حرب البذور... مزارعو تونس يكافحون لحماية موروثهم الجيني

الثلاثاء 21 يونيو 202201:49 م

في الثامن عشر من نيسان/ أبريل 2022، احتفت القناة الوطنيّة الأولى الحكوميّة في تونس، بالمزارع حافظ كرباعة، لأنه مثّل قصّة نجاح ملفتة، وتأكيداً على تفوّق البذور التونسية وقدرتها على الصمود في وجه البذور المستوردة التي غزت الأراضي المحلية.

لكن عندما تحدث رصيف22، إلى المزارع الأربعيني الذي يسكن في منطقة بني حسان في محافظة المنستير الساحلية، بدا محبطاً بسبب العراقيل الحكومية المتعددة التي تواجهه لتوزيع البذور التي يملكها على المزارعين "الذين اكتشفوا وهم البذور الهجينة التي يُروّج لها كونها حلاً سحريّاً للحصول على محاصيل وفيرة"، حسب تعبيره.

ويقود حافظ كرباعة، جهوداً حثيثةً للدفاع عن الموروث الجيني للبذور التونسيّة المهدّدة بسبب زحف البذور الهجينة، من خلال شراء البذور المحلية المتوفرة في جميع أنحاء البلاد وتوزيعها مجاناً على مزارعين آخرين.

التشجيع على استعمال البذور الهجينة جريمة خطيرة ستهدّد الأمن الغذائي للأجيال القادمة.

"أسعى من خلال هذه المبادرة إلى الحفاظ على بذورنا الأصيلة التي تواجه شبح الاضمحلال بسبب قوانين بالية، تكبّل المزارعين وتجعلهم مجبرين على اقتناء بذور مكلفة تمنح تحسناً وقتياً في المحصول لكنّها تلحق بالتربة أضراراً جسيمةً وتهدّد خصوبتها".

لكن المزارع يتأسف لأن مجهوداته لا تلقى صدى طيّباً لدى المسؤولين الذين يمارسون عليه ضغطاً متواصلاً لوأد هذه التجربة، "بدعوى أنّ البذور المحليّة غير مرخّصة وقد تنقل الأمراض".

والبذور المحلية أو الأصيلة، هي تلك التي لم تطرأ عليها عمليات صناعية عميقة تغيّر من خصائصها الجينية من أجل غايات تجارية تبادلية بحتة. وتتميز هذه البذور بتأقلمها التاريخي مع العناصر الطبيعية والمناخية للبيئة التي نشأت واستمرت فيها لأزمان طويلة. هذا التأقلم يجعلها أقل عرضةً للأمراض ومخاطر التقلبات الجوية، كما أنها تحافظ على خصوبتها جيلاً بعد جيل. وفي تونس العديد من الأصناف الأصيلة خاصةً الحبوب، مثل الشيا وجناح خطيفة وغيرهما.

أما البذور الهجينة، فهي تلك التي نتجت عن تقاطع العديد من العناصر الجينية المختلفة من أجل تقديم أفضل الخصائص بينها. يمكننا مقارنة هذه العملية بوضوح أكثر من خلال مثال تهجين الكلاب مثلاً، بين أم جميلة وأب شرس، فيحمل الأبناء كلتا الصفتين. لكن المسألة بالنسبة إلى البذور أكثر تعقيداً.

ولا يأتي هذا التلاعب الجيني من دون عواقب، فعملية التهجين تنتج جيلاً غير قادر على التكاثر، كما أنه يكون حساساً جداً للتقلبات الجوية وتضعف مقاومته للأمراض. لذا، فإن هذه البذور الهجينة تأتي دائماً مصحوبةً بترسانة من المواد الكيميائية الحمائية كالأدوية والأسمدة.

أسعى من خلال هذه المبادرة إلى الحفاظ على بذورنا الأصيلة التي تواجه شبح الاضمحلال بسبب قوانين بالية، تكبّل المزارعين وتجعلهم مجبرين على اقتناء بذور مكلفة تمنح تحسناً وقتياً في المحصول لكنّها تلحق بالتربة أضراراً جسيمةً وتهدّد خصوبتها

منظومة تشريعية تجاوزها الزمن

عبّر العديد من المزارعين الذين تحدّثوا إلى رصيف22، عن حنقهم بسبب القوانين التي تنظّم توزيع البذور في تونس، مشيرين إلى أنّها صيغت على القياس لتمكين "لوبيات البذور" من إغراق السوق بالبذور الهجينة.

وكشف المزارع حسن الشتيوي، البالغ من العمر 63 عاماً، أنّ التشريع التونسي فرض قيوداً متعدّدةً على استخدام البذور المحلية، وأصبح إيجادها أشبه بالبحث عن إبرة في كومة البذور الهجينة.

تابع الشتيوي: "من خلال التشجيع على استعمال البذور الهجينة، تونس في صدد ارتكاب حماقة تاريخية وجريمة خطيرة ستهدّد الأمن الغذائي للأجيال القادمة"، عادّاً أنّ هذا التوجّه "ساهم في القضاء على صغار المزارعين الذين عجزوا عن التكيّف مع هذه الخطوة غير محمودة العواقب".

ولتسويق البذور في تونس، يجب تسجيلها أولاً في سجلات البذور. وينصّ الفصل الرابع من القانون رقم 42 لسنة 1999، على أنّ البذور المسجلة يجب أن تمتثل لمعيار DHS (مميز ومستقر ومتجانس)، وهو شرط يتوفر في البذور الهجينة فحسب.

واتّبعت البلاد منذ فترة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (1987-2011)، سياسة تهميش البذور المحليّة التي تراجع معدل استعمالها من 65% عام 1975، إلى 25% عام 2004، وما يقارب 5% فقط حالياً.

وأبرز المزارع حسن الشتيوي، الذي يقيم في محافظة منوبة شمال تونس، أنّ الحكومات المتعاقبة تقضي تدريجياً على المنتوجات الزراعية التونسية، قائلاً: "بعد أن قضوا على السفرجل واللوز المرّ، صوّب المسؤولون سهامهم إلى أشجار الزيتون التونسي المعمّرة والمشهورة عالمياً، وزاحموها من خلال استيراد الزيتون الإسباني وغيره من الأصناف التي لا تتلاءم مع مناخنا المحلّي".

وأبرز الباحث في السياسات الريفية والنضالات الزراعية هيثم صميدة قاسمي، في حديثه إلى رصيف22، أن السياسات الزراعية التونسية، كغيرها في أغلب دول أطراف رأس المال المعولم، مرتكزة على الإنتاج الخام التجاري الموجه للتصدير، عادّاً أن هذا المسار الاقتصادي السياسي ليس إلا حصيلة للعديد من الخيارات الداخلية المتلائمة مع الاتفاقيات الخارجية.

تبحث الحكومات عن أصناف المزروعات التي تدرّ الربح السريع في الأسواق العالمية.

وأضاف قاسمي: "في معادلة يحكمها عاملان، العُملة الصعبة مقابل الغذاء، تبحث الحكومات المتعاقبة عن أصناف المزروعات التي تدرّ الربح السريع في الأسواق العالمية، من دون أي اعتبار لاستدامة إعادة إنتاج النشاط الفلاحي أو اكتراث بالموارد الطبيعية الناضبة".

مخابر غير معتمدة ورقابة ضعيفة

تبدو الرقابة الحكومية صارمةً على البذور التونسيّة وخجولةً على البذور المستوردة التي تتغلغل في البلاد محدثةً تغييرات عميقة في المشهد الزراعي.

وفي نيسان/ أبريل الماضي، حذرت وزارة الزراعة التونسية من "تفاقم ظاهرة التجاوزات في قطاع الاتّجار بالبذور والشتلات" مشددةً على أنه "لا يمكن الاتّجار إلا بالبذور والشتلات من الأصناف النباتية المرسمة بالسجل الرسمي".

وكشف تقرير لدائرة المحاسبات أنّ مخبر تحاليل البذور والشتلات، وهو مؤسسة حكومية تأسست سنة 1972 لتقييم جودة البذور، أصبح غير معتمد من قبل المنظمة الدوليّة لتجارب البذور منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يجعله غير مؤهل لتسليم شهادة الصحّة النباتيّة للبذور الواردة إليه.

وحسب التقرير نفسه، لم يحصل مخبر تحاليل البذور والشتلات ومخبر الحجر الزراعي الحكوميان على شهادة اعتماد "إيزو 17025"، بالرغم من الشروع في هذا الأمر منذ سنة 2008 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، لكن هذا المشروع توقّف سنة 2010 في مرحلة "الرقابة البيضاء لتقييم الإجراءات المتّبعة".

التشجيع على استخدام البذور المحليّة القابلة للتكاثر سيساهم في إرساء منوال زراعي مستدام يستطيع من خلاله صغار المزارعين والنساء الصمود في وجه التغييرات المناخية، والتخلص من سطوة شركات الأسمدة والبذور التي تحكم قبضتها على السوق

وسجّل التقرير إخلالات عديدةً أبرزها غياب الرقابة على البذور بعد استعمالها للتثبّت من مردوديتها ومن مطابقتها للخصائص الموجودة في ملفّها، وهو ما يُعدّ مخالفةً للمعايير الدولية في مجال البذور.

وجه من أوجه التبعيّة

يشترك المزارعون الذين تحدثوا إلى رصيف22، في فكرة أنّ البذور الهجينة تكريس للتبعيّة للغرب وتهديد حقيقيّ للاستقلالية في مجال البذور.

وأشار المزارع رضوان التيس، الذي يدير محميةً جبليّةً بيئيةً فريدةً محاطة بمزرعة خضروات لا مكان فيها سوى للبذور المحليّة الأصيلة في منطقة واد الخيل في محافظة تطاوين جنوب شرق تونس، إلى أنّ البذور هي أحد أوجه الهويّة الزراعيّة التونسيّة، عادّاً أنّ غزو البذور الهجينة يتنافى مع ثلاثة مبادئ أخلاقية في العمل الزراعي، وهي العناية بالأرض والعناية بالإنسان وتقاسم فائض الإنتاج.

ولفت رضوان، وهو في الوقت ذاته كاتب عام في الجمعية التونسية للزراعة المستدامة، إلى أنّ التشجيع على استخدام البذور المحليّة القابلة للتكاثر سيساهم في إرساء منوال زراعي مستدام يستطيع من خلاله صغار المزارعين والنساء الصمود في وجه التغييرات المناخية، والتخلص من سطوة شركات الأسمدة والبذور التي تحكم قبضتها على السوق.

البذور هي أحد أوجه الهويّة الزراعيّة التونسيّة.

وأصدر الاتحاد التونسي للزراعة والصيد البحري، في حزيران/ يونيو سنة 2020، دراسةً تحت عنوان "الفلاحة هي الحل لتعزيز سيادتنا وتنمية اقتصادنا"، تطرق فيها إلى أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي في تونس. وأوضحت الدراسة أنّ أهم الصعوبات التي تعترض القطاع الزراعي، هي "التعاطي الخطأ للدولة مع الفلاحة، إلى حد التفريط بالبذور والمشاتل المحلية مقابل استيراد بذور ومشاتل أجنبية مهجنة وجعلها في تبعية لدول أخرى".

تغيب في تونس إستراتيجيّة وطنيّة للمحافظة على الموروث الجيني، وتضيّق سياسات الحكومات المتعاقبة على أيّ محاولات لتغيير هذا الواقع تكريساً لنظام ريعيّ يقتل المنافسة ويجهض التغيير. لهذا السبب، يجب أن تنطلق جهود الإصلاح الاقتصادي من خلال عصرنة الزراعة بتقنيات حديثة وصديقة للبيئة وببذور محليّة تأقلمت مع هذه الأرض منذ أن كانت تونس "مطمورة روما".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard