"أنجبي لي الجنين، أنت لست مهمّةً"... عراقيات يبحثن عن الإجهاض غير الآمن للنجاة أو الموت

الأربعاء 22 يونيو 202205:08 م

في شارع هامشي من أحياء بغداد، يقع منزل إحدى المتمرّسات في الإجهاض. هن قلّة اخترن مهنةً يبدو أنها تدرّ عليهن المال الوفير. لماذا؟ لأن الباحثات عن الإجهاض كثيرات، ولكلّ منهن أسبابها وروايتها الممزوجة بمأساة ما.

تروي سعاد (اسم مستعار)، التي رفضت أن يُذكر اسمها خوفاً، كيف يمتلئ بيتها بالأسرار. "فالسرير المخصص لعملي غارق في الدموع. أغلب النساء اللواتي يأتين إليّ أسمع منهنّ روايات ليس فيها سوى الحزن والأسى. يأتين حاملات من الهموم ما يكفي لهدّ جبال. الظروف التي أجبرتهم على الجلوس فوق هذا التخت ليس سهلةً".

تقول: "تتعدد أسباب إجهاضهن، فمنهن من تأتي لأن الأب تخلّى عن الجنين أو كثرة الولادات والزواج السري أو الهرب من زوجها المعنّف وتالياً الطفل سيمنعها من التحرر"، ولا تنسى سعاد أن عملها يحتم عليها أن تستمع إلى كلّ من يزورها، ولديها اليوم مئات القصص التي دوّنتها في رأسها، وحفظت وجوه كثيرات، وسقطت من ذاكرتها قلّة، هنّ بالنسبة إليها عابرات من دون حكاية تُذكر.

تتراوح تسعيرة الإجهاض لدى سعاد ما بين ألف دولار إذا كان الحمل في الأسابيع الأولى، و1،500 دولار إذا كان الحمل في مرحلة متقدمة. بعض من يأتين إليها لا يمتلكن هذا المبلغ فتضطر إلى أخذ مصوغات ذهبية أو أجهزة كومبيوتر أو هاتف، وتسعيرتها كما تراها "مناسبة فهذا هو السعر الشائع بين ممارسات المهنة".

زائرات السرير

زينة (23 عاماً)، أرملة، وعاطلة عن العمل، لديها ثلاثة أولاد تعيلهنّ. بحثت عن سبيل لتعيل أولادها لكنها لم تجد ما يُمكنها من الحياة. انتهى بها الأمر متزوجةً من جارها زواجاً سرّياً، مقابل أن يتكفّل بمصاريف بيتها ومعيشتها وأولادها.

في شارع هامشي من أحياء بغداد، يقع منزل إحدى المتمرّسات في الإجهاض. هن قلّة اخترن مهنةً يبدو أنها تدرّ عليهن المال الوفير. لماذا؟ لأن الباحثات عن الإجهاض كثيرات

كان زوجها يرفض استخدام الواقي الذكري، فاضطرت إلى تناول حبوب منع الحمل فهي كما تقول مجبرة على تنفيذ رغباته الجنسية من أجل تكاليف معيشتها. تقول: "تفاجأت بعد فترة بأنني حامل، فبدأت أبحث عن طرق للتخلّص من الجنين لأنني غير قادرة على تحمّل مسؤولة طفل آخر. وبعد أن رفضت كل الطبيبات استقبالي، ساعدتني صديقتي على الذهاب إلى عجوز الحي التي استقبلتني بنظرات غريبة قائلةً: هل هذا ابن حرام؟".

لم تستطع زينة الرد عليها، فقامت "العجوز" بوصف خلطة من الأعشاب لها لتتناولها وتبدأ رحلتها مع الألم والنزيف الشديدين لفترة طويلة، وحين وصل زوجها إلى المنزل صارحته بما جرى، فسألها لماذا لم تخبريني؟

تقول زينة: "كان ردي ممزوجاً بدموع الحسرة على نفسي، فأنا أرملة ليس لدي راتب ولا عمل، ومسؤولة عن 3 أطفال، لا أستطيع لا نفسياً ولا جسدياً أن أتحمّل مسؤولية طفل جديد، وخشيةً من أن تقطع عني مصروف أطفالي، فعلت ما فعلت".

لحسن حظ زينة، وهو أمر قلّ حصوله في العراق، أي الحظ في رد فعل متعاطف من الزوج، هرع الأخير إلى أخذها إلى مستشفى خارج العراق لتحصل على علاج مناسب لوقف النزيف ومعالجة تبعات ما أخذته من أعشاب للتخلّص من الجنين. تقول باللهجة العراقية: "عاداتنا وتقاليدنا تبيع وتشتري بينا، حتى أجسادنا مالنا حق بيها".

مأساة أخرى

لدى بشرى (26 عاماً)، 3 أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلّا أن زوجها يُجبرها في كُل مرّة على الحمل. هو يأمل أن يأتيه طفل سليم بالرغم من تأكيد الأطباء له أكثر من مرّة أن احتمال هذا الأمر ضعيف جداً، لأنهما يحملان أمراضاً وراثيةً تسبب تشوهات للجنين، مضافاً إليها زواج الأقارب.

تقول بشرى: "يصرّ زوجي في كل مرة على الحمل لكن في المرة الرابعة كان الطفل خطراً على حياتي، وحين راجعت الطبيبة طالبةً منها الأجهاض في المستشفى، كان من شروطها موافقة الزوج على الإجهاض وفتوى من المرجع الديني لتأييد الإجهاض".

رفض زوج بشرى الأمر، وقال لها بصريح العبارة: "أنجبي لي الجنين فأنت لست مهمّةً. الجنين أهمّ منك"، تروي صاحبة الـ26 عاماً والتي تعيش في بغداد، "أكمل زوجي حديثه قائلاً هل أنت زانية؟ فقط الزانية هي من تجهض جنينها، وبين معاملات المستشفى ومراجعات الأطباء، تدهورت صحتي والجنين سبب لي نزيفاً حاداً، وبعدها مات داخل الرحم لكن بعد أن أصبت بشللٍ نصفي، وإلى هذه اللحظة أعيش تراكمات صحيةً ونفسيةً، فأنا ضحية كبقية النساء"، تضيف بلكنتها العراقية: "آني ولا شي، آني نكرة في المجتمع".

لدي 3 أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وزوجي يُصرّ أنه علي أن أُنجب طفلاً آخر. حملت وكان الطفل خطراً على حياتي فقلت له أننى أريد الإجهاض، جاوبني: "هل أنت زانية؟ فقط الزانية هي من تجهض جنينها، تدهورت حالتي ومات الجنين وأنا أصبت بالشلل، "آني ولا شي، آني نكرة في المجتمع"

أمّا ربى (22 عاماً)، فهي تعمل في نادٍ ليلي، وتقول إنها مضطرة إلى ممارسة الجنس مع الزبائن المهمّين، وإن صاحب الملهى يُجبرها على ذلك. لا سبيل أمامها سوى هذا الطريق ومن دونه لن تستطيع أن تؤمن مأوى لها. أجهضت ربى 4 مرّات بطرق غير آمنة، وفي المرّة الخامسة تعرضت لنزيف شديد نُقلت بعده إلى المستشفى حيث أجريت لها عملية استئصال رحم بسبب حالتها المتدهورة.

الطرق الشائعة

عندما يتعذر على النساء الحصول على وسائل منع حمل فعالة، والسبب أن هذه الحبوب أو الأدوية مستوردة بصلاحية منتهية تضاف إلى صفقات الفساد الأخرى الكثيرة في العراق، أو جهل النساء في استخدامها، يحصل الحمل وتبدأ النساء برحلة البحث عن وسائل الإجهاض.

تعدد الناشطة المدنية وعضوة منظمة حرية المرأة، إسراء سلمان، أسباب الإجهاض، فهو "إما يكون بسبب الحمل غير الشرعي، أو عن طريق زواج سري، أو الحالة المادية الضعيفة التي لن تتحمل أعباء مولود جديد".

وتضيف: "الطرق الآمنة غير متوفرة في المستشفيات نتيجة رفض استقبال الأطباء لهذه الحالات بسب خوفهم من الملاحقات القانونية والعشائرية، فتلجأ النساء إلى الطرق غير الآمنة، وقد تعددت هذه الطرق سواء بالعقاقير أو عن طريق جدات الحي".

وتوضح سلمان الطرق التي تستخدمها الجدات بحسب رصدها لهذه الحالات في مجال عملها واختلاطها بالنساء، "فالجدات أو المتمرّسات في عمليات الإجهاض يضعن أنبوب المغذي داخل الرحم عن طريق إدخاله في المهبل، ويبقى لسويعات إلى أن يحدث التسمم داخل الرحم ومن ثم يحدث النزيف، وفي أكثر الأحيان تفقد النساء حياتها نتيجة هذا الأمر".

القانون وأحكامه المتعلقة بالإجهاض لا يدعم المرأة ولا يحفظ حقوقها. بل يتيح التحكم بجسد المرأة ورغبتها، والقانون العراقي مستمد من الشريعة الإسلامية

برأيها، إن "العادات والتقاليد هي المسيطر الأول على المجتمع، ودائماً نسمع عبارة حصل بالخطأ، أي أن الحمل تم من دون رغبة الأم، لكن يرفض الأب والأهل والأقارب الإجهاض، ولا تُترك الحرية للنساء في التصرف بأجسادهن بحجة أنهن في مجتمع إسلامي"، مشيرةً إلى أن "الإجهاض تلجأ إليه النساء سراً في كل الأحوال فلماذا لا يكون بطريقة آمنة وصحية؟".

القانون يجرّمه

يكون الإجهاض جريمةً عند علم الأم أو من يحرضها ويساعدها بخطورة الفعل ومعناه، وتوضح المحامية زينب محمد لاوي، أن "القانون العراقي الحالي يعدّ الإجهاض جريمةً يعاقب عليها القانون حسب المواد 417 و 418 و 804"، وفي نظرها فإن "المشرع العراقي من المفترض أن يجيز النص لبعض الحالات، منها بسبب وجود الولادات الكثيرة أو المشوّهة، وتالياً لا بد من أن يسمح لبعض الحالات بالإجهاض".

وتضيف أن "القانون وأحكامه المتعلقة بالإجهاض لا يدعم المرأة ولا يحفظ حقوقها. بل يتيح التحكم بجسد المرأة ورغبتها، والقانون العراقي مستمد من الشريعة الإسلامية، وقد اجتمعت المذاهب الأربعة على أن الإجهاض جريمة".

وبحسب خبرتها في الممارسة في المحاكم واطلاعها على بعض القضايا، تقول لاوي إن "النساء اللواتي يضطررن إلى الإجهاض بسبب حالتهن الصحية لا بد أن يُقدموا إلى المستشفى فتوى من مرجع ديني يجيز الإجهاض، ومن ثم يطلب المفتي من المستشفى تقريراً طبياً مفصلاً يفيد بأن الأم في حالة خطرة، وهنا يشترط أن يتفق الرأي الطبي مع الرأي الشرعي، على أن الرأي الطبي يتفوق على الشرعي وتالياً تبقى الأم رهينةً للرأيين، مما يعرض حياتها للخطر أو تلجأ إلى الإجهاض غير الآمن".

خطر دائم

تشير الدكتورة مها الصكبان، وهي طبيبة نسائية، إلى أن "المخاطر على الأم بعد استخدامها الأعشاب أو بعض الأدوية أو الإجهاض السريري، عن طريق مشاورة القابلات أو المتمرسات خارج الكوادر الصحية، تؤدي إلى مخاطر عديدة قد تصل إلى فقدان الحياة".

وتنقسم المخاطر إلى قسمين: مخاطر يواجهها الجنين، ومخاطر تواجهها الأم. في ما يخص المخاطر التي يواجهها الجنين، فبعد أخذ العقاقير أو استخدام المتمرسات العملية الخطأ للأجهاض، قد لا يحصل الإجهاض وتالياً يولد الطفل مشوّهاً. أما الأم فكُل عقار يُستخدم للإجهاض له خطر معيّن عليها، فبعض العقاقير تسبب فشلاً كلوياً، أو نزفاً دماغياً، أو هبوطاً في الضغط أو سكتةً دماغيةً، أو جلطةً قلبيةً، وقد تصاب في الكثير من الأحيان بشلل جزئي أو تام، بحسب الصكبان.

وتشير إلى أن "المتمرسات لا يدركن العقاقير التي يستخدمنها، ولا مدة الحمل، ولا كمية البنج وأحياناً لا يمتلكنه، ولا الأسلوب الصحيح في إجراء العملية، ولا يتوفر لديهن التعقيم والتطهير التام، لأن أغلب هذه الممارسات تتم في البيوت، وهذا التدخل هو تدخل جراحي يحتاج إلى غرفة عمليات خاصة، وله آثار وخيمة على الأم فقد تتعرض لفقدان الحياة أو التهابات حادة نتيجة تلوث الغرفة، أو تضرر الجهاز التناسلي نتيجة إيلاج أدوات حادة في المهبل قد ينتج عنها تمزّق الرحم".

السرير المخصص لعملي غارق في الدموع. أغلب النساء اللواتي يأتين إليّ أسمع منهنّ روايات ليس فيها سوى الحزن والأسى. يأتين حاملات من الهموم ما يكفي لهدّ جبال. الظروف التي أجبرتهم على الجلوس فوق هذا التخت ليس سهلةً

وتقارن الصكبان بين الإجهاض الآمن وغير الآمن، لتوضح أن "الإجهاض الآمن يحدث في المستشفى وعلى أيدي أطباء متخصصين يدركون حالة الأم وعمر الجنين، وفي استطاعتهم السيطرة على النزيف إن حصل".

الصحة العالمية

تقول منظمة الصحة العالمية في تقرير لها، صدر في آذار/ مارس الماضي، إن 25 مليون حالة إجهاض غير آمن تحدث عالمياً كل عام، و97% من هذه الحالات تحصل في البلدان النامية.

وأشارت إلى أن الإجهاض هو "إجراء بسيط وآمن للغاية"، عندما يتم باستخدام طريقة موصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية، وتتناسب مع مدة الحمل وبمساعدة شخص لديه المعلومات أو المهارات اللازمة.

ولكن تبيّن المنظمة أن نحو نصف حالات الإجهاض فقط، يتم إجراؤها في ظل هذه الظروف المُوصى بها، وتتسبب حالات الإجهاض غير الآمن في نحو 39 ألف حالة وفاة كل عام، وتؤدي إلى إدخال ملايين النساء إلى المستشفى بسبب المضاعفات.

وتتركز معظم هذه الوفيات في البلدان المنخفضة الدخل (أكثر من 60 في المئة في إفريقيا و30 في المئة في آسيا) وبين أولئك الذين يعيشون في أكثر الأوضاع ضعفاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard