الإكراه والعنف".

ويرى جميل أن كتاب "كولونيالية الإسلام السياسي"، سيكون هو المنتصر في هذه المعركة مهما بدا من ظاهرها، "لأن الطاقة الرخوة للفكر في مواجهة الإكراه والعنف، وإن بدت رخوةً، إلا أنها طاقة شرسة وعصية وأقوى بكثير من كل محاولات القمع والإكراه والعنف".

واستبَق المؤلف ما تعرض له كتابه من منع وحرمان، إذ يقول في متن الكتاب: "لم ينجز الإخوان بعد، الرؤية الوطنية المنشودة ولم يجعلوا من المواطنة ثقافةً يوميةً في ممارستهم المعرفية والسياسية والحقوقية، ومن المتعذر عليهم اليوم إنجاز رؤية وطنية مناسبة وفعالة وعمومية ومساواتية حال غياب أو ضعف التفكير العقلاني النقدي في خطابهم وفي مؤسستهم، وضرورة تحمل تكلفة وعبء التحرر من تراث فكري وأسطوري مديد وثقيل، لم يعد الآن مناسباً لقيادة هذه الحقبة من التاريخ الإنساني الفلسفي السياسي والحقوقي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard