من ينتحر في العراق "مجنون وعائلته وجب عزلها"!

الخميس 6 يناير 202212:40 م
Read in English:

Families of Iraq’s suicide victims are ostracized by society

علي، شاب في أوائل العشرينات من عمره، تخرّج من كلية الهندسة بشهادة تؤهلهُ إلى نيل وظيفة مرموقة يضمن من خلالها رضا أهل حبيبته، من أجل طلب يد ابنتهم.

ضيق الحال دفعه إلى العمل عامل بناء مؤقتاً، حتى تحقيق حلمه، ومضت الشهور وعلي يبحث عن حلمه بالوظيفة دون جدوى، فالبحث عن إبرة في كومة القش، أسهل من هذا المرام في عراق اليوم.

ورده ذات يوم خبر، سبب له صدمةً كبيرةً، فقد تزوجت حبيبته من أحد أقربائها. أمضى سنوات جامعته وهو يُحب ويعمل ويدرس كي يصل إلى قلب أهل حبيبته، فتلهّى بشقائه في البناء، حتى صار قلب حبيبته لغيره. لم يحتمل الأمر. ضاق به الحال، فقرر أن ينهي حياته، في منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي.

بعد أن انتحر علي، بدأت محاولات شيطنته. اتّهموه بأنه يتعاطى المخدرات. آخرون اتّهموا أهله بسوء تربيته، ما دفعهم إلى التبرّؤ منه

يروي صديقه أيسر الشمري عنه، ويحلو له أن يسمّيه "علاوي". يقول: "بعد أن انتحر علي، بدأت محاولات شيطنته. اتّهموه بأنه يتعاطى المخدرات، وهرب من الإدمان عبر الانتحار. آخرون اتّهموا أهله بسوء تربيته، ما دفعهم إلى التبرّؤ من ولدهم، على الرغم من معرفتي بأنهم يتحسرون عليه كثيراً، لكنهم فعلوا ذلك لأنهم لا يستطيعون الخروج عمّا يُسمّى تقاليد. سينبذهم محيطهم في حال فعلوا".

وتنظر غالبية المجتمع العراقي إلى الانتحار على أنه خروج عن الدين الإسلامي، وهو محرّم دينياً، وتحوّل مع الوقت ليكون من التقاليد التي تعدّ المجتمعات العراقية الحفاظ عليها بمثابة الحفاظ على الدين، وحماية المجتمعات هذه مما قد يمسّ بإيمانها، ويُعدّ من يُقرر إنهاء حياته، خارجاً عن الدين.

تنظر غالبية المجتمع العراقي إلى الانتحار على أنه خروج عن الدين الإسلامي، وهو محرّم دينياً، وتحوّل مع الوقت ليكون من التقاليد

يشهد العراق زيادةً في نسب الانتحار، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية عن انتحار 772 شخصاً، خلال عام 2021، وهو أكثر مما وثّقه العام السابق بـ109 أشخاص، واحتل المراهقون دون الـ18 عاماً الصدارة بـ36% من عدد المنتحرين، تلاهم الشباب العشريني بـ32%، وكشفت الإحصائية عن ارتفاع نسب الذكور المنتحرين بـ55% عن الإناث. ومن حيث التحصيل العلمي، فإن 62% لم يُكملوا دراستهم الابتدائية.

هذه الإحصائية لا تدعو إلى استغراب الناشطة المدنية صفاء داوود، التي تُرجح أن يكون العدد أكبر مما أُعلن عنه، وتُرجع الزيادة الحاصلة إلى "الظروف التي يمر بها البلد. واللوم يقع على إهمال الحكومة لشريحة الشباب، ما سبب فقدانهم الأمل، وهذه الزيادة الحاصلة في الانتحار سببها ردة فعل شائعة في البلدان المتأزمة أمنياً وسياسياً واقتصادياً، ومنها العراق".

وشهدت مخيمات النازحين بشكلٍ عام، والإيزيديين بشكل خاص، ارتفاعاً في أعداد المنتحرين، وفي هذا الصدد يُرجع الناشط الإيزيدي، فيصل ملكو فندي، الارتفاع الحالي إلى "الظروف المعيشية والنفسية التي يعيشها النازحون في المخيمات، حيث استحالة العودة إلى منازلهم المدمرة، واضطرارهم إلى العيش في خيم من البلاستيك لمدة سنوات، بعيداً عن الدعم الحكومي والإنساني".

ويلفت فندي، في حديثه إلى رصيف22، إلى "ضعف عمل مراكز المعالجة النفسية والتوعوية في المخيمات، والتي كان من الممكن أن تقلّل من هذه الأزمة لو أنها كانت قادرةً على المساعدة في تقليل الحمل على الناس، ومساعدتهم لمواجهة ما حلّ بهم في السنوات المنصرمة".

المجتمع العراقي يرفض الانتحار تحت مسميات الحلال والحرام، من دون العودة إلى أسبابه، خاصةً في ما يتعلق بانتحار الفتيات، والذي تتم التغطية عليه تحت عنوان غسل العار

ويرى الناشط الاجتماعي في جمعية الأمل العراقية، كرار جاسم، في حديث إلى رصيف22، أن للمشكلات العائلية تأثيرها في هذه الأزمة، وحدد منها "ضغط الآباء على أبنائهم من أجل تحصيل معدلات دراسية عالية، وإجبار الفتيات على الزواج، أو الدفع بزواجهن كفدية مقابل حل المشكلات مع خصومهم في المجتمعات الريفية، وهو ما يُسمّى بزواج الفصلية".

والمجتمع والعادات والتقاليد والظروف الاجتماعية تكون في الكثير من الحالات الدافع نحو الانتحار، لكن هذا المجتمع نفسه، حسب جاسم، "يرفض الانتحار تحت مسميات الحلال والحرام، من دون العودة إلى أسبابه، خاصةً في ما يتعلق بانتحار الفتيات، والذي تتم التغطية عليه تحت عنوان غسل العار".

هذه الفئة (من يحرّمون الانتحار)، تدرك مدى الضغوط الاجتماعية المفروضة على الناس، ولكنها تتمسك باتهامها للمنتحرين بالجنون

ومن هنا، يذهب الباحث الاجتماعي في وزارة العمل، أحمد النعيمي، إلى وصف هذا الأمر بالمتناقض، "إذ يحرّم المجتمع الانتحار دون محاربة أسبابه، وتذهب هذه الفئة إلى عدّ الانتحار رد فعل مبالغاً فيه، ناتجاً عن خلل ذاتي، أو جيني".

ويوضح لرصيف22 أن "هذه الفئة (من يحرّمون الانتحار)، تدرك مدى الضغوط الاجتماعية المفروضة على الناس، ولكنها تتمسك باتهامها للمنتحرين بالجنون، وتعزز رأيها بأنها تواجه الظروف ذاتها من دون الإقدام على مثل هذه الخطوة، متجاهلةً اختلاف قدرات التحمّل والصبر بين الأفراد"، مشيراً إلى أن "الخلل الحاصل ليس برفض الانتحار، إنما بالتطبيع والتعايش مع أسبابه، دون السعي إلى حلها، ويحاول الناس دوماً إخفاء هذه الأزمة المتصاعدة، ومن ثم إهمال أسبابها".

ويحاول العراقيون التغطية على الانتحار، لخوفهم من تبعاته، فالعائلة التي ينتحر أحد أفرادها تُصبح معزولةً اجتماعياً في محيطها، حسب النعيمي، ويذهب كُثر إلى رفض زواج أبنائهم بعائلة انتحر منها شخص.

لا يزال المجتمع ينبذ من يودّ العلاج عند المختصين، ويتهمهم بالجنون، وهو ما يدفع الناس إلى إخفاء ضغوطهم النفسية، تماشياً مع رغبات المجتمع

من جانب آخر، يبيّن الطبيب النفسي، عبد الأمير الربيعي، أن 90% من المجتمع العراقي مصابون بالأمراض النفسية والاجتماعية، ويستند في رأيه إلى العزلة التي يواجهها المجتمع الحالي، "وهي من أبرز علامات الاكتئاب النفسي. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال المجتمع ينبذ من يودّ العلاج عند المختصين، ويتهمهم بالجنون، وهو ما يدفع الناس إلى إخفاء ضغوطهم النفسية، تماشياً مع رغبات المجتمع".

ويؤدي هذا الأمر إلى تراكم الضغوط النفسية، نتيجة عدم التأقلم الذاتي معها، ثم الإصابة باضطرابات الشخصية الشديدة، والاكتئاب، والعزلة، ثم تفجير هذا الكبت على شكل انتحار، أو سلوك عدواني، حسب الربيعي، الذي يؤكد لرصيف22، إن "عزم البعض على تناول الأدوية المضادة للاكتئاب، والتي توفّرها الصيدليات، يؤدي إلى الإدمان والذهان المحفز لأنماط السلوك الانتحاري، وإيذاء الذات، وفرط العصبية في حال تناولها بجرعات كبيرة، من دون استشارة طبية".

عزم البعض على تناول الأدوية المضادة للاكتئاب، والتي توفّرها الصيدليات، يؤدي إلى الإدمان والذهان المحفز لأنماط السلوك الانتحاري، وإيذاء الذات

"في حال استمرار معدلات الأزمة بالارتفاع، فإن هذا الأمر سيدفع بالعراق إلى تصدر قائمة الدول صاحبة معدلات الانتحار العالية"، وبرأي الربيعي، فإن الحلول "تبدأ مع تغيير نظرة المجتمع للعلاج النفسي، من خلال الإعلام التوعوي، وتنفيذ برامج حكومية نفسية داخل المدارس والجامعات، كحال الدول المتقدمة".

يقال إن الرصاص الطائش يخطف حياة الأبرياء، من دون النظر إلى مخاطر الكلام الطائش الصادر بحق المحتاجين للرعاية النفسية، في بلد امتلأ بها، بقدر امتلائه بغيرها من الأزمات، في مسلسل تراجيدي بدأ منذ سنوات، ويستمر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard