الدين أهم من الطب... إشكالية إجهاض الأجنّة المشوّهة في الجزائر

الخميس 23 يونيو 202203:06 م

"جولة نقاش جديدة حول الإجهاض في الجزائر"، فتحها المشاركون في أشغال اليوم الدراسي الذي جاء تحت شعار "الخيارات الشرعية الطبية والقانونية في الموازنة بين حياة الجنين وأمه"، وذلك بعد الجولة الأولى التي أثيرت عام 2018، بمجرد الإفراج عن قانون الصحة الجديد الذي احتوى على مادة تبيح للأم إجهاض جنينها.

فوفقاً للمادة 81 التي تنص على أنه عندما يكون التوازن الفيزيولوجي والنفسي والعقلي للأم مهدداً بخطر بالغ، يجب على الطبيب المعالج أن يخبرها، ويأخذ موافقتها على كل الإجراءات العلاجية التي تمليها الظروف".

تخلّف في التعامل مع التشوّه

لكن هذه المرة، انصبّ النقاش حول إجهاض الأجنّة المصابة بتشوهات خلقية تؤكد استحالة بقائها على قيد الحياة.

وهنا اختلفت ردود الأفعال بين الرافضين لتلك الخطوة التي تتنافى -وفقاً لتصورهم- مع المعتقدات الدينية، وبين مؤيد لذلك القرار والذي استند إلى حقيقه واقعه، ألا وهي أن الجزائر لا زالت متأخرةً في مجال التكفل بفئة الأطفال حديثي الولادة المصابين بتشوهات خلقية.

إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه الأطباء في الجزائر خلال الاشتباك مع تلك الحالات، هي غياب النصوص القانونية التي تتيح لهم اتخاذ القرار النهائي.

وتقول أسماء بختي، الطبيبة في إحدى المؤسسات الاستشفائية لطب النساء والتوليد في محافظة تلمسان، عن تلك الحيرة، لرصيف22: الكثير من الحالات التي نشرف عليها، والمتعلقة بالأجنّة المشوهة خلقياً، نقف أمامها عاجزين عن اتخاذ  قرار يقضي بالإجهاض بسبب غياب الضوابط القانونية التي تسمح للمختصين بأمراض النساء والتوليد التصرف في هكذا حالات، من دون أن يجد الطبيب نفسه في قفص الاتهام. فقانون الصحة في الجزائر يبيح الإجهاض حال وجود خطر على الأم، لكنه أغفل حالات الأجنّة المشوهة.

"بقيت واجمةً في تلك اللحظة، غير أن زوجي قرر استشارة رجال الدين حول مسألة الإجهاض في هذه الحالة، وكان الأمر الوحيد الذي أخطرنا به أن الإجهاض يجوز قبل نفخ الروح في الجنين، ولذلك قررت الاحتفاظ به وأن أكمل الحمل حتى ولادته ولا أخفيكم بقيت متشبثةً بالأمل حتى آخر لحظة"

ويجد الأطباء أنفسهم في مثل هذه الحالات بين سندان العقبات القانونية إذ تنص المادة 304 من القانون على أنه "من أجهض امرأةً حاملاً أو من المتوقع أن تكون حاملاً، سواء كانت المرأة موافقةً على الإجهاض أم لا، تكون عقوبته الحبس من سنة إلى 5 سنوات مع دفع غرامة قدرها من 500 إلى 10،000 دينار جزائري.

في الوقت نفسه، فإن الآراء الشرعية السائدة تشير إلى حرمة قتل الجنين بعد نفخ الروح فيه، أي بعد مرور 120 يوماً، وتقول أسماء إن "الوضع الحالي يستدعي الفصل فيه عن طريق الاستناد إلى آراء رجال الدين بالنظر إلى حساسية الملف".

القانون لا يحمي المجهضات

وفي ظل الغموض الذي يشوب النصوص القانونية، يجد الطبيب الجزائري أن بعض الأجنة تعاني من تشوهات خلقية معقدة تستدعي وبشكل عاجل اللجوء إلى الإجهاض الفوري لإنقاذ حياة الأم، فهناك أجنة تصاب بتشوهات خلقية في الدماغ المتمثلة مثلاً في انعدام الدماغ والجمجمة، وهناك تشوهات وأورام أخرى خطيرة تصيب الرئتين أو حدوث قصور في القلب، فالجنين في هذه الحالات يولد بعد عملية صعبة، ويتوفى بعد ساعة أو ساعتين أو حتى شهر من ولادته، وهذا ما أكده الطبيب المنتسب إلى إحدى المؤسسات الاستشفائية لطب النساء والتوليد في محافظة تلمسان، بشيري عبد الصمد، لرصيف22.

رصيف22، التقى بسيدات يحملن في أحشائهن أجنّةً مصابةً بتشوهات خلقية في المؤسسات الاستشفائية المتخصصة في الأم والطفل، وفي المؤسسة الاستشفائية حسان بادي في الحراش (بلفور سابقاً). أخبرتنا إحدى الأمهات قائلةً: كل شيء كان عادياً في الشهرين الأولين من الحمل، لكن انقلبت الأمور رأساً على عقب بعد زيارتي للطبيبة وإجرائي فحص الألتراساوند أو فحص الأمواج فوق الصوتية".

لا زالت الأم تتذكر ذلك اليوم المشؤوم، عندما أبلغتها الطبيبة المعالجة أن جنينها يعاني من تشوّه خلقي في الدماغ وهو ما نتج عنه فقدان قسم كبير منه ومن الجمجمة، وأن الطفل سيولد ميتاً أو يموت ربما بعد ساعتين فقط من الولادة، وقد يشكل هذا الحمل خطراً كبيراً على صحتها، ووجدت نفسها بين خيارين أحلاهما مر: الإجهاض أو المجازفة والمغامرة.

"بقيت واجمةً في تلك اللحظة، غير أن زوجي قرر استشارة رجال الدين حول مسألة الإجهاض في هذه الحالة، وكان الأمر الوحيد الذي أخطرنا به أن الإجهاض يجوز قبل نفخ الروح في الجنين، ولذلك قررت الاحتفاظ به وأن أكمل الحمل حتى ولادته ولا أخفيكم بقيت متشبثةً بالأمل حتى آخر لحظة".

وتضيف قائلةً: "بدأت عواقب هذا الحمل تنعكس على صحتي في الشهر السادس بعد ارتفاع حجم الماء المحيط بالجنين والمسمّى بالسائل الأمنيوسي، الذي تسبب لي بمخاطر عديدة بينها نزيف حاد أجبر الأطباء على القيام بعملية قيصرية مستعجلة، وعواقب صحية أخرى حدثت لي خلال فترة الحمل بينها حدوث انقباضات مبكرة وصعوبة كبيرة في التنفس".

في مجتمع يلتحف بلحاف الدين، ويرى قطاع ليس بالهين منه أن آراء الفقهاء، أهم من تشخيص الأطباء، وتتحول فيه قضية طبية بحتة إلى سجال فقهي يستوجب الرجوع إلى المشايخ، يصبح من الضروري الوصول إلى تشريع قانوني صارم، يحمي الأطباء ويحفظ الأمهات ويرحم الأجنّة

واللافت للانتباه في هذه القضية أن الجزائر لا زالت متأخرةً في مجال التكفل بفئة الأطفال حديثي الولادة المصابين بالتشوهات الخلقية المستعصية، وهناك مستشفى واحد متخصص في علاج هذه الفئة يقع في بلدة "بوسماعيل" التابعة لمحافظة تيبازة (غرب العاصمة الجزائرية).

توفيق الأوضاع

رصيف22 تحدث إلى الشيخ محمد العربي شايشي، عن موقف الإسلام من تلك الإشكالية، فقال: في مسار الإفتاء هناك ثلاثة أنواع من الإجهاض، فهناك إجهاض عفوي ذاتي وهو الذي يحصل بغير إرادة المرأة بسبب وجود خلل في الرحم أو بسبب خطأ ارتكبته، وهناك الإجهاض الاجتماعي والجنائي والمتمثل في إنهاء الحمل بطريقة غير شرعية من أجل التخلص من الجنين في حالة حمل الزنا أو الاغتصاب، وأخيراً نجد الإجهاض العلاجي المحكوم بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات وبقاعدة الترجيح بين المقاصد الضرورية، فإذا توقفت حياة الأم على إتلاف الجنين، فالإجهاض في هذه الحالة جائز شرعاً سواء نُفخت الروح في الجنين أو لم تُنفخ فيه".

يستدرك الشيخ شايشي حديثه قائلاً: غير أنه لا يجوز إجهاض الأجنّة التي بها تشوهات خلقية بسيطة وممكنة العلاج، وفي حالة وقوع الإجهاض فإن هذا يُعدّ اعتداءً على حق الجنين في الحياة التي أكرمه الله بها، أما التشوهات الشديدة والخطيرة والمتعذرة العلاج فيجوز الإجهاض لأن أغلب الأجنّة تموت مباشرةً عند الولادة أو بعدها بقليل. 

في مجتمع يلتحف بلحاف الدين، ويرى قطاع ليس بالهين منه أن آراء الفقهاء، أهم من تشخيص الأطباء، وتتحول فيه قضية طبية بحتة إلى سجال فقهي يستوجب الرجوع إلى المشايخ، يصبح من الضروري الوصول إلى تشريع قانوني صارم، يحمي الأطباء ويحفظ الأمهات ويرحم الأجنّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard