في ذكرى رحيل سارة حجازي... عن جهاد الـ"هاها" وسيكولوجية الجماهير

الاثنين 27 يونيو 202201:41 م

مع كل ذكرى لرحيل سارة حجازي، يمارس البعض جهاد الـ"هاها"، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتفاعلون بـ"هاها" مع كل ما يخص سارة على صفحات أصدقائها، وعلى منشورات المواقع الإلكترونية، وحتّى على التعليقات الداعمة. التعليق بمجرد قلب واحد قد يعرّضك لحملة تفاعلات هستيرية غير مفهومة بـ"هاها".

من هي سارة حجازي؟

شاءت سارة حجازي مغادرة هذا العالم قبل سنتين. شاءت وفعلت، تاركةً رسالةً من بضعة أسطر، توجهت من خلالها إلى هذا العالم القاسي، وقالت له: "أسامح". مضت على وفاتها سنتان وها هو العالم الذي سامحته سارة يستشيط غضباً في ذكراها، فينضح بكل قبيح.

كيف لمجرد صورة، تحمل كل هذا الفرح والأمل والألوان والحب، أن تتعرض لكل هذا الحقد؟

تمثّل الناشطة المصرية سارة حجازي، النضال الدامي الذي يقوده مجتمع الميم-عين في العالم العربي.

في العام 2013، انضمت سارة إلى "حزب العيش والحرية" الذي يتمسك بشعارات ثورية تطالب بإرساء الديمقراطية التشاركية وبالقضاء على كافة أشكال التمييز في المجتمع.

أطلقت سارة فعاليةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعنوان "أدعم الحب"، دعت فيها المجتمع إلى مناقشة المثلية، الأمر الذي عرّضها للكثير من الانتقادات والأذى. هي المدافعة الشرسة عن حقوق المثليين/ات التي قبضت عليها السلطات المصرية في تشرين الأوّل/ أكتوبر عام 2017، إثر رفعها علم قوس قزح، الشعار العالمي للمثلية الجنسية، في حفل غنائي لفرقة "مشروع ليلى" اللبنانية في أيلول/ سبتمبر 2017.

اتُهمت حجازي بالانضمام إلى جماعة محظورة تروّج لـ"الفكر المنحرف". عانت سارة كثيراً خلال فترة الاعتقال، وتعرضت للتحرّش الجنسي والضرب من قبل بعض السجينات وخرجت بعد 3 أشهر من سجنها، ولكن لم يعد شيء كما كان.

بعد خروجها من السجن ظلت تعاني من نظرة المجتمع الدونية والمضايقات، فاختارت السفر إلى كندا.

مع كل ذكرى لرحيل سارة حجازي، يمارس البعض جهاد الـ"هاها"، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتفاعلون بـ"هاها" مع كل ما يخص سارة على صفحات أصدقائها، وعلى منشورات المواقع الإلكترونية، وحتّى على التعليقات الداعمة

لماذا كل هذا السخط حول قضية سارة؟

يكمن "الفكر المنحرف" الحقيقي في خطاب الكراهية والمجتمع الأبوي الذي لا يزال يرجم سارة حتى بعد عامين على رحيلها.

مع كل ذكرى سنوية لرحيل سارة، في 13 حزيران/ يونيو، يُفتح "مسلخ" السوشال ميديا على مصراعيه وينهال البعض بعبارات نابية وغير إنسانية حول سارة وكل ما تمثّله من قضايا محقّة ونضالية.

فلمَ كل هذا الغضب؟ ما الذي اقترفته يدا سارة كي تستحق كل هذا؟

سيكولوجية الجماهير في قضية سارة حجازي

لطالما كان سلوك الجماهير مجالاً مهماً للدراسة في علم النفس، وقدّم العديد من علماء النفس وعلماء الاجتماع نظريات مختلفةً في هذا السياق.

يتحدّث الفيلسوف غوستاف لوبون، عن "عقل المجموعة"، أو العقل الجماعي الذي يجعل الناس يشعرون ويفكرون ويتصرفون بطريقة مختلفة تماماً عن تلك التي يشعر بها كل فرد. لكل مجموعة عقلية خاصة بها يعتمد عملها على العواطف والنداءات والاقتراحات والشعارات.

أمّا عالم النفس وليام ماكدوغال، فيتحدّث عن تكثيف المشاعر لدى الحشود وخفض المستوى الفكري، مشدداً على العاطفة الجماعية وتكثيف المشاعر وعدم الاستعداد لمعارضة سلطة الحشد وتالياً منع العمليات الفكرية وتخفيض المستوى الفكري في الحشد أو المجموعة.

كيف تطبَّق هذه النظريات على قضية سارة حجازي؟ وكيف تقود المجموعات والجماهير جهاد الـ"هاها" في قضية كهذه؟

"من منظور تحليلي، سارة تمثّل سلسلةً من التابوهات؛ أولاً هي امرأة، ثانياً هي امرأة مثلية، وثالثاً أنوثة سارة لا تشبه ما يطلبه المجتمع من المرأة (لباس معيّن، وشعر طويل مثلاً...). وعليه، شكّلت سارة خرقاً معيّناً في هذه النقاط. هي في منطقة التابو، وهذا بحدّ ذاته شيء مستفز في نظر المجتمع العربي"

سارة حجازي تتحدّى بالحبّ وحده مجتمعات متزمتةً

تقول الاختصاصية في علم النفس العيادي، كوزيت معلوف، لرصيف22: "من منظور تحليلي، سارة تمثّل سلسلةً من التابوهات؛ أولاً هي امرأة، ثانياً هي امرأة مثلية، وثالثاً أنوثة سارة لا تشبه ما يطلبه المجتمع من المرأة (لباس معيّن، وشعر طويل مثلاً...). وعليه، شكّلت سارة خرقاً معيّناً في هذه النقاط. هي في منطقة التابو، وهذا بحدّ ذاته شيء مستفز في نظر المجتمع العربي. نضيف الخطيئة الكبرى (من نظرة المجتمع المغلق بحتاً)، وهي الانتحار، وهذه فكرة مرفوضة في الدين، وهناك من يتعامل معها على أنها مرض نفسي.

وتتابع بالقول: "إذاً سارة تجمع أربعة محظورات محرّمة في نظر المجتمع وهذا كفيل بقيام أنواع عدة من الجماهير بمهاجمتها. يراها من يهابون المثلية مادّةً دسمةً للتنمّر وبث السموم الفكرية، كذلك يراها المتدينون، وأيضاً من هم ضد قضايا المرأة. ومن منظور تحليلي بحت، هذا ما يستفز المجتمع في قضية سارة".

"كانوا يأتون بصور قديمة لسارة بالحجاب وصور لها وهي تدخن. يأتون بمنشورات لها وهي تقول إنها مؤمنة ويكفّرونها. بالاختصار، لا احترام للموت. الموضوع كان أكثر من جارح، أكثر من مؤلم."

أصدقاء سارة حجازي، ضحايا خطاب الكراهية

يقول مصطفى فؤاد، صديق سارة ومحاميها، ومدير البرامج في منظمة "هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية": "في الحقيقة الموضوع صعب إلى أبعد الحدود. لقد تلقيت خبر وفاة سارة يوم 13 حزيران/ يونيو، وتكتّمت على الخبر أوّلاً. ما كنت أدري ماذا أقول لأنني كنت أعرف أن موتها سيسبب حملات كراهية كبيرة. قلت لنفسي أخيراً إن القرار ليس قراري، بل قرار سارة ومن الضروري أن أعلن قرارها. يوم 14 حزيران/يونيو، أعلنّا خبر وفاتها وحصل فعلاً ما كنت أخشاه".

تابع قائلاً: "كانوا يأتون بصور قديمة لسارة بالحجاب وصور لها وهي تدخن. يأتون بمنشورات لها وهي تقول إنها مؤمنة ويكفّرونها. باختصار، لا احترام للموت. الموضوع كان أكثر من جارح، أكثر من مؤلم. إلى اليوم، لا أستطيع أن أفهم لماذا يفعلون هذا، من أين يأتون بهذه القدرة النفسية؟".

وأردف بالقول: "ستجدين الكلام غير مرتّب لأنني لا أحب أن أفكر في الموضوع من هذه الزاوية. إلى اليوم يدخلون صفحات أصدقاء سارة أو أي أحد ينشر ما يخص سارة ويمارسون جهاد الـ"هاها" على المنشورات التي تخص سارة وحتى المنشورات التي لا تخص سارة. مثلاً عند وفاة أمي، وصلت بهم الوقاحة إلى التفاعل بـ"هاها" على صورتها. يحاولون أن يظهروا لنا أن عددهم كبير ومؤثر أكثر منا. ولكن في الحقيقة هم ليسوا مؤثرين بل فقط عددهم أكبر. لكنني أعتقد أن الزمن تخطاهم لا بل سحقهم ولكن لا يزال لديهم صوت ولا تزال لديهم أغلبية عددية. هل هذا سينتهي قريباً؟ في اعتقادي يمكن ألّا ينتهي في القريب العاجل، ولكن سينتهي أو يخف في القريب المتوسّط".

يوم ذكرى وفاة سارة، شارك حامد سنو، مغنّي فرقة الروك البديل "مشروع ليلى" اللبنانية أشهر صورة لسارة، تلك التي التُقطت لها خلال حفل الفرقة في مصر عام 2017. بدت سارة سعيدةً، تعيش حقيقتها الجميلة وترفع بفخر علم قوس القزح. للمفارقة، تعرض المنشور لنوبات هستيرية من الهلع والضحك والغضب.

فكيف لمجرد صورة، تحمل كل هذا الفرح والأمل والألوان والحب، أن تتعرض لكل هذا الحقد؟

حتّى حرمة الموت التي يتغّنى بها الشعب العربي فُقدت

"مجتمعنا غير مخوّل للتعامل مع هذه التابوهات". تقول كوزيت معلوف، وتتابع: "أو لا يريد أن يتعامل معها بالطريقة المثلى. يقال إن في مجتمعاتنا العربية ثمة حرمة للموت، ولكن في قضية سارة لم تعد حرمة الموت موجودةً، بغض النظر عما إذا كنا نؤيد حرمة الموت أو لا. مستفزة قضية سارة إلى درجة أن المتنمرين يغفلون حقيقة موتها".

ورداً على السؤال التالي: لماذا قضية سارة مستفزة؟ أجابت معلوف: "يمكننا أن نفتح مجلّداً في هذا السياق. أولاً نحن شعوب لا تحب أن تتعرف على أجسادها. نحن شعوب تخاف من أجسادها، خاصةً النساء. نحن خاضعات لرأي الرجل، وكيف يقيّم أنوثتنا وكيف يقرّر ماذا نفعل. القانون مع الرجل، الدين مع الرجل، المجتمع مع الرجل. نحن لا نتحدّث في الأمور الجنسية في بيوتنا ومع أهلنا. نحن نخاف التحدث إذا تعرضنا للتحرش. كيف لشخص نشأ في ظل هذه المفاهيم أن يتعامل مع امرأة مثلية انتحرت؟ شخص كسارة أعلنت مثليتها وأعلنت كل الصعوبات التي تمر بها، لذا واجهت كل هذا الكره.

وختمت بالقول: "في مكان ما، كل شخص منّا، سواء كان مثلياً أو مغايراً (جنسياً)، لديه سارة صغيرة في داخله. نحن نرمي كرهنا على الآخرين عندما نكون غير قادرين على التصالح مع حقيقتنا وما في داخلنا".

وفي الوقت ذاته، تستمر هستيريا الكراهية، التي يفعّلها تلطي المتفوه بالسباب والنعوت القبيحة خلف شاشات وحسابات وهمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard