"لا زال الحديث عنها تحت الطاولة"... حقّ السوريات في لبنان بخدمات الصحة الإنجابية

الأربعاء 15 يونيو 202203:52 م

تعاني أم نور، وهي سورية مقيمة في مدينة صيدا جنوب لبنان، من نزيف حاد مستمر منذ خمس سنوات، يصيبها في أثناء دورتها الشهرية التي تأتيها كل خمسة عشر يوماً.

رصيف22، قابل السيدة التي يشارف عمرها على الأربعين، وسألها عن مدى متابعتها وحفاظها على صحتها الإنجابية. لم تدرك أم نور أصلاً المعنى المقصود، وعندما عرفت ما يعنيه المصطلح، تحدثت بنبرة من الأسى، وعزَت سبب تلكئها في الاهتمام بهذا الجانب من صحتها، إلى حالة من الإحباط العام. "لم يعد الجسد مُهماً طالما الواقع أشدّ بؤساً"، تقول، فهي فضّلت معالجة ابنتها من إعاقة سمعية محتملة، عوضاً عن متابعة وضعها الصحي.

تُعرَّف الصحّة الإنجابيّة وفقاً لمنظمة الصحّة العالميّة، بأنّها الوصول إلى حالة من اكتمال السلامة البدنيّة والنفسيّة، وتشمل العادات الشخصيّة الصحيّة بما في ذلك عملية الإنجاب والوظيفة الإنجابيّة وطريقتها في جميع مراحل الحياة، كما تتضمَّن السلامة البدنيّة والنفسيّة، بالإضافة إلى النشاط الجنسي، وهي تُعدّ جزءاً أساسيّاً من الصحّة العامّة، تعكس المستوى الصحيّ للرجل والمرأة في سن الإنجاب.

بالتزامن مع اللجوء السوري إلى لبنان، ظهرت حاجة ماسّة إلى وجود مراكز تُعنى بالصحّة الإنجابيّة للسيدات واليافعات.

لذا يُشكّل واقع الصحّة الإنجابيّة انعكاساً للواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ والصحيّ للمجتمعات، فتتدهور أحوالها في المجتمعات الأكثر ضعفاً وهشاشةً، كمجتمع اللجوء مثلاً. وبالتزامن مع بداية اللجوء السوري إلى لبنان، ظهرت حاجة ماسّة إلى وجود منظمات ومراكز تُعنى بالصحّة الإنجابيّة وبالأخص للسيدات واليافعات، نظراً لأهميتها وأثرها المباشر على المرأة في الدرجة الأولى، فالأسرة، وصولاً إلى سلسلة من الدوائر الاجتماعيّة المتداخلة.

كسر حاجز الخوف والصمت

"كلّما تذكرت الأياّم التي قضيتها في أثناء حملي، تصيبني نوبة هلع وكأنيّ أختنق"، تقول رغداء الخلف (34 عاماً)، وهي سيدة سورية تقيم في أحد مخيمات الفاعور في البقاع اللبناني، حيث لجأت برفقة عائلتها بعدما قضت الحرب على ما تبقى من سبلٍ للعيش بأمان وكرامة في مدينتهم الرقة.

تضيف: "تزوجت في العشرين، ولم أكن أعي شيئاً عن الزواج، وعلمتُ معنى الحمل حين انقطعت دورتي الشهريّة. لم يكن الوصف الذي أسهبت النساء من حولي في شرحه عن الحمل دقيقاً. 'كلهن تسعة شهور وتقومين بالسلامة'، لكن لم أعرف معنى السلامة، إذ عانيت من نقص حاد في المغنيزيوم والكالسيوم والحديد، ولم تتحسّن حالتي الصحيّة إلّا بعد الولادة بمدّة طويلة".

أمّا حملها الثاني بتوأم، فحمل أبعاداً أخرى، وكان نقطة تحوّل في حياتها على الصعيدين الشخصيّ والاجتماعيّ، حتى في كيفيّة تفاعلها مع جسدها ومخاوفها. تروي رغداء بلهجتها "الرقاويّة" عن حياتها التي انقلبت رأساً على عقب بعد وضعها التوأم بيومين، إذ باتت تُفضل العُزلة وبالكاد تخرج من الخيمة، كما سيطرت عليها هواجس الموت والفقد وعادت ذكريات الحرب المؤلمة بغزارة إليها. تصف مشاعرها آنذاك: "ما كان فيني أرضع بناتي، وكلما أفوت عالخيمة أحس شي بيخنقني. أصرخ وأقول ما بدي البنات شيلوهن عني. ما كان فيني اشتغل شي وضل إبكي وأقول لأمي مشان الله لا تتركوني لحالي".

ما أنقذها من غرقها في حالة البؤس، هي زيارة إحدى الطبيبات إلى المخيم، فشُخّصت حالتها بالكآبة النفاسيّة أو اكتئاب ما بعد الولادة. تشير إلى أن غياب الوعي عن المخيّم وانتشار الخرافات وتصديقها، جعلت بعض النساء يقلن إنّها مجنونة أو ممسوسة، وبحاجة إلى شيوخ لفك المس الذي أصابها بعد الولادة. ومع الدعم النفسي من جلسات التفريغ مع أخصائية نفسية وتناول مضادات اكتئاب، بدأت تلمس تحسّناً واضحاً.

تزوجت في العشرين، ولم أكن أعي شيئاً عن الزواج، وعلمتُ معنى الحمل حين انقطعت دورتي الشهريّة. لم يكن الوصف الذي أسهبت النساء من حولي في شرحه عن الحمل دقيقاً. 'كلهن تسعة شهور وتقومين بالسلامة'، لكن لم أعرف معنى السلامة

تضيف رغداء أنّ حالة تهميش النساء في المخيم دفعتها لإطلاق مبادرتها الخاصّة، وأسمتها "معاً للعدالة"، بدعم وتدريب من مركز "النساء الآن للتنمية". تضم المبادرة ست نساء، وتتضمّن مجموعةً من النشاطات والدورات مثل التوعيّة بالصحّة الإنجابيّة وحقوق المرأة والطفل، ومحو الأميّة وطرق إعادة التدوير وغيرها. ونجحت في استقطاب عدد من نساء المخيّم، وتسعى إلى الحصول على تمويل جديد لاستقطاب أكبر عدد من نساء المخيّمات السبع المجاورة، وتوعيتهن.

تابو الصحّة الإنجابيّة

يقتصر الحديث عن الصحة الإنجابية في لبنان بشكل عام على الفضاءات المؤسسّاتية من منظّمات ومراكز، وتعاني معظم مجتمعات اللجوء من تجاهل مُمنهج من قبل الأنظمة الأبويّة التي تتعامل مع النساء وأجسادهن كخطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها، وتحتكر رغباتهن في تقرير حياتهن، والتي تتضمن خيارات الإجهاض وتحديد النسل أو عدم الإنجاب في المطلق.

تقول الدكتورة بيان لويس، وهي طبيبة صحّة عامّة وتحمل درجة الماجستير في الإدارة والسياسات الصحيّة من الجامعة الأمريكية، إنّ حديث النساء عن الصحّة الإنجابيّة لا يزال "تحت الطاولة"، كونه موضوعاً حسّاساً اجتماعيّاً، إذ تلعب الخلفيّة الثقافيّة والبيئة المحيطة باللاجئات دوراً مهماً في طريقة تعاطيهن مع أجسادهن وصحتها، كما اختلف سلّم أولويات العائلات خاصّةً بعد الأزمة الاقتصاديّة وغلاء تكاليف المواصلات والأدوية، وأصبح تأمين لقمة العيش والبحث عن أساسيّات البقاء هو محور تفكيرهن.

يزيد هذا من حجم الهُوّة بين المرأة وجسدها، ويؤدي إمّا إلى نقص كبير في المعلومات أو إلى انتشار معلومات خطأ، وهذا ما لاحظته علا فرحات، من مركز "النساء الآن"، وهي قابلة قانونية حاصلة على ماجستير في إدارة المستشفيات وتقنيات الولادة.

من خلال جلسات التوعيّة التي تنفّذها، وعبر متابعتها من قرب للسيّدات، تؤكد علا لرصيف22، ارتفاع نسبة المعلومات المغلوطة وخاصّةً المتعلّقة بوسائل منع الحمل والرضاعة الطبيعيّة، وتقول: "نسبة جيّدة من النساء لا يرغبن في الإنجاب أو يردن تأجيله، إلّا أنّ معلوماتهنّ المستمَدّة من تجارب نساء أُخريات تجعلهنّ خائفات من تناول موانع الحمل. المعلومات المتناقَلة لا تعني بالضرورة أنّها صحيحة، لأنّ لكلّ جسد استجابةً معيّنةً للأدوية".

يقتصر الحديث عن الصحة الإنجابية في لبنان بشكل عام على الفضاءات المؤسسّاتية.

تشمل الجلسات التي تقيمها المنظمة قسمين، الأول نظري والآخر تطبيقي، وتتنوع المواضيع كالنفاس والصحّة النفسيّة والجسديّة للحامل، والإرشاد لطريقة الفحص الذاتي المنزلي للكشف عن سرطان الثدي، وذكرت فرحات مثالاً لسيدتين تمكنتا من الكشف عن كتل في الثدي من خلال الفحص الذاتي.

وفي هذا الخصوص، يقول هاني نصار، مؤسّس ومدير جمعيّة "باربرا نصّار"، لدعم مرضى السرطان، بأنّ المركز يُقدّم أدويةً مجانيةً ومنها أدوية سرطان الثدي لجميع السيدات، إلى جانب تقديم أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية، وتنفيذ حملات توعويّة مختلفة ومنها الكشف المبكر عن سرطان الثدي، بالتعاون مع البلديات وجمعيات ومنظمات أخرى. رقم التواصل مع المركز هو: 03691624.

بدورها، شدّدت منال شخاشيرو، وهي عاملة اجتماعيّة في مركز "النساء الآن"، على فكرة المعلومات المغلوطة ضمن فئات اليافعات، مشيرةً إلى أسباب عدة منها التسرّب من المدارس وغياب المصادر الموثوقة للمعلومات، إلى جانب التنشئة الاجتماعيّة التي تحول بينهن وبين أجسادهن. تضيف لرصيف22: "تشعر معظم اليافعات بالخجل في أثناء شرح الكثير من المعلومات حول الجسد، وخاصةً تلك المتعلقة بالأعضاء الأنثويّة والذكريّة".

خدمات إضافية

بلغت نسبة الولادات منذ عام 2011، ولغاية تشرين الأول/ أكتوبر 2021، نحو 193،422 طفلاً لأهالٍ مسجلين لدى المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، وبسبب الأزمة الاقتصاديّة وتفشي وباء كورونا، كثفت المفوضيّة والمنظمات الشريكة لها الجهود، كزيادة حملات التوعية، والتشبيك مع مراكز صحيّة ومستوصفات عدة، لتقديم المزيد من الخدمات في هذا الصدد.

يتحدث أحد العاملين في منظمة "نيكست كير"، التي تقدّم الخدمات الطبيّة للحالات الطارئة بالإضافة إلى دفع تكاليف الولادة وبعض العمليّات الأخرى، عن تغطية المنظمة 75% من التكاليف للاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية. رقم الخط الساخن للرعاية الصحيّة الثانويّة في المنظمة هو 01504020.

من جهة أخرى، تحدثت خنساء حمود، وهي ناشطة اجتماعية في منطقة سعدنايل في البقاع والمناطق القريبة منها، عن عملها كمتطوعة في الهيئة الطبيّة الدوليّة IMC، التي تدعم مستوصفات لتقديم خدمات طبيّة وتوعية صحيّة للسيدات واليافعات، ومنها "مستوصف الفاروق". وأشارت إلى الخدمات التي تقدمها الهيئة عبر "النوادي الثقافية" في المخيّمات، ومنها تزويدها النساء بمعلومات عن الرعاية الصحيّة والنفسيّة للحامل وتنظيم الأسرة، وجلسات توعية عن الأمراض المنقولة جنسيّاً ومرحلة انقطاع الطمث وغيرها من المعلومات.

نسبة جيّدة من النساء لا يرغبن في الإنجاب أو يردن تأجيله، إلّا أنّ معلوماتهنّ المستمَدّة من تجارب نساء أُخريات تجعلهنّ خائفات من تناول موانع الحمل. المعلومات المتناقَلة لا تعني بالضرورة أنّها صحيحة، لأنّ لكلّ جسد استجابةً معيّنةً للأدوية

وفي مقابلة مع ريما بكري، مديرة قسم التواصل في IMC، قالت إن الهيئة تبذل جهداً لتغطي بخدماتها أكبر قدر ممكن من المناطق في لبنان، عبر دعم مستوصفات لتقديم مساعدات طبيّة من جهة، وتوعوية من جهة أخرى، وذكرت بكري لرصيف22 بعض الخدمات التي تتعلق بصحة السيدات الحوامل كإجراء صورتَي "إيكو" قبل الولادة، وأربع زيارات للتأكد من سير الحمل بشكله الطبيعي والتعرّف على التغيرات الجسديّة والنفسيّة المصاحبة للحمل، بالإضافة إلى تزويد السيدات الحوامل بالفيتامينات اللازمة وإجراء فحوص الدم، وفي حال الحاجة إلى أي مساعدة أو استفسار يمكن طلب الرقم 81311748.

أيضاً تشير إحدى العاملات الاجتماعيات في منظمة "كاريتاس" صيدا، إلى تنفيذ المنظمة بشكل مستمر جلسات توعوية تُعنى بالصحة الإنجابية، يمكن للسيدات التسجيل عند الإعلان عنها ثم يتم إخبارهن للحضور بشكل شخصي إلى المركز. يمكن الاتصال والاستفسار عبر الرقمين 81566816، 70134368.

ما زال الحديث عن الصحّة الإنجابيّة أحد التابوهات، لم تُنزع عنه وصمة العار أو المبالغة في خصوصيّته وربطه بالأعراف والتقاليد حتى الآن، إلا أن تكثيف جهود المنظمات الحكوميّة وغير الحكوميّة وخلق شبكات من المساندة ودوائر دعم اجتماعيّة محيطة قد يكسر من جمود بعض السيّدات أو صمتهن، لدفعهنّ للمطالبة بحقوقهنّ الصحية، ومنها حقهنّ في الوصول إلى درجة عالية من الصحّة الإنجابيّة، وهذا يتطلّب مزيداً من العمل على المستويين الفردي والمؤسّساتي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard