فيل أبرهة الحبشي أم أفيال المكابيين؟ تفسير سورة الفيل بين المصادر الإسلامية والأسفار الأبوكريفية

السبت 25 يونيو 202210:00 ص

أثيرت مؤخراً حالة من الجدل حول ما ذكره مفتي مصر السابق، الدكتور علي جمعة، في أحد برامجه التلفزيونية. ذكر جمعة أن الفيل الذي اصطحبه أبرهة الحبشي لهدم الكعبة، كان اسمه محموداً. الأمر الذي دفع الكثيرين للتساؤل، كيف يمكن أن يُسمى الفيل بهذا الاسم في الوقت الذي كان فيه أبرهة مسيحياً حبشياً لا يعرف اللغة العربية؟

الباحث المصري الدكتور يوسف زيدان أثار المزيد من الجدل عندما ذكر أن ربط سورة الفيل بحملة أبرهة الحبشي على مكة هو أمر خاطئ بالأساس. أكد زيدان أن سورة الفيل إنما تحدثت عن بعض الوقائع التاريخية الواردة في أسفار المكابيين. في هذا المقال نلقي الضوء على التفسير الإسلامي التقليدي لسورة الفيل، ثم نتناول ما ورد في أسفار المكابيين عن تلك الواقعة.

فيل أبرهة الحبشي: القصة الإسلامية التقليدية

يذكر ابن هشام الحميري في كتابه السيرة النبوية (1963) قصة أصحاب الفيل الذين ورد ذكرهم في القرآن. أغلبية المؤرخين المسلمين نقلوا تلك القصة فيما بعد عنه، من أهمهم كل من ابن جرير الطبري في تاريخ الرسل والملوك (1387هـ)، وابن الأثير الجزري في الكامل في التاريخ (1997)، وابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية (1986). ورد في تلك الكتب أن مملكة الحبشة استطاعت أن تنتصر على الحميريين الذين كانوا يحكمون اليمن في القرن السادس الميلادي، وتم تعيين أحد القادة الأحباش المسيحيين، ويُدعى أبرهة، كحاكم على اليمن من قِبل النجاشي ملك الحبشة.

تمكن أبرهة من الانفراد بالسلطة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وقام ببناء كنيسة كبيرة في صنعاء، سماها "القُليس"، وعزم على أن يجعل من تلك الكنيسة قبلةً ومزاراً لجميع العرب. بعد أن أتم أبرهة بناء الكنيسة، اصطدم بأن أغلبية العرب يحجّون إلى الكعبة، وأن كنيسته بقيت وحيدة منعزلة لا يزورها إلا قلة من المسيحيين من اليمن ونجران.

تؤكد المصادر الإسلامية أن أبرهة أستشاط غضباً بعد قام بعض العرب بالتغوّط داخل الكنيسة. كان في ذلك الفعل، استهزاء واضح بأبرهة وبالدين المسيحي، ولذلك قرر القائد الحبشي أن ينتقم. تحكي الروايات التراثية أن أبرهة جهز جيشاً كبيراً، وضمّ إليه عدداً من الفيلة المُدربة على القتال في ساحات المعارك، وكان أكبرهم فيلاً يُعرف بمحمود، وقاد أبرهة ذلك الجيش بنفسه إلى مكة، وكان العرب يهربون من أمامه لمّا أيقنوا من عدم قدرتهم على مواجهته.

ذكر مفتي مصر السابق علي جمعة أن الفيل الذي اصطحبه أبرهة الحبشي لهدم الكعبة، كان اسمه محموداً. الأمر الذي دفع الكثيرين للتساؤل، كيف يمكن أن يُسمى الفيل بهذا الاسم في الوقت الذي كان فيه أبرهة مسيحياً حبشياً لا يعرف اللغة العربية؟

في الطريق إلى مكة، استولى الجيش على بعض الجمال المملوكة لزعيم مكة، عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف، ووصلت تلك الأخبار إلى قبيلة قريش، فتركوا ديارهم ومنازلهم، وصعدوا للاختباء وسط الجبال القريبة منهم، أما عبد المطلب فقد ذهب للقاء أبرهة، وطلب منه أن يعيد إليه جماله، الأمر الذي أدهش القائد الحبشي، إذ تعجّب كيف يفاوضه كبير قريش في أمر الجمال، ولا يحدثه فيما اعتزم عليه من هدم الكعبة، فرد عليه عبد المطلب بجملته الشهيرة "أنا رب -بمعنى صاحب- هذه الجمال، أما البيت -الكعبة- فله رب يحميه".

تُستكمل القصة بأن أبرهة وجّه الفيل ناحية الكعبة، ولكنه امتنع عن المسير، ورفض أن يتحرك إليها، وبينما استعد الجيش لهدم بيت الله الحرام، إذ بالسماء قد امتلأت بأعداد هائلة من الطيور، وكان كل طير يمسك في منقاره ومخالبه عدداً من الحجارة الصغيرة، حيث تمّ إلقاؤها جميعاً على جيش أبرهة، فاخترقت تلك الحجارة أجسادهم ودمرتهم تدميراً، وهلك الجيش كله، ورجعت قبيلة قريش لمنازلها بجوار الكعبة.

أورشليم من الإسكندر الأكبر إلى السلوقيين

لفهم أطروحة زيدان التي ربطت بين سورة الفيل والمكابيين. يجب أولاً العودة إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وبالتحديد في سنة 336ق.م. في هذا العام توفى فيليب الثاني ملك مقدونيا، وخلفه على عرش اليونان ابنه الإسكندر الذي عُرف تاريخياً بالإسكندر الأكبر.

توجه الإسكندر شرقاً واجتاح المقاطعات التي كانت خاضعة للحكم الفارسي حينذاك. استولى على مصر وفلسطين وسوريا والعراق وعلى مساحات واسعة من آسيا الصغرى، كما تمكن من ضمّ جزء كبير من بلاد فارس، ووصلت جيوشه المنتصرة إلى حدود بلاد الهند. توفى الإسكندر في سنة 323ق.م، وقام قادة جيشه بتقسيم ملكه فيما بينهم. ظفر بطليموس بمصر، وأخذ أنتيغون مقدونيا القديمة وآسيا الصغرى، بينما حظي سلوقس الأول نيكاتور بملك سوريا وبابل وفارس.

تؤكد المصادر الإسلامية أن أبرهة أستشاط غضباً بعد قام بعض العرب بالتغوّط داخل الكنيسة "القُليس". كان في ذلك الفعل، استهزاء واضح بأبرهة وبالدين المسيحي، ولذلك قرر القائد الحبشي أن ينتقم

لمّا كانت فلسطين واقعةً بين مصر وسوريا، فقد كان من الطبيعي -والحال كذلك- أن نجد أن كلاً من البطالمة والسلوقيين قد عملوا على ضمها لأملاكهم الواسعة. بحسب ما تؤكد المصادر التاريخية، فإن البطالمة قد تمكنوا من السيطرة على فلسطين حتى سنة 198ق.م تقريباً. وبعدها استطاع السلوقيون أن يفرضوا سيطرتهم الكاملة على تلك الأراضي، ونشروا فيها فيالقهم العسكرية القوية.

ركزت سياسات السلوقيين في زمن أنطيوخوس الرابع على نشر الثقافة اليونانية في جميع الأقاليم التابعة له. هذا الأمر استدعى رفض السلوقيين لمظاهر الهوية اليهودية التقليدية، تلك التي تؤكد على أن اليهود مختلفون عن بقية الأجناس، وأن يهوه إله بني إسرائيل هو إله اليهود وحدهم دوناً عن غيرهم من الشعوب. في الوقت الذي قبل فيه قسم من اليهود لأوامر السلوقيين التي عملت على دمجهم في الثقافة الهيلينية، فإن قسماً آخر من اليهود قد رفض ذلك الاندماج وأصرّ على الحفاظ على الهوية اليهودية الأصيلة.

أفيال المكابيين: القصة بحسب الأسفار الأبوكريفية

يمكن القول إن ذكر الفيل قد ورد في مجموعة من الأسفار المرتبطة بالتاريخ اليهودي في فترة النزاع بين البطالمة والسلوقيين. ورد أول ذكر للفيلة في سفر المكابيين الأول وسفر المكابيين الثاني، وهما من ضمن الأسفار القانونية الثانية، والتي تقرها الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية، بينما يرفضها اليهود والبروتستانت، ويعدّونها أسفاراً أبوكريفية/ غير قانونية.

يحكي الإصحاح الثاني من سفر المكابيين عن الكاهن متاتيا بن يوحنا بن سمعان الذي ينحدر من الأسرة الحشمونية، والذي تزعم الفريق اليهودي المؤيد للالتزام بالتقاليد اليهودية القديمة، والذي رفض الانصياع لأوامر ملوك السلوقيين. يذكر السفر أن متاتيا قد رُزق خمسة من الأبناء الذكور، وهم "يُوحَنَّا الْمُلَقَّبُ بِكَدِّيسَ، وَسِمْعَانُ الْمُسَمَّى بَطَسِّيَ، وَيَهُوذَا الْمُلَقَّبُ بِالْمَكَّابِي، وَأَلِعَازَارُ الْمُلَقَّبُ بِأَوَارَانَ، وَيُونَاثَانُ الْمُلَقَّبُ بِأَفُّوسَ".

أثار الباحث المصري يوسف زيدان الجدل عندما ذكر أن ربط سورة الفيل بحملة أبرهة الحبشي على مكة هو أمر خاطئ بالأساس. أكد زيدان أن سورة الفيل إنما تحدثت عن بعض الوقائع التاريخية الواردة في أسفار المكابيين

قاد متاتيا وأبناؤه حملة الكفاح ضد السلطات السلوقية. لمّا حاول أعوان السلوقيين أن يغروه بالذهب والفضة لينضم إلى صفهم، وقالوا له: "أَنْتَ رَئِيسٌ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ شَرِيفٌ عَظِيمٌ مُعَزَّزٌ بِالْبَنِينَ وَالإِخْوَةِ، فَالآنَ ابْدَأْ أَنْتَ وَتَقَدَّمَ لإِمْضَاءِ أَمْرِ الْمَلِكِ كَمَا فَعَلَتِ الأُمَمُ كُلُّهَا وَرِجَالُ يَهُوذَا وَمَنْ بَقِيَ فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَكُونَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ مِنْ أَصْدِقَاءِ الْمَلِكِ، وَتُكْرَمَ أَنْتَ وَبَنُوكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْهَدَايَا الْكثِيرَةِ".

فإنه رفض ذلك، وقال لهم: "إِنَّهُ وَإِنْ طَاعَتْ لِلْمَلِكِ كُلُّ الأُمَمِ الَّتِي فِي دَارِ مُلْكِهِ، وَارْتَدَّ كُلُّ أَحَدٍ عَنْ دِينِ آبَائِهِ وَرَضِيَ بِأَوَامِرِهِ، فَأَنَا وَبَنِيَّ وَإِخْوَتِي نَسْلُكُ فِي عَهْدِ آبَائِنَا. فَحَاشَا لَنَا أَنْ نَتْرُكَ الشَّرِيعَةَ وَالأَحْكَامَ. إِنَّا لَنْ نَسْمَعَ لِكَلاَمِ الْمَلِكِ فَنَحِيدَ عَنْ دِينِنَا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً". يذكر السفر بعدها أن متاتيا لمّا وجد أن أحد كهنة اليهود المتحالفين مع السلوقيين قد بدأ في أداء الصلوات والشعائر الدينية في المذبح الرئيسي بأورشليم، فإنه قد غضب وسارع بالهجوم على هذا الكاهن وقتله، وقام أبناؤه بقتل جميع الرجال المتحالفين مع السلطة.

نادى متاتيا بعدها في اليهود وقال لهم: "كُلُّ مَنْ غَارَ لِلشَّرِيعَةِ وَحَافَظَ عَلَى الْعَهْدِ فَلْيَخْرُجْ وَرَائِي"، وقاد الجميع ليغادروا أورشليم وليصعدوا إلى المعاقل الجبلية الحصينة البعيدة عنها، وبدأوا بعدها في قتال القوات السلوقية ومن تحالف معها من اليهود. في 166ق.م تقريباً توفي متاتيا، وعهد بقيادة الجيش اليهودي من بعده لابنه يهوذا المُلقب بالمكابي -تعني المطرقة- والذي سيشتهر اسمه كثيراً في التاريخ اليهودي حتى سيُطلق لقبه -المكابي- على جميع أفراد أسرته، ليسموا بالمكابيين.

ذكر سفر المكابيين الثاني تفاصيل الانتصارات العظيمة التي حققها يهوذا المكابي على السلوقيين. وتحدث عن الملك السلوقي ديميتريوس الأول، عندما جهز جيشاً عظيماً بقيادة "نكانور مدبر الفيلة" وأمره بأن يقضي تماماً على ثورة المكابيين. يذكر السفر العلاقة المتوترة بين نكانور والمكابي، ثم يتحدث عن الحرب الشرسة التي دارت بين الرجلين، والتي انتهت بمقتل نكانور، وقيام اليهود بعدها بقطع رأسه ويده اليمنى وتعليقهما على سور أورشليم.

ما يهمنا هنا أن السفر ذكر بوضوح خبر اشتراك الفيلة في المعركة، الأمر الذي يبدو متسقاً مع المعطيات التاريخية في ذلك العصر، لأن السلوقيين كانوا معروفين باستخدامهم الفيلة المدربة على القتال، ولا سيما في حروبهم على الجبهة الشرقية ضد الفرس البارثيين. ورد في الإصحاح الخامس عشر من سفر المكابيين الثاني: "وبينما كان الجميع ينتظرون ما يؤول إليه الأمر، وقد ازدلف العدو واصطف الجيش وأقيمت الفيلة في مواضعها وترتبت الفرسان على الجناحين. تفرس المكابي في كثرة الجيوش وتوفر الأسلحة المختلفة وضراوة الفيلة؛ فرفع يديه إلى السماء ودعا الرب الرقيب صانع المعجزات، لعلمه أن ليس الظفر بالسلاح ولكنه بقضائه يؤتي الظفر من يستحقه...".

ورد ذكر الفيلة في قصة أخرى مشهورة في الذاكرة اليهودية الجمعية. جاءت تفاصيل تلك القصة في سفر المكابيين الثالث، وهو من ضمن الأسفار التي لم يعترف بها اليهود أو المسيحيون على الطلاق. يحكي السفر عن انتصار الملك البطلمي بطليموس الرابع على الملك السلوقي أنطيوخس الثالث في معركة رفح في سنة 217ق.م. لمّا أراد بطليموس الرابع أن يزور أورشليم منعه الكاهن الأكبر من ذلك.

رجع الملك البطلمي إلى مصر وهو ساخط على اليهود جميعاً، وأراد أن ينتقم من اليهود المقيمين بمصر. يذكر السفر أن الملك قد أمر بجمع اليهود في ميدان السباق بالإسكندرية، وأنه أمر سائس الفيلة بتجهيز خمسمائة فيل مدرب. كانت الخطة أن تُسقى الفيلة بالنبيذ والألبان ثم تُطلق لتدهس اليهود وتبيدهم جميعاً.

بحسب ما يذكره السفر فإن خطة بطليموس الرابع قد فشلت ليومين متتابعين بعد أن سلط يهوه عليه النعاس فغاب عن الوعي. في اليوم الثالث أنزل يهوه ملكين من السماء، لمّا رأتهما الفيلة "أدبرت وانقَلبت ضدّ الجنود المسلّحين الذين كانوا يمشون خلفها فسحقتهم دَوْساً بالأقدام"، وهكذا أُجبر الملك البطلمي على التراجع وترك اليهود ليعودوا إلى المدن والقرى التي قدموا منها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard