ماذا لو فتح القوتلي أحد شبابيك بيته ذات صباح؟

السبت 20 فبراير 202101:54 م

لو كنت رسّاماً أو مصوراً، لاختصرت هذه المعاناة اللغوية التي لا أعرف فيها من أين أبدأ، خاصةً إذا كان الأمر متعلقاً بالشّام، ستتمنى رسمَ كلَّ مشهدٍ تلتقطه عيناك التي وبلمح البصر تنقله إلى الذاكرة المتعبة، فتحفظه إلى الأبد، بجانب ملايين المشاهد المزدحمة فيها، والمعقّدة، بل قلْ: غير المفهومة. 

حتى لو معك "دوالي"، عليك دائماً تعويد قدميك على الوقوف، عند دورية "تفتيش" مفاجئة، حاجز طيّار، موقف نقل داخلي، تحت الجسور (ولو كان واحداً فقط)، فوقها، إذا نادتك ربطة الخبز، إذا صاحت جرّة الغاز، وذرّات السكر، الشاي، الزيوت، إلى آخره مما توفّره –مشكورة- البطاقة الذكية. 

هل نخبره أننا جوعى، فيطعم؟  هل نخبره أننا عطشى، فيسقي؟

فمثلاً، جادة العفيف، التابعة لمنطقة المهاجرين أو الصالحية بشكل عام، في أوّلها تقف سيّارة الغاز أو الخبز، صباحاً، فيصطف الطابور. وقبل آخرها بقليل، عند دار البيان، يوجد بناء سُميّ اصطلاحاً "السورية للتجارة"، وهو على الورق سوق استهلاكي حكومي مدعوم، أيضاً يصطف طابور ثانٍ على بابه. وفي منتصف الطريق، أي ما بين الطابورين، يوجد مبنى ذو تصميم فرنسي قديم، مغبر جداً، وعلى ما يبدو أن الأشباح والعفاريت السود والزرق سكنته منذ زمنٍ بعيد، ليتها علمت أنه كان في يوم من الأيام منزل أحد زعماء الكتلة الوطنية، وأحد أبطال الاستقلال، ليتها علمت أنه كان منزل الرئيس شكري القوّتلي، وليته أيضاً يعلم بما حل قرب داره، هل يوجد رسولٌ منّا، نعرفه ويعرفنا، يبلّغه، غير ملائكة الرحمن؟  

تحت منزله، تجتمع دائماً مختلف الفئات العمرية: رجال تفوح منهم رائحة القهر، بالكاد يقفون على أقدامهم وسجائرهم، نساء افترست الهموم ما تبقّى من أنوثتهن، فضلاً عن بطش وطغيان وتخييم السواد على عيونهن الشامية، وبضعة شباب يبدو أنهم سيغيبون عن محاضراتهم اليوم وكل يوم، ثمَّ سيكافؤون بالحرمان من الامتحان على الأغلب، لأنهم لم يحققوا نسبة حضور كافية، عدا عن الأطفال الكبار طبعاً، في جوّ مليء بالطين والمياه المالحة، التذمّر والصراخ، التأفّف والكفر بكل ما آمنت به العرب. 

أتوقعه في تلك الغرفة المطلة علينا، يلبس بدلته الأنيقة، يمسح طربوشه الأحمر ويعدّل شاربه المميّز بمقص ناعم، فاليوم حافل جداً، إنها الذكرى الثالثة والستين لقيام الجمهورية العربية المتحدة، وتحقيق آمال العرب

ماذا لو فتح أحد الشبابيك ذات صباح؟

 ماذا لو أطل علينا من إحدى الشرفات؟ 

هل نخبره أننا جوعى، فيطعم؟  

هل نخبره أننا عطشى، فيسقي؟ 

هل نخبره أننا متجمّدون، فيحتطب؟  

هل نخبره أننا عميان، فَـيُنير؟

هل نخبره أننا عاطلون (عن العمل طبعاً)، فيُشغّل؟  

هل نخبره أننا مسحوقون ومقهورون، فيُعز ويُعلي؟ 

أين هو يا ترى؟ 

أتوقعه في تلك الغرفة المطلة علينا، يلبس بدلته الأنيقة، يمسح طربوشه الأحمر ويعدّل شاربه المميّز بمقص ناعم، والسيّدة بهيرة الدالاتي تراقبه، وبيدها معطفه "الجوخ" الطويل، وزجاجة عطر باريسي دخلت بيتها كهدية من أحد الزعماء، فاليوم حافل جداً، إنها الذكرى الثالثة والستين لقيام الجمهورية العربية المتحدة، وتحقيق آمال العرب.

لا أريد التشويش عليه في هذه المناسبة بتلك الهموم والأوجاع التي تحدث في الجيل السادس بعد مرحلة الخمسينيات، ربما أخبره عنها في وقت لاحق، لكن التناقض الكبير ما بين المرحلتين، يجبرنا على التساؤل: هل كل ما يحصل الآن، من جوع وعطش وعتم وفقر وذل، هو ثمن العروبة؟ 

 إذا كان كذلك، فبُعداً لها، وبُعداً لعبد الناصر وأحلام يوليو التي جاء بها إلى الشام، فخرّبها. كم حزباً أغلق، في الوقت الذي كان المثل يضرب بجوّ سوريا الديمقراطي، وكم جريدة عطّل؟ اسألوا حبيب كحالة الذي سيبكي لو سمع بوجود ثلاث صحف سورية فقط تعمل كببغاوات للوكالة الرسمية، في عام 2021! 

 كم سجناً بنى، وكم مخبراً جنّد، وكم أرضاً استولى عليها بحجة الاشتراكية؟ هو ومشيره عامر وأعوانه السوريون، خاصة طفله المدلّل، عبد الحميد السرّاج، الأب الروحي للمخابرات في إقليم الشمال، والذي استطاع أبو خالد تهريبه من سجن المزة بعد الانفصال، بالتعاون مع الرئيس اللبناني فؤاد شهاب، أعطاه الجنسية المصرية، ومات في القاهرة عام 2013، دون أن يعلم به أحد، دون أن يعلم بجرائمه أي إنسان. 

لا أريد التشويش عليه في هذه المناسبة بتلك الهموم والأوجاع التي تحدث في الجيل السادس بعد مرحلة الخمسينيات، ربما أخبره عنها في وقت لاحق، لكن التناقض الكبير ما بين المرحلتين، يجبرنا على التساؤل: هل كل ما يحصل الآن، من جوع وعطش وعتم وفقر وذل، هو ثمن العروبة؟ 

99.9% كانت نتيجة الاستفتاء الشعبي على الوحدة في ذلك الوقت، هكذا عنون بوق يوليو الكبير، محمد حسنين هيكل، في افتتاحية الأهرام. صحيح، كان هناك جوّ عروبي حافل، في كل البلاد العربية، ليس فقط في مصر وسوريا، فإسرائيل طفلة عمرها 10 سنوات، ومن عادات غالبية العرب الانقضاض على الفتيات في عمرها، قتل أحلامهن وطمس شخصياتهن، لكن تلك الفتاة غير الفتيات التي نعرف، غيرها تماماً، كم كان أجدادنا مخدوعين وطيّبين!

الآن، وبعد أكثر من ستين سنة على ذلك الزمن، لا الجوّ الديمقراطي ممكن أن يعود، ولا الجوّ العروبي والنضالي، فالرغيف أقوى من ذلك، فقط جرّب أن تسأل أي سوري أو مصري عن الأمرين، سيضربانك بالتأكيد: أتسخر منا؟ 

بعد نظرات وتأملات كثيرة في القصر المهجور، خلال وقوفنا ضمن الطوابير، يخرج البشير من صالة السورية للتجارة، ليقول بكل دمٍ بارد: اليوم مافي سكّر… ارجعوا غداً... ظننته شكري القوتلي، جمال عبد الناصر أو من يسكن في الضفة الثانية من المهاجرين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard