فيلم "أصداء"... ذاكرة تفرح بالألوان في 8 دقائق

الثلاثاء 28 يونيو 202211:00 ص

شارك الفيلم الروائي القصير "أصداء" (8 د، 2021) كتابة وإخراج اللبناني جوليان قبرصي، في مهرجان الإسماعيليّة الدولي للأفلام التسجيليّة والقصيرة، في دورته الثالثة والعشرين في آذار الماضي. ومن غير المستغرب أنّ يحصد مؤخراً، جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان روتردام للفيلم العربي في حزيران 2022.

شاهدت الفيلم في الإسماعيليّة، وبعد الشحنة الجماليّة التي تلقّيتها في دقائق معدودة، تماماً كما الانطباع المريح الذي تكوّن لدى مجموعة من المشاهدين والنقاد في قاعة العرض، تذكّرت العنوان اللافت لكتاب الفيزيائي ستيفن هوكينج "الكون في قشرة جوز"؛ وهو قد يكون اختصاراً وتبسيطاً لكتابه "تاريخ موجز للزمن".

فلبنان في هذا الفيلم -بتاريخه وأحداثه- في حجم شرفة؛ شرفة مسيّجة بدرابزين حديدي وأباجور خشبي أحمر مفتوح، ويغلق على واجهة زجاجيّة في حالات لها دلالاتها. الشرفة، وإن كانت مفتوحة على المسكن، فهي تشرف في الوقت نفسه على ما يحدث خارجها في المدينة/الوطن وتتأثر به وتتفاعل معه، لتغدو وسيطاً حيّاً، لا مكاناً فحسب، بين الداخل والخارج.

تاريخ لبنان ومآسيه ومعاني البقاء والانتماء والكرامة... في فيلم "أصداء" اللبناني الفائز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان روتردام للفيلم العربي في حزيران 2022

جماليّات الفيلم

اعتمد الفيلم على إمكانيات التعبير من طريق الصورة والصوت، متحرّراً من البناء السردي التقليدي. وما يميّزه هو خلوّه من الحوارات، في اقتصاد وتكثيف مقصود، وهذا الاتجاه يعرف بالسينما الخالصة. إنما ثمة ما هو مرئي، غير حركة الشخصيّات بين الشرفة وعمقها في الداخل، يتعيّن في أرقام/ تواريخ  ما إن تظهر حتى يتبدّل المشهد، فتتغيّر تالياً حال الشخصيات.

المخرج اللبناني جوليان قبرصي

هذه التواريخ ما هي إلا محطّات بارزة من الأحداث المؤلمة التي عصفت بلبنان لتعقبها هجرة في كلّ مرّة. كان وداع الابن قاصداً السفر في الجيل الأول، والابنة في الجيل الثاني من العائلة اللبنانية التي تسكن الشقّة، حتى ليصحّ القول إننا كلنا – أعني اللبنانيين- هذه العائلة بتعاقب أجيالها.

الحركة المكانيّة- البصريّة بتناوبها وتكرارها بين الفتح والغلق، الخارج والداخل، وفي حركة ثالثة بين اللون وضبابيّته وتبدّل المشهد للخلفيّة المكانيّة الواحدة، تجعل من المكان (الشرفة) شخصيّة في الفيلم ترمز إلى لبنان بجغرافيته المحدودة للغاية، كقشرة جوز هوكينج، كما جاء في السطور السابقة.

لا يقصي الفيلم فكرة أن يكون الزمان الشخصيّة الأشدّ تأثيراً في تدفّق الصور شبه المكرّرة مع عظم الأحداث وسرعة إيقاعها المُهلك، وهو المسؤول عن توليد الحركة في المكان. ولولاه لما شاهدنا جيلين في تعاقب كرونولوجي للعائلة في بُعد عمقي تاريخي أوّل، أو تغيّراً لحال الشخصيات ومراوحتها بين الغرفة والشرفة بالتوازي مع حدث خارجها، في بُعد أفقي ثانٍ.

ألمح فيلم "أصداء" إلى العام 1963، وهو عام مشرق في تاريخ لبنان، إذ صُنّف عالميّاً على أنّه من بين الدول الأربعة الأكثر ازدهاراً في العالم

على علاقة الزمان بالمكان وحركتهما بُني الفيلم، كما على حركة التكرار الدائريّة للزمن/ التاريخ؛ وهو تماماً تاريخ لبنان كما خبرناه. وإذا كانت الحركة البصريّة قد بيّنت ثنائيّة الداخل/ الخارج بين شرفة بهيجة بحيوية ساكنيها، وغرفة حيث الانكفاء نحوها والترقّب بما يشبه المُوات، فثمة حركة متداخلة معها تحيل إلى رؤية الفيلم، بحيث إنّ الداخل -ترميزاً- مرجعه الوطن، والخارج يمثّل بلاد الاغتراب؛ ليطرح على المشاهد أكثر من سؤال عن معاني البقاء والانتماء والكرامة... فتبقى هذه المفاهيم معلّقة بالتباس معانيها في ظل فقدان الأمان.

فماذا حدث في تلك الأعوام ليقع الاختيار عليها؟

لمن يجهل تاريخ لبنان بمحطاته العنيفة من غير اللبنانيين أو من الأجيال اليافعة، نستعرض شريط التواريخ في صفحة الذاكرة الجمعيّة، وتحديداً ما ظهر منها في إطار فيلم "أصداء": فقد حدثت ثورة في وجه الحكم في عام 1958 أوجبت تدخّل الأميركيين لقمع المعارضة بعنف لا يخلو من الدماء اللبنانيّة. تليه أعوام الحرب الأهليّة (حوالى 15 سنة) بداية مع 1975، تخللها اجتياح القوات الصهيونية الجنوب اللبناني وبيروت (1982) وتوغّلها في مناطق أخرى.

بعد عقد المصالحات بين العائلات اللبنانية عام 1990 وما يليه، أصابت بيروت هزّة دموية أخرى باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، علاوةً على سلسلة تفجيرات ترويعية في أحياء بيروتية، واغتيالات مماثلة ومحاولات أخرى غير ناجحة لرموز المعارضة.

أما في الأعوام الثلاثة الأخيرة، فقد عرف لبنان حركة احتجاجات شعبية واسعة وتظاهرات لامست حدود الثورة. ولا يغفل أحد عمّا شهدته البشرية جمعاء من جائحة كوفيد-19 عام 2020، انتهاءً –على المستوى المحلّي-  بتفجير مرفأ بيروت في الرابع من شهر آب/أغسطس من العام نفسه، إلى أن بدأت أعمال الترميم.

البُعد الآخر للأحداث اللبنانيّة التي أبرزتها مشاهد "أصداء"، هو بُعد الهجرة الجماعيّة بعيد الأمد والأشدّ خطورة على لبنان وعائلاته. فنسبة 77% من الشباب اللبناني اليوم يسعى إلى الهجرة أو يفكر فيها على أقل تقدير

إلا أنّ الفيلم ألمح إلى العام 1963، وهو عام مشرق في تاريخ لبنان، إذ صُنّف عالميّاً على أنّه من بين الدول الأربعة الأكثر ازدهاراً في العالم. وذلك كي يبرز، في إشارة ذكيّة، التحوّل التراجيدي للبلد وتقدّمه القهقرى إلى زمن إنجاز الفيلم.

بالعودة إلى بناء الفيلم ربطاً بالأحداث التاريخيّة، نرى افتتاحيته مع مشهد حركة الزوجين النشطة والمرحة بين الشرفة والغرفة، لينغلق في ختامه على إعتام يخطف اللون من الصورة ويبقيها مغلقة في لحظة ممتدّة، لكنّنا سرعان ما نسمع في الخلفية أصوات أعمال الترميم، فيعود اللون الوردي تدريجياً إليها. غير أنّ الأباجور يبقى مغلقاً هذه المرّة على الخواء؛  فليس من سكان جدد،. وهنا تماماً مكمن الخشية، أو ما نعبّر عنه بالمحكية "بيت القصيد".

تاريخ الهجرة الجماعية في لبنان

البُعد الآخر للأحداث اللبنانيّة والتي أبرزتها مشاهد "أصداء"، هو بُعد الهجرة الجماعيّة بعيد الأمد والأشدّ خطورة على لبنان وعائلاته. فمن خلال هذه العائلة في جيلين متعاقبين ثمة تمثيل للعائلات اللبنانية كافة، ولتاريخ اللبنانيين مع الهجرة، وهي قضيّة مكرّسة في الفيلم، ومحكية بأصوات وصور ومتوالية تواريخ. 

وفق مرصد الأزمات في الجامعة الأميركية في بيروت، فقد شهد لبنان ثلاث موجات هجرة جماعية كبرى؛ الأولى في نهاية القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى (1918)، حيث بلغ عدد المهاجرين من الجبل اللبناني حوالى 330 ألف شخص، وفي الموجة الثانية إبّان الحرب الأهلية، بلغ عدد المهاجرين 990 ألف شخص، أما الموجة الثالثة فتتحدّد في الآونة الأخيرة حتى اليوم.

ووفق المصدر نفسه، فإن الهجرة في الموجة الثالثة كثيفة للمهنيّين وأصحاب الاختصاص، مثل التمريض والتعليم والطب، وأنّ نسبة 77% من الشباب اللبناني يسعى إلى الهجرة أو يفكر فيها على أقل تقدير، الأمر الذي يثبت ظاهرة دخول لبنان الهجرة الجماعية من جديد. فليس مستغرباً، والحال هذه، أن يفكّر اللبناني في إقامة نصب "المغترب اللبناني" إزاء المرفأ، وفي تكريس يوم له يصادف الحادي عشر من شهر آذار.

شارك فيلم "أصداء" اللبناني في مسابقة نظمها الاتحاد الأوروبي للأفلام القصيرة عن النوافذ. وموقع شرفة الفيلم –المرمّمة حديثاً- هو في منطقة مار مخايل قبالة مرفأ بيروت، المنطقة التي نالت نصيبها من الدمار الكبير في انفجار ا 4 آب 

شارك فيلم "أصداء" في مسابقة نظمها الاتحاد الأوروبي للأفلام القصيرة عن النوافذ. وفي دردشة معه، يخبر مخرجه جوليان قبرصي أنّ التمويل الذي حصل عليه أسعفه في جزء من تكاليف الإنتاج (إنتاج فايز أبو خاطر)، وقد كان موقع هذه الشرفة –المرمّمة حديثاً- في منطقة مار مخايل قبالة مرفأ بيروت، وهي المنطقة التي كان نصيبها من الدمار كبيراً بفعل عصف الانفجار في الرابع من آب المشؤوم.

يفرح اللبناني بالإنجاز في ضغطة الأزمات المتلاحقة، ومن المفارقات الساخرة أن تؤسس فنوننا على وجعنا وكوارثنا التي تتجاوز الحروب المتلاحقة إلى ضيق فرص العمل والهجرة مثلّثة المطلب: الرزق، الكرامة والأمان. فهذا الفيلم هو الأول لجوليان بعد فيلم التخرّج الصامت "عفيف" (2014)، ويتحدّث أنّه تأثّر فيه (أي فيلم "عفيف") بشخصيّتي شارلي شابلن ودويك (تمثيل عبد الله حمصي من مسلسل "دويك يا دويك"، إنتاج تلفزيون لبنان، إخراج باسم نصر، 1973) لرسم شخصيته.

"أصداء" هذه القصيدة من الصور/ الومضات (لمدير التصوير باتريك فرح)، ما هي إلا  علامة على ترميم ذاكرة لا تنسى، لكنها لا تتخلى عن الفرح ببهجة اللون وحركة الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard