وأخيراً، صارت لي نافذة

الجمعة 17 يونيو 202212:00 م

قضيت السنوات العشر الأولى من حياتي، في شقة من ثلاث غرف، في عمارة من خمسة طوابق، تقبع شقتنا في الطابق الأخير، الطابق الذي لا يفصله غير فضاء فارغ وقريب من السماء كما كنت أراه في عمارة تقطن فيها عشر عوائل في بيوت مغلقة عليها تتنفس عبر فتحات: النوافذ.

كانت النوافذ بوابات صغيرةً، نفتحها لمتابعة العالم في الخارج.

تُحكم والدتي إغلاق النوافذ، إيماناً منها بأنها العالم الخطر الذي يهدد بناتها، ويتكرر في أحلامي دوماً، كابوس أنني أقعُ من النافذة لأستيقظ بهلع وخوف شديدين.

تُحكم والدتي إغلاق النوافذ، إيماناً منها بأنها العالم الخطر الذي يهدد بناتها، ويتكرر في أحلامي دوماً، كابوس أنني أقعُ من النافذة لأستيقظ بهلع وخوف شديدين. تفتح والدتي النافذة لوضع الأفرشة حتى تستنشق أشعة الشمس على مهل أو تخرج بنصف جسدها كاملاً لتنفض هذه الأفرشة، وأحياناً للحديث مع الجارة التي تلتصق نافذتها بنافذتنا. كان الخوف يتسلل إلينا جميعاً، ونحن نتخيلها تحولت إلى طائرة ورقية لم تفلح خفتها في حملها عالياً وسقطت أرضاً في منحى تنازلي. 

كانت لنا نافذة، وهذا الأهم. نوافذ كثيرة في المنزل، نطل منها على جهتين مختلفتين، نفتحها فنرى العالمَ كاملاً، العالم الذي أعرفه: حيّنا الصغير بجميع نسائه ورجاله وأطفاله، بشرفاته المتقابلة، وبأفرشة منازله التي تنتقل كل يوم لتحتل النوافذ والبلكونات، بصينيات الأكل الذي يوضع ليجفف كالفلفل الأحمر، الفريك وأحياناً قطع من بقايا الخبز ليعاد تدويرها. حتى النباتات التي تسكن دلاءً مختلفة الألوان والأحجام، ضفائر الثوم والبصل المعلقة، والنساء اللواتي يقفن لنشر صفوف الغسيل أو جمعه. لقد كانت مقهى صغيراً مفتوحاً لنساء البيوت اللواتي لا يعرفن الشارع إلا قليلاً، ويقفن في المساء فاتحات الأبواب الصغيرة لجحورهن، ليتبادلن أطراف الحديث عن يومهن، وأهم أحداثه، وكثيراً ما يتبادلن الأطباق الممتلئة وحتى الفارغة، وبدل أن تدق إحداهن الباب على أخرى، تدق زجاج النافذة الأقرب، لطلب ما تريد. 

من هذه الفتحات الصغيرة المحفورة على الحائط، يمكن للجميع أن يعرف ما يدور في الشارع، حتى وهي مغلقة. خلف شقوق النافذة نتابع مواكب الأعراس، وتراقب نسوة الحي جهاز أي عروس تدخل الحي، ونشاهد كل يوم سرب الأطفال المتجه إلى المدرسة فأعرف الوقت من دون سؤال والدتي، ومنها أيضاً أعرفُ موعدَ خروج صديقاتي للعب، فأنزلُ في الموعد من دون الحاجة إلى عقد موعد. 

كانت لنا نوافذ، وكنا نراقب الضوضاء والفراغ، أو نقفُ لتأمل اللا شيء، فقط لتغيير الخلفية البصرية لحياتنا.  

من هذه الفتحات الصغيرة المحفورة على الحائط، يمكن للجميع أن يعرف ما يدور في الشارع، حتى وهي مغلقة. خلف شقوق النافذة نتابع مواكب الأعراس، وتراقب نسوة الحي جهاز أي عروس تدخل الحي

في العاشرة، تركنا شقتنا القديمة، لننتقلَ إلى شقة تابعة لعمل والدي (مسكن وظيفي). عمارة صغيرة بطابقين، نصفها فارغٌ، تطلُ من إحدى الجهتين، على طبقة إسمنتية: منازل حديثة وغير مكتملة البناء، تقابل نوافذها نوافذنا، وتختلط روائح مطبخنا بروائح مطبخها. أما الجهة الأخرى فتطل على المؤسسة التي يعمل فيها والدي، ولاعتبارات مهنية أخلاقية لا يجوز فتح النوافذ في أوقات العمل، ولا الوقوف أمامها. لمدة 15 عاماً، عشنا داخلَ مساحة ضيقة، من دون جيران حقيقيين، بل معظمهم يأتي ويذهب حسب ظروف العمل. لم تكن المؤسسة وسطَ الحي، بل في آخر نقطة منه تليها مباشرةً منطقة صناعية.  

كالسجين الذي يحفر خندقاً كنا نخرجُ وأخواتي في ساعات الصيف الطويلة إلى ساحة المؤسسة وهي فارغة، نقيم صداقات مع من يعيشون خلف سور المؤسسة. علاقة بدأت بسبب الدراسة وصداقات حتمية سببها العزلة وليس الجيرة، تدخل البنات أحياناً بالقفز فوق قضبان السور، وأحياناً تتشكل مشاهد لأهالي المسجونين بين أفراد يتحدثون ويضحكون وتفصل بينهم قضبان. 

في هذا الوقت تحديداً، عرفتُ ما معنى أن تكون في حي مفتوح على الجميع، ونوافذ تطل على أبعد نقطة، تصلُ إلى مسمعك أصوات الآخرين، ولعبهم، وصراخهم وحتى ألبستهم المرفرفة على حبل الغسيل، وأصوات الراديوهات التي يقضون صباحاتهم في الاستماع إليها، حتى روائح الأكل في المناسبات، وكما لو أنكَ واحد من المعازيم تقضي إلى جانبهم أفراحهم. 

أعرف أننا بعيدون عن الناس وعن روائح الحياة التي تفرزها المدينة ما دمنا لا نخرج من هنا، ولا يدخل الآخرون. يتسلل أحياناً صوت راديو جارتنا، وأحياناً أخرى صراخها، فأطمئن إلى أن حولنا بشراً.

في كل تمشية أبحث بنظري في الشوارع عن البلكونات، وألاحظ أقفاص العصافير، ومناشر الغسيل، وحتى الكراكيب هناك، وأتمنى بلكونةً أو نافذةً صغيرةً تطل على المدى، بعكس حفر الحائط التي تغطيها الأشجار وتنتهي بقضبان. 

أزور جدتي، فتخرجُ بخطواتها المتثاقلة، إلى بلكونتها الواسعة لتسقي نباتاتها، وتجمع الغسيل، وتطل على بوابة العمارة من مكانها في الطابق الخامس كزيارة افتراضية، وأطل أحياناً من هناك لأرى المدينة جالسةً في هدوئها، تكسر صمتها أصوات السيارات والباعة، وبعض الأطفال الذين يمارسون هوايتهم المفضلة في الشجار والصراخ. ثم أعودُ إلى المكان نفسه، البيت الذي يحيط به سور صغير يفصلهُ عن المؤسسة، والمؤسسة التي يفصلها سور آخر يفصلها عن العالم الخارجي، وأعرف أننا بعيدون عن الناس وعن روائح الحياة التي تفرزها المدينة ما دمنا لا نخرج من هنا، ولا يدخل الآخرون. يتسلل أحياناً صوت راديو جارتنا، وأحياناً أخرى صراخها، فأطمئن إلى أن حولنا بشراً. 

أزور خالتي، وتطرق بابها الجارات محملات بصحون من الحلو والمالح وأطباق حكايات وضحكات، ويطرقه باعة متجولون يعرضون بضاعتهم، ويمر باعة السردين والخضار في وقت روتيني كل يوم، العاشرة صباحاً، ولا يمر ببابنا أحد، ولا نعرف صوت الباعة أيضاً... 

تُطل خالتي من النافذة أحياناً لتسأل عن أسعار البضائع، ونطل لنجدَ الفراغَ أو أغصان شجر تغطي الرؤية. 

في كل مرة أعبر فيها أحدَ جسور مدينة قسنطينة، شرق الجزائر، لا أتخيلها إلا شرفةً مفتوحةً على الجهات الأربع، تحيط بها الصخور، والجبال والمساكن والمارة أيضاً. ويضاعف شعوري بالحاجة إلى نافذة أطل منها كل يوم على العالم. أقفُ فألتقط صوراً كثيرةً كما لو أنني الآن فقط أطل من شرفة أحلامي. مكان شاسع يخترقه الضوء والهواء من كل الجهات. أتساءل دوماً كيف تبدأ البيوت القريبة صباحاتها؟ تفتح كلَ نوافذها على منظر يشبه أن تضع فاصلةً بين عالمين، حيث يربط الجسر بين صخرتين كلسيتين، ليشكل ممراً لأهل المدينة.

وسط قسنطينة بيوت قديمة منذ الاستعمار الفرنسي آل بعضها إلى السقوط ورُمّم الكثير منها، لكنها تظلُ مشاهد محببةً إلى كاميرا هاتفي، وفي كل مرة أمرّ بشرفة ألتقط صورةً لها، وأتمنى ألا تكون الأخيرة. لا تشبه شرفاتها شرفة العمارات في ضواحي المدينة التي بُنيت حديثاً، أو حتى بعد الاستقلال، فالبيوت بسقف مرتفع مقارنةً بالمنازل الحديثة، وبالرغم من ضيق مساحة بعض الشرفات إلا أنها عالية وتمنحني شعوراً دائماً بأن السماء قريبة.

بعد خمسة عشر عاماً من انتقالنا، أحيل والدي إلى التقاعد، وانتقلنا إلى شقة أخرى. شقة لا يزيد عدد غرفها عن السابقة ولكنها وسط الحي. عمارة بخمسة طوابق وعشر شقق، وحي هادئ وعامر بالأصوات والمارة، يمر باعة الخضار، والسردين، ومن يجمعون الأنتيكا من البيوت. يمرُ السائل والمحتاج وتفتحُ النوافذ والأبواب لتزويده بما يطلب، وقد اخترت وشقيقتي الغرفة المطلة على الشارع.  

بعد خمسة عشر عاماً، صارت لي نافذة، أفتحها فأشاهد بلكونات المنازل المقابلة، وكيف يضع أهلها الأفرشة لتقبّلها الشمس، وينشرون الغسيل، والقمحَ والصوف لتجفق، ويُشغل المراهقون أغاني الراي الدارجة، ويخرجون من ثانوية قريبة أفواجاً أفواجاً مرحين ممتلئين بالحياة

بعد خمسة عشر عاماً، صارت لي نافذة، أفتحها فأشاهد بلكونات المنازل المقابلة، وكيف يضع أهلها الأفرشة لتقبّلها الشمس، وينشرون الغسيل، والقمحَ والصوف لتجفق، ويُشغل المراهقون أغاني الراي الدارجة، ويخرجون من ثانوية قريبة أفواجاً أفواجاً مرحين ممتلئين بالحياة. تقامُ أعراس كاملة تحت النافذة، وتنصب الخيمات وتبلُّ الحناء على مرأى الجيران، ويشغّل DJ لساعات متواصلة أغنيات للأفراح، وأصوات التبراح (تنقيط العريس بالمال)، وتمر السيارات في الليل المتأخر مشغلةً موسيقى مرتفعةً، من آخر ما طُرح في سوق الملاهي. 

صارت لي نافذة، تجلس على رصيفها المقابل كلمات "راي" ونغمات من القصبة والبندير، وأصوات للمالوف، ونكات وشتائم وشجارات يتركها أصحابها بينما يمضون غاضبين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard