هل اقتص معاوية فعلاً من قَتَلة عثمان؟

الخميس 28 يوليو 202210:19 ص

هناك اختلاف واسع بين جموع المسلمين حول شخصية معاوية بن أبي سفيان، بين كاره وبين مُحب حدّ التقديس وما بينهما. وطالت تلك الاختلافات كل شيء عنه، فالبعض يرى أنه أسلم قبل فتح مكة، بينما السواد الأعظم عكس ذلك ويقولون إنه أسلم في السنة الثامنة من الهجرة (عام الفتح)، وكان حينها ابن 25 سنة.

وطُبعت فترة صعود معاوية وحكمه بالخلاف بينه وبين علي بن أبي طالب، وهو ليس سوى حلقة من صراع سياسي بين حزبين عربيين: الهاشمي والأموي. وما يزال الصراع قائماً بين أنصارهما، وسبق أن علّق عليه أحد الشعراء قائلاً: "عبدُ شمسٍ قد أضرمت لبني ها / شمٍ حرباً يشيب منها الوليد/ فابن حربٍ للمُصطفى وابن هندٍ / لعليّ وللحسين يزيد".

معاوية وحصار عُثمان

من الأسئلة المحيطة بفترة حكم معاوية سؤال: هل اقتص من قتلة عثمان؟ أم أنه اتخذ من مقتله ذريعة للحكم؟

شهد عهد الخليفة عثمان بن عفان معارضة واسعة لأسباب عدة تتلخص في تولية أقاربه زمام الحُكم، وتفضيل قوم عن قوم بأموال طائلة أدت إلى غياب العدالة وبروز الفروق الطبقية، وشارك في هذه المعارضة الصاخبة بعض الصحابة، على رأسهم أبو ذر الغفاري الذي مات منفياً منسياً، وعمار بن ياسر، ابن التسعين عاماً الذي انهال عليه مروان بن الحكم وحراسه ضرباً.

ولمّا اتّقدت شرارة الثورة ضده، كان معاوية وقتذاك والياً على الشام، وحين حوصر عثمان في داره، لم يولِ معاوية أي اهتمام بالأمر، لكنه، كما يذكر ابن قتيبة الدينوري في كتابه "الإمامة والسياسة"، اكتفى بالشجب والتهديد، فأرسل متوعداً عمار بن ياسر: "يا عمار! إنّ بالشام مائة ألف فارسٍ كلهم يأخذون العطاء مع أبنائهم لا يعرفون (عليّاً) ولا قرابته ولا (عماراً) ولا سابقته ولا (الزبير) ولا صحبته، ولا يهابون (سعداً) ولا دعوته، فإياك يا عمار أن تقع في فتنة إن عُرف أولها لا يُعرف آخرها".

ولم يكتفِ معاوية بتهديد عمار بن ياسر وسائر الصحابة عبر الرسائل، بل هددهم في عُقر دارهم. يذكر الطبري في تاريخه أن عثمان أرسل إلى طلحة وقت الحصار يدعوه، وعندما دخل على عثمان "وإذ علي وسعد والزبير وعثمان ومعاوية فحمد الله معاوية وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيرته في الأرض وولاة أمر هذه الأمة لا يطمع في ذلك أحد غيركم اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع وقد كبرت سنه وولى عمره ولو انتظرتم به الهرم كان قريباً... وقد فشت قالة خفتها عليكم فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به ولا تطمعوا الناس في أمركم فوالله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبداً إلا إدبار"، فقال علي: "ومالك وذلك وما أدراك لا أم لك"، فأجابه معاوية: "دع أمي مكانها ليست بشر أمهاتكم قد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وأجبني فيما أقول لك".

والسؤال هنا: ماذا فعل معاوية غير توجيه الاتهامات؟ أين المئة ألف فارس الذين توعد عماراً بهم؟ لماذا اكتفى بأن يعرض على الخليفة عثمان اصطحابه إلى الشام أو إرسال بعض الجند إليه، وهو يعرف أن عثمان سيرفض حقناً للدماء، فلا يعيد السؤال مرة أُخرى ويتركه لأنياب الفتنة تنهشه؟

في كتاب "أنساب الأشراف"، يسرد أحمد بن يحيى البلاذري دخول عبد الله بن العباس على معاوية في خلافته، وقال في بعض ما قاله: "وأما أنت يا معاوية فزينت له ما صنع (يقصد أخطاء عثمان) حتى إذا حضر موته طلب نصرك فأبطأت عنه وتثاقلت وأحببت قتله وترصدت لتنال ما نلت".

معاوية وعليّ

دارت الأيام، وقُتل عثمان بن عفان، واهتدت الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب، وأخذ الخليفة الجديد في إصلاح الدولة إصلاحاً جذرياً لإعادتها إلى سابق عهدها، فأخذ أموال طبقة الأغنياء التي برزت في عهد عثمان وردها إلى بيت مال المسلمين، وعزل كُلَّ الولاة من بني أُمية، إلا أن معاوية لم يقبل العزل، وأبى الرحيل ومبايعة الأمير الجديد، وحجته في ذلك أن عليّاً لم يقتص من قتلة عثمان، بل وجنّبهم سيوف الثأر.

من الأسئلة المحيطة بفترة حكم معاوية بن أبي سفيان سؤال: هل اقتص من قتلة عثمان؟ أم أنه اتخذ من مقتله ذريعة للحكم؟

ولم يكتفِ معاوية كسياسي ميكيافيلي بذلك، بل صعد على المنبر وفي إحدى يديه قميص عثمان ملطخ بالدماء وفي الأخرى أصابع نائلة زوج عثمان، مُحرّضاً الناس: يا لثارات عثمان! فدار الجدال والصراع بين الفريقين: عليّ من ناحية ومعاوية من ناحية أُخرى، مُتبادلين الرسائل والاتهامات.

لماذا لم يقتص عليّ من قتلة عثمان؟ يُجيب على هذا السؤال الإمام القرطبي في كتابه "التذكرة": "لم يكن وليَّ دمٍ و إنما كان أولياء الدم أولاد عثمان وهم جماعة: (عمرو) وكان أسّنُ ولد عثمان، و(أبان) وكان مُحدثاً فقيهاً وشهد الجمل مع عائشة، و(الوليد بن عثمان) وكان عنده مصحف عثمان الذي كان في حجره حين قُتل، ومنهم (سعيد بن عثمان) وكان والياً لمعاوية على خراسان؛ فهؤلاء بنو عثمان الحاضرون في ذلك الوقت وهم أولياء الدم دون غيرهم، ولم يتحاكم إلى عليّ أحدٌ منهم ولا نُقل ذلك عنهم فلو تحاكموا إليه لحكم بينهم إذ كان أقضى الصحابة".

ثم ينتقل الإمام القرطبي لسرد جواب آخر يتعلق بقاتل عثمان نفسه والاختلاف حوله: "إنه لم يكن في الدار عدلان يشهدان على قاتل عثمان بعينه؛ فلم يكن له أن يقتل بمجرد دعوى في قاتل بعينه، ولا إلى الحاكم في سبيل ذلك مع سكوت أولياء الدم عن طلب حقهم؛ ففي تركهم له أوضح دليل".

الواضح في القضية أن قاتل عثمان مختلف حول هويته. وذكر الحافظ المزيّ في "تهذيب الكمال" أن قاتل عثمان قُتل في مكانه. كما أن أولاد عثمان المذكورون أعلاه (عمرو، أبان، سعيد، والوليد)، لم يتقدم أيٌ منهم للخليفة عليّ بطلب القصاص. بل حين اندلعت مجزرة الحرة في المدينة، قبض جند يزيد بن معاوية على عمرو بن عثمان فنتفوا لحيته وضربوه مرددين: "هذا الخبيث ابن الطيب".

معاوية في الميزان

حين سُئل الشيخ رشيد رضا عن معاوية وسيرته أجاب: "إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالباً للملك ومُحبّاً للرياسة". وقد وقع معاوية في تناقض صريح أكثر من مرة، فمن بين أنصاره ومعاونيه ضد عليّ بن أبي طالب عمرو بن العاص، والذي كان السبب الرئيس في تأليب المصريين على عثمان مُشاركاً في قتله، كما ذكر ابن كثير في الجزء العاشر من كتاب "البداية والنهاية".

والأعجب هو استضافة معاوية لقتلة عثمان في بلاط قصره في الشام لما استتبت له الأمور، مثل "رومان" الذي ذُكر في "تهذيب الكمال" أنه ممن باشروا قتلَ عثمان.

ورأى كثيرون أن ما فعله معاوية مِن أخذ للثأر دون الرجوع إلى أمير يحتكم إليه ما هو إلا جاهلية جديدة، فقد قُتل بسببه سبعون ألفَ مسلم، كما كان أول حاكم تُسبى في عهده نساء مسلمات على يد قائد جيشه بسر بن أرطأة، حسبما روى الطبري في تاريخه.

بعدما قُتل عثمان، وآلت الخلافة إلى عليّ، لم يقبل معاوية قرار عزله، وأبى مبايعة الخليفة الجديد، وحجته في ذلك أن عليّاً لم يقتص من قتلة عثمان، ولم يكتفِ بذلك، بل صعد على المنبر وفي إحدى يديه قميص عثمان ملطخ بالدماء، مُحرّضاً الناس: يا لثارات عثمان!

وبالعودة إلى سؤال المقال: هل اقتص معاوية من قَتَلة عثمان بعد كل تلك الحروب التي اندلعت بسببه ومات فيها مَن مات؟

يقول الإمام القرطبي في "التذكرة": "وكذلك فعل معاوية حين تمت له الخلافة وملك مصر وغيرها بعد أن قُتل عليّ رضي الله عنه، لم يحكم على واحد من المتهمين بقتل عثمان بإقامة قصاص وأكثر المتهمين من أهل مصر والكوفة والبصرة وكلهم تحت حكمه وأمره ونهيه وغلبته وقهره، وكان يدّعي المطالبة بذلك قبل ملكه ويقول: لا نبايع مَن يؤوي قتلة عثمان ولا يقتص منهم. والذي كان يجب عليه شرعاً أن يدخل في طاعة عليّ رضي الله عنه حين انعقدت خلافته في مسجد رسول الله، فلما بويع له رضي الله عنه طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان، وأخذ القود منهم، فقال لهم عليّ عليه السلام: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك نراهم صباحاً ومساءً. وكان عليّ في ذلك أسدَّ رأياً و أصوبَ قيلاً، لأن علياً لو تعاطى القود - يقصد القصاص - معهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حرباً ثالثة، فانتظر بهم إلى أن يستوثق الأمر وتنعقد عليه البيعة ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم فيجري القضاء بالحق".

وذكر ابن تيمية الذي عُرف بحبه ودفاعه المُستميت عن معاوية، في كتابه "منهاج السنة" قصة تدحض حُجة معاوية نفسه: "ومما يُبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت عليّ وصار أميراً على جميع المسلمين ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا، بل رويَ عنه أنه لما قدم المدينة حاجّاً، فسمع الصوت في دار عثمان: ‘يا أمير المؤمنيناه، يا أمير المؤمنيناه’، فقال: ما هذا! قالوا: بنت عثمان تندب عثمان. فصرف الناس ثم ذهب إليها فقال: يا ابنة عم! إن الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره وبذلنا لهم حُلماً على غيظ، فإن رددنا حُلمنا ردوا طاعتهم، ولأن تكوني بنت أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني واحدة من عرض الناس، فلا أسمعنك بعد اليوم ذكرت عثمان".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard