الإجهاض الآمن وحق النساء الطبيعي في التحكم بأجسادهنّ

الجمعة 29 أبريل 202204:00 م

في العام 2021، عُرض الفيلم الفرنسي "Happening" في مهرجان فينيسيا السينمائي، وفاز بجائزة الأسد الذهبي، من خلال كشف خيوط قصة تبدو صادمة للغاية بالنسبة للعالم الغربي، في حين تبدو مسألة شبه عادية في العالم العربي، ما يظهر مقدار التباين بين قوانين تغيرت لتحصل عبرها المرأة على حقها الطبيعي في التحكم بجسمها، وأخرى لا زالت تحكم بالحديد والنار على أجساد النساء.

في الستينيات من القرن الماضي، كان الإجهاض يعتبر جريمة في فرنسا، لا تعاقب عليه المرأة فحسب، بل كل من عاونها أو عرف به ولم يبلغ عنه، ومن هنا جاءت قصة الفيلم الذي جعل المخرجة الفرنسية-اللبنانية، أودري ديوان، تحصل على واحدة من أرفع الجوائز في ثاني أفلامها السينمائية، وهي لم تبلغ بعد سن الخامسة والأربعين.

الإجهاض الآمن حق النساء

فيلم "Happening" مقتبس من كتاب يحمل نفس الاسم للكاتبة آني إرنو، وهو عبارة عن سيرة ذاتية لما مرّت به آني نفسها خلال الستينيات: عندما كانت طالبة جامعية طموحة، حملت بعد علاقة عابرة بشاب، فانقلبت حياتها بين عشية وضحاها، ووجدت نفسها أمام خيارين، إما خسارة دراستها التي تؤهلها لتحقيق مكانة اجتماعية مرموقة، والخروج من الطبقة الفقيرة التي ينتمي لها والداها اللذان يكدحان لتوفير مصاريفها الدراسية، بخاصة وأنها، كأم عزباء، لا أمل لها في إكمال دراستها أو العمل في مهنة أفضل، أو الإجهاض.

خيوط قصة تبدو صادمة للغاية بالنسبة للعالم الغربي، في حين تبدو  شبه عادية في العالم العربي، ما يظهر مقدار التباين بين قوانين تغيرت لتحصل عبرها المرأة على حقها الطبيعي في التحكم بجسمها، وأخرى لا زالت تحكم بالحديد والنار على أجساد النساء

في البداية، حاولت البطلة اللجوء إلى أحد الأطباء، غير أنه رفض مساعدتها، وهنا يبدأ الفصل المخيف في الفيلم: على غرار ملايين النساء على مر التاريخ، اللواتي حاولن التخلص من حمل غير مرغوب فيه، جربت آني الطرق الشعبية في الإجهاض، كاللجوء إلى الأعشاب، أو القيام بمجهود بدني زائد، أو محاولة إدخال سيخ حديدي من مهبلها إلى رحمها لتفتح عنقه وتجهض الجنين، وهكذا على مدار الفيلم يعاني المشاهد مع آني من الألم الممتزج بالإحباط.

تخاطر البطلة بحياتها، تختار احتمالية الموت الحقيقي أمام خطر موت طموحها في الحياة، هذا هو الخيار الذي وضعها فيه مجتمعها بمنعها من الإجهاض الآمن والقانوني.

حرية الجسد

على عكس الشائع، فإن محاولات المرأة التحكم في قدراتها الإنجابية ليست حديثة العهد، أو مرتبطة بتطور العلم، فأول ذِكْر لموانع الحمل في التاريخ كان عند المصريين القدماء في العام 1850 قبل الميلاد، وذلك في لفافة بردي تقترح استخدام سدادة مهبلية تحضر بمزيج من العسل وروث التمساح.

وبالمثل في الحضارات اللاحقة، تم تداول وصفات منع الحمل الشعبية والحثّ على الإجهاض بين النساء، أغلبها كان مقززاً أو خطراً للغاية، ما يطرح سؤالًا: لماذا كلما سعت المرأة للتحكم في جسدها، حاول المجتمع قمعها عن طريق إصدار قوانين تمنع هذا التحكم وتقف عقبة في سبيله؟

بالعودة لفيلم "Happening"، نجد أن أحد الأطباء الذين لجأت إليهم آني، أوهمها بأنه وصف لها دواء يساعدها على الإجهاض بسهولة عن طريق تحفيز الطمث، مقابل مبلغ مالي كبير نسبياً، لكن بعدما أخذته ولم يحدث ما توقعته، لجأت لطبيب آخر أخبرها أن هذا الدواء ليس محفزاً على الإجهاض بل مثبت للجنين، وأن ذلك أمر شائع بين الأطباء "للانتقام" من النساء اللواتي يرغبن في التخلص من حملهنّ.

لماذا كلما سعت المرأة للتحكم في جسدها، حاول المجتمع قمعها عن طريق إصدار قوانين تمنع هذا التحكم وتقف عقبة في سبيله؟

إن قرار منع الحمل، بحسب الكاتبة روزاليندا مايلز، في كتابها "من طبخت العشاء الأخير: تاريخ العالم كما ترويه النساء"، هو عبارة عن نضال مرير، الهدف منه إعادة تعريف جنسانية المرأة التي انتزعت من الرجال حقها بأن تكون أكثر من مجرد وعاء حاضن لنطافهم.

تنقسم الثورة الذكورية ضد تحكم المرأة في قدراتها الإنجابية إلى جانبين أساسيين، الأول اقتصادي والثاني أخلاقي، فالمرأة التي تمنع الحمل أو تطالب بالإجهاض الآمن القانوني تحرم المجتمع من قوى إنتاجية عبر نسلها، سواء كان ذلك لأغراض الزراعة في العصر القديم، أو الصناعة بعد الثورة الصناعية أو كجنود في أحوال الحرب والجهاد.

أما الجانب الأخلاقي فينحصر في أن الحمل هو علامة كاشفة للمرأة غير المتزوجة التي تحظى بحرية جنسية، وعقاب فوري تخشاه ويمنعها من التحكم في جنسانيتها كما تشاء. على سبيل المثال، في فيلم "Happening"، فإن الشاب الذي تقيم معه البطلة العلاقة الجنسية لا يتحمل أي عبء بسبب ما شارك فيه، بل تسير حياته بشكل عادي للغاية، بينما الشابة التي ترغب في الاستمتاع بعلاقة حميمية خارج إطار الزواج، مثل شريكها بالضبط، حملت وسط رفض المجتمع لاحتمال الإجهاض الآمن.

وعليه، تظهر ازدواجية هذا المجتمع الذي لا يعاقب طرفي العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج بذات المكيال، بل يميز على أساس الجنس، ويعاقب النساء انطلاقاً من فرضية أنه غير مسموح لهنّ التحكم بأجسادهنّ.

إجهاض الرحمة

شكل فيلم "Happening" كابوساً للمشاهد الغربي الذي تغيرت العديد من القوانين في بلاده لتعطي النساء هذا الحق، لكن بالنسبة للمرأة العربية، هي لا زالت تعاني من مخاطر اللجوء إلى الإجهاض غير الآمن للتخلص من جنين غير مرغوب فيه.

على سبيل المثال، إن الإجهاض في مصر هو أمر محظور بموجب المواد 260-264 من قانون العقوبات لعام 1937، مع منح الاستثناءات في حال كان الحمل يهدد حياة الأم، وبموافقة اثنين من الأخصائيين.

وفي نهاية التسعينيات، أصدر الإمام الأكبر للأزهر، محمد سيد طنطاوي، فتوى بجواز إجهاض المغتَصبات، لكن ذلك أدى إلى جدل واسع، ولم يسنّ قانون يجيزه.

تظهر ازدواجية هذا المجتمع الذي لا يعاقب طرفي العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج بذات المكيال، بل يميز على أساس الجنس، ويعاقب النساء انطلاقاً من فرضية أنه غير مسموح لهنّ التحكم بأجسادهنّ

حتى اليوم، لا زال إجهاض المغتصبات، حتى لو كان من زنا محارم، ممنوعاً قانوناً، بحسب لمياء لطفي، وهي استشارية النوع الاجتماعي والتنمية والكاتبة في مجال حقوق المرأة، هناك تضارب بين القانون والفتوى الفقهية، وذلك بعدما ثار الجدل مؤخراً بسبب حالة طفلة اغتصبها والدها، واكتشفت حملها، فأصبح عليها إكمال الحمل وإنجاب الطفل، وإلا تصبح مدانة قانوناً.

للأسف، هناك "تواطؤ" في بعض الأحيان بين المجتمع والقانون، بحيث يتم وضع النساء تحت خطر الموت خلال عمليات الإجهاض السرية التي غالباً ما تنفّذ في عيادات غير مصرح بها، أو في المنازل، وإخضاعهنّ لوصفات شعبية تحتوي على مكونات قاتلة، وكل ذلك بدل السماح لهنّ بالتحكم في أجسادهنّ حتى لو كنّ من الناجيات من الاغتصاب، أو فكرن في الحصول على بعض من الحرية الجنسية المشابهة لما يحصل عليه الرجل. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard