افتراش الأرصفة... الوجه الفج لأزمة التشرد في لبنان

الأربعاء 15 يونيو 202204:39 م
Read in English:

The Real Face of Lebanon’s Homeless Crisis

عند مدخل فندق "ويست هاوس" في شارع الحمرا في بيروت، كانت ماريا مستلقيةً على الأرض، تردّ بوجه مبتسم على السؤال عمّا أوصلها إلى هذه الظروف: "لست متشردةً، أنا راهبة ألبّي دعوتي. قصدني الرب طالباً مني أن أؤدي واجباتي الدينية عبر التجوّل في الشوارع والأحياء ونشر تعاليمه".

لطالما أخفت ماريا وجهها خلف شعرها الكثيف والمجعّد. عندما كانت لا تزال تجوب شارع الحمرا وتفترش أرصفته، كانت تسير ببطء شديد مرددةً تعابير غير مفهومة، بصوت صادح يبعث شعوراً بالخوف بين المارّة فيبتعدون عنها.

كل مشرد أو مشردة لديه/ ا قصة يرويها، تتضمّن تفاصيل معاناتهم، وما أدى بهم إلى الحالة التي هم عليها، وغالباً ما يختلط فيها الواقع بالخيال لتنطوي على تناقضات تصعّب تقصّي الأسباب الدقيقة التي تؤدي إلى تشرد كل واحد منهم، في مجتمع يغالي حول أهمية العلاقات الأسرية، ويقدّم الانتماء إلى العائلة والعشيرة والطائفة على الانتماء إلى الدولة.

عزلة في شوارع مكتظة

تحت جسر الكولا، نقطة وصول الباصات القادمة من الأطراف إلى بيروت، يتوزّع المشرّدون في نقاط ثابتة، يفترشون "الكراتين" وينشرون أغراضهم، ولا يتجرأ أحد منهم على الاقتراب من المساحة التي استولى عليها غيره وإلا عُدّ متعدياً. الحدود مرسّمة بشكل صارم.

عام 2019، انتقل أسامة العلي (36 عاماً)، للعيش تحت جسر الكولا بعد أن خسر كل ما يملكه إثر الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان. كان يعمل في مهنة "دهان الموبيليا"، لكن "الأحوال تغيّرت وطار الدولار"، يقول أسامة لرصيف22.

أبو أحمد (يمين الصورة) وأسامة العلي، جالسين تحت أحد جسور بيروت

يفصّل الرجل الثلاثيني كيف تحوّل من مهنيّ إلى متشرّد: "أدى الانقطاع الدائم للكهرباء إلى تعطيل عملي بالكامل، وعندما أصبحت بلا أي مدخول قررت بيع بيتي والانتقال إلى بيروت للبحث عن فرصة عمل وجني المال، ومنذ ذلك الوقت وأنا أقفز من فشل إلى آخر".

أسامة أب لثلاث فتيات يقِمن مع والدتهن في منزل عائلتها في منطقة الأوزاعي. برأيه، "الرجل الذي لا يتمكّن من إعالة عائلته عليه أن يرحل كي لا يصبح عبئاً عليها". يستمر في البحث عن وظيفة براتب جيد، لكن "الأجور التي عُرضت عليّ لا تتخطى الثلاثة ملايين ليرة (ما يعادل 110 دولارات أمريكية)". يعلّق: "هذا المبلغ يكفي لتغطية كلفة المواصلات إلى العمل. ولكي أتمكن من العودة إلى عائلتي، يجب أن أكون منتجاً أكثر لكي أؤمن مسكناً لهن".

في روايته، يفضّل أسامة التشرد على الظهور بصورة العاجز أمام عائلته. يؤكد أن "زوجتي لم تطردني، أنا طردت نفسي". وعدم قدرته على الإنفاق ليست المحفّز الوحيد على قراره، ذلك أن إقامته لدى عائلة زوجته ليست مستساغةً من المنظور الديني: "لا يمكن لي المكوث معَهن. في المنزل تقيم أيضاً نساء لا يجوز لي الاختلاط بهنّ"، قاصداً أخوات زوجته.

بدوره، يفترش أبو أحمد الرصيف في منطقة الكولا، على بعد أمتار من البقعة التي يفترشها أسامة. في قصته تظهر أيضاً معالم تفضيل التشرد على التقصير في ما يصنَّف ضمن واجبات الأب اجتماعياً.

يرفض أبو أحمد (66 عاماً)، السكن مع أبنائه "حتى لا أكون عبئاً عليهم"، يقول لرصيف22. هو سوري من أصول كردية، كان يمتلك منزلاً في مدينة اللاذقية في سوريا، لكنه اليوم يرفض العودة إليه. يقول لرصيف22: "زوّجت جميع أولادي، ولا أريد الابتعاد عنهم. أزورهم بين الوقت والآخر لكن علاقتي بهم أبقيها جدّيةً".

أبو أحمد مشرّد منذ 15 عاماً. في البداية كان ينام في منطقة صبرا في بيروت. يتذكّر هذه المرحلة السابقة ليخبر أن "هناك، الكل كانوا يعرفونني ويحبونني"، من دون أن يوضح بعدها ما دفعه إلى ترك شوارع صبرا إلى أرصفة الكولا.

سمير (54 عاماً)، يعيش قصة تشرّد ثالثة بدأت عام 2010، عندما انتقل من طرابلس إلى بيروت. يقول لرصيف22 إنه "في البداية كنت أنام على مقاعد كورنيش عين المريسة في المساء، أو أختبئ على الشاطئ هرباً من ملاحقة شرطة البلدية لي".

سمير مفترشاً أحد الأرصفة في بيروت

سمير زوج وأب لابنين. يروي أنه كان يعيش مع عائلته في الكويت في الماضي، ويتحدث عن "امرأة كويتية ألصقت بي جريمة ترويج مخدرات من خلال وضع هذه الممنوعات في حقيبتي بعد رفضي الارتباط بها".

بحسب روايته، رُحّل عام 2008، من الكويت إلى لبنان بعد أن قضى عقداً من الزمن في السجون الكويتية. يردف: "حين وصلتُ إلى لبنان قصدت منزل أخي في طرابلس وأقمت معه لمدة عام كامل، لكنّ زوجته كرهتني، فانتقلت للعيش في منزل شقيقي الأصغر الذي لم يعترض يوماً على إقامتي معه، إلا حين توقّف أولادي عن إرسال المال إليّ شهرياً، بعدما أشهرت اعتناقي للديانة المسيحية، وحينها طلب منّي الرحيل".

وقتها، بدأ سمير يعمل في تنظيف حرش بيروت خلال ساعات النهار، لكنّه تحوّل إلى التسول بعد أن ساءت حالته الصحيّة. يوضح: "المتسوّلون هم أغنى أشخاص في لبنان". ويكمل: "أنا أحصّل في اليوم الواحد ما يقارب 500 ألف ليرة لبنانية، أوزّعها على المحتاجين لأن يسوع أمرني بذلك". أما لجهة مؤسسات الدولة، "فلا أحد يسأل عنّي ووحدهم المارّة يكترثون لأمري"، يقول.

"التشرّد يتخطى غياب السكن اللائق، ويعني أيضاً فقدان الهوية والرفاهية العاطفية والأمان الجسدي الداخلي والخارجي، وهذه مشكلة اجتماعية كبيرة"

انتقل سمير قبل نحو عام من كونه "مشرّداً طوال ساعات اليوم، إلى مشرّد بدوام جزئي"، حسب تعبيره. يتنقّل بين الشوارع في النهار ويقصد "أوتيل السعادة" وهو أوتيل بسيط جداً يقع في بداية شارع الجميزة، وهناك يستأجر سريراً ضمن غرف مشتركة بقيمة 50 ألف ليرة لبنانية ليقضي ليلته قبل أن يرحل في ساعات الصباح الأولى".

يتحدث عن تدهور حاد في حالته النفسية خلال سنوات سجنه. في المقابل، يعتقد أن اعتناقه الديانة المسيحية كان سبب "استعادة عقلي". وعليه، فإنه وعلى الرغم من شعوره بالوحدة وتمنّيه لو تكون له "ابنة وزوجة"، يرفض "تطبيق شرط عائلته، زوجته وأولاده، حتى يعود للعيش معهم، وهي العودة إلى الإسلام". من هنا، اختار سمير قضاء ساعات النهار في الشارع. "هذه وسيلتي الوحيدة للتواصل مع الآخرين وربّما إلقاء التحية على أحدهم"، يقول.

مسنّ يتسوّل في أحد شوارع بيروت

قد تحتمل رواية أبي أحمد ومثلها روايتا أسامة وسمير أوجهاً أخرى لم يستقصها هذا التقرير الذي يقف عند حدود روايات المشردين لأحوالهم، لا سيما لجهة مواقف عائلاتهم وموقعها من القصص المروية. لكن يبقى السؤال المحوري الذي لا يحتمل أوجهاً عدّةً، هو السؤال عن دور الجهات المعنية، سواء الرسمية منها أو الجمعيات الأهلية، في التعامل مع ظروف التشرّد التي يعيشها هؤلاء.

وفيما تعكس رواية سمير بخصوص خوفه من النوم على مقاعد كورنيش عين المريسة مقاربة بلدية بيروت لمكافحة المتشردين، لا يمكن الوقوع على أي سياسة معروفة لمعالجة التشرد بوصفه مشكلةً يعاني منها المتشرد أولاً.

تصاعد في أعداد المشردين

يشير مدير مستشفى "العناية الإلهية"، التابعة لكنيسة Couvent mission de vie في منطقة أدما، السيّد بطرس الراعي، إلى أن الدير يستقبل كبار السن المهدّدين بالتعرّض للتشرّد، ويساعد المتشرّدين. ويقول لرصيف22: "حين يرفض الشخص المتشرّد أن يأتي إلى المأوى، أي بيت المستشفى، وهذا ما قد يحدث في كثير من الأحيان، نقوم نحن بتأمين احتياجاته من خلال مدّه بالطعام والأدوية وإعطائه مبلغاً محدّداً من المال، وزيارته دورياً". أما الذين يقصدون المأوى، فيؤكد الراعي: "نساعدهم من كل النواحي التي ذكرت بالإضافة إلى تأمين العلاج النفسي لهم من قبل مختصّين".

"في السابق، كان يتم توقيع عقود مع الوزارات المعنية"، يشرح الراعي، "لكن في الوقت الحالي توقفَت مساعدات الدولة، وبتنا نعتمد على التبرعات التي تصلنا". إلى ذلك، فإن الدير "في طور التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية بهدف خلق صيغة جديدة في ظل الوضع القائم".

مسنّ يفترش الشارع في بيروت

يتولّي الدير في الوقت الحالي مساعدة 250 شخصاً يقطنون خارجه، أمّا عدد المقيمين فيه فيبلغ 37 مسنّاً ومسنّةً، بالإضافة إلى تخصيص أربعة أسرّة لاستقبال الحالات الطارئة.

وعن تصاعد الحاجة إلى الخدمة التي يقدّمها الدير، يقول الراعي: "قبل الانهيار الاقتصادي (2019)، كنّا نتلقى نحو ثلاث اتصالات في الأسبوع، أما اليوم فنحن نتلقّى أربعة اتصالات في اليوم الواحد، وهذا يتخطى قدراتنا الفعلية على المساعدة، للأسف".

يرى الراعي أن الأزمة الاقتصادية وتفشّي وباء كورونا وهجرة الشباب والشابات تركت كبار السن في حلقة ضعيفة تعرّضهم لخطر التشرّد وتحديداً النساء منهم. يشرح: "عدد النساء المقيمات في الدير هو 23 من أصل 37. حتى اللحظة، لا نعلم السبب الأساسي، ربّما لأن المرأة تصير أضعف اجتماعياً مع الوقت، وللأسف يتم التخلّي عنها، وربّما الرجال يتمكّنون من إكمال حياتهم".

ويشرح: "نأخذهم عن الطريق، حيث يكونون قد تعرّضوا للأذى النفسي والجسدي، وأمراضهم النفسية تكون قد بدأت بالظهور، وهنا تتم معالجة صدماتهم ومحاولة وصلهم بعائلاتهم"، ويختم: "في حال قرّرنا أن نوفّر 400 سرير في الوقت الحالي، بإمكاني القول إن هذا العدد لن يكون كافياً لاستقبال كل الحالات التي تصلنا، ومعالجتها. نتمنّى لو أنّ بإمكاننا تأمين المساعدة للجميع، لكنّ الانهيار فرض علينا شروطه".

التشرد ليس مرئياً إلى هذا الحد

تلفت الدكتورة في علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، ليلى شمس الدين، إلى أن التشرّد ظاهرة نامية في كل دول العالم. تقول لرصيف22: "تنبع ظاهرة التشرّد من عوامل عدة، ولا يوجد تعريف واحد لها، وهذه هي الإشكالية الأساسية، فالتشرّد يتخطّى غياب السكن اللائق، ويعني أيضاً فقدان الهوية والرفاهية العاطفية والأمان الجسدي الداخلي والخارجي، وهذه مشكلة اجتماعية كبيرة. والتشرّد إذا ما أردنا تعريفه بمعناه الأشمل، فهو لا ينحصر بالأشخاص الذين خسروا منازلهم فقط، بل بكل شخص مهدّد بأن يخسر مكان سكنه لأسباب خاصّة أو عامّة، أو كل شخص لا يملك القدرة المادية للحفاظ على مسكنه".

"انتقلت للعيش في منزل شقيقي الأصغر الذي لم يعترض يوماً على إقامتي معه، إلا حين توقّف أولادي عن إرسال المال إليّ شهرياً، بعدما أشهرتُ اعتناقي للديانة المسيحية، وحينها طلب منّي الرحيل"

في لبنان، تردّ شمس الدين تزايد عدد المشرّدين إلى تفاقم "العوامل المساهمة في انتشار ظاهرة التشرد" وهي "الفقر، البطالة، التفكّك الأسري، نقص الخدمات، النزوح الناجم عن النزاعات، الكوارث (انفجار مرفأ بيروت عام 2020 مثالاً)، العنف المنزلي وأيضاً الإدمان". هذه العوامل مجتمعةً تتضافر مع "عدم توفّر الحماية من خلال الأنظمة الاجتماعية التي يجب أن تقدّمها الدولة وأهمها الرعاية الصحية، الدعم الاجتماعي، والحد من معدلات البطالة ووضع سياسات للمعطلين عن العمل"، وتالياً، "في ظل غياب سياسات عامة يمكن الاعتماد عليها، يُترك الأفراد في موقع ضعيف ويصبحون عرضةً للمعاناة، وبصورة مضاعفة في ظل الأزمات حين تصبح احتمالات التشرد مضاعفةً، لكل ما سبق من أسباب".

بين قوانين الإيجارات وانفجار المرفأ

تشرح الباحثة القانونية في "ستديو أشغال عامّة"، والمنسّقة القانونية لمشروع "مرصد السكن"، مايا السبع أعين، أن الدولة اللبنانية لا تؤمّن حق السكن ولا تطبّق القوانين المتعلّقة به.

تقول لرصيف22، "إن المعايير والشروط والضوابط ليست موجودةً كما أنه لا يوجد تجريم لعمليات الإخلاء القسري، ولا تؤمَّن حلول بديلة لمنع وضع السكّان في دائرة خطر التشرّد". وتضيف: "لا تلعب الدولة اللبنانية أي دور على صعيد تنظيم قطاع الإسكان، وهي سلّمت هذا الدور إلى مالكي العقارات الذين يضعون العقود ويخرقونها متى أرادوا".

وتتابع: استناداً إلى تقرير أصدره المرصد السكني عن الشهور العشرة الأخيرة، رُصدت 180 حالة تهديد إخلاء قصريةً، 78% منها رافقتها ممارسات تعسّفية من المالك جاءت على شكل تعدٍّ جسدي أو لفظي وقطع المياه والكهرباء عن الشقّة بهدف إخلائها. و"السبب الرئيسي لهذه التهديدات كان كلفة الإيجار التي ارتفعت قيمتها عن ثلثي الحد الأدنى للأجور، ولم يعد بإمكان المستأجر دفعها".

تكمن مشكلة السكن في لبنان بحسب مايا، في "أن الدولة تتدخّل لكن من دون الاستناد إلى خطّة شاملة أو سياسة واضحة للسكن، بل يأتي تدخّلها بناءً على ردّة فعل ناتجة عن كوارث وأزمات، أي بهدف الترقيع". والأسوأ بنظرها هو ما أصاب مفهوم السكن نفسه من تغيّرات خلال السنوات الفائتة بسبب القوانين المتعلقة بالإيجارات تحديداً: "تغيّر مفهوم السكن من كونه خدمةً اجتماعيةً ملحّةً، إلى سلعة تخضع لتقلّبات السوق، وبدأت الأزمة الأولى حين حرّرت الدولة الإيجارات عام 1992، وتركت الشروط بيد المواطنين من دون وجود أي معايير أو ضوابط تضمن حقوق المستأجر والمالك، ما وضع المالكين والمستأجرين في حلقة صراع دائمة".

أما عن مرحلة ما بعد انفجار المرفأ، فتقول مايا إن "العديد من المستأجرين فقدوا مساكنهم، إما بسبب عملية الترميم التي استلمتها منظمات غير حكومية احتاجت في عملها إلى وقت طويل لا يتلاءم مع إلحاح الحاجة إلى إصلاح المساكن، أو بسبب رفض أصحاب الملك إعادة المستأجرين ما بعد إتمام الإصلاحات بهدف تأجير منازلهم بأسعار مرتفعة". وكان "مرصد السكن" قد استقبل 127 بلاغاً بعد انفجار مرفأ بيروت، وبناءً عليه "أعددنا تقريراً كشفنا فيه أن نحو 500 شخص كانوا مهدّدين بشكل أو بآخر بالإخلاء وخسارة مسكنهم"، توضح مايا. أيضاً، تبيّن أن "نحو 29% اشتكوا من حدوث أضرار جسيمة في المنزل ما بعد الانفجار، 42% منهم هُدّدوا بالإخلاء، و21% تعرّضوا للإخلاء".

وعلى الرغم من أن القانون 194 المتعلق بحماية المناطق المتضررة وسكّانها من المضاربة العقارية الصادر بعد انفجار المرفأ، منع رفع كلفة الإيجار أو تغيير بنود العقد أو فسخه إلا من قبل المستأجر، فإن معظم المستأجرين لم يعلموا بوجود القانون الذي لم يُطبَّق أصلاً.

تنتهي مايا إلى القول: "نحن نشهد اليوم أزمةً حقيقيةً، فالمالكون يريدون تحقيق الأرباح في ظل الأزمة، والمستأجر أصبح يبيع أثاثه فقط لكي يدفع إيجار الشهر ولا يتشرّد وقد يصل به الأمر أحياناً إلى عدم إرسال أطفاله إلى المدرسة بهدف توفير المال، أما الأسوأ فهو لجهة الأزمة التي يواجهها العمال الأجانب والنازحون السوريون الذين يتجنّبون اللجوء إلى القضاء كي لا يتعرّضوا للترحيل، خصوصاً في حال كانت إقامتهم غير شرعية".

حتى في حالة حاملي الإقامات الشرعية، فإن القضاء اللبناني شُلّ العام الماضي ولم يكن ليتمكن من إنصافهم. وهذا ما حصل مع ميسّر.

التشرّد أفضل من العيش مع معنِّف

عام 2013، قرّرت مريم (اسم مستعار، 52 عاماً)، وضع حد للعنف الذي يمارسه زوجها عليها مذ كانت تبلغ من العمر 20 عاماً. طلبت الطلاق وتركت ابنها وابنتها في منزل والدهما، وأصبحت كما تصف نفسها بأنها "بلا منزل".

تخبر مريم رصيف22 أن أزمتها بدأت عندما "عارضت والدي وتزوّجت رجلاً من مذهب آخر. وقتها قَطَعت عائلتي علاقتها بي لمدّة عامين، إلى أن أنجبتُ ابني. كان التعنيف الجسدي قد بدأ قبل ذلك، وكان طليقي يحرص على عدم ترك آثار ضرب على جسدي، لكن مع مرور السنوات لم يعد يأبه أو يخاف والسبب الأساسي هو أن عائلتي لم تكن تدعمني وتالياً لا أملك مكاناً أذهب إليه".

لم تتمكن مريم من ترك المنزل قبل أن تتأكد من أنها لن تخسر ابنها وابنتها اللذين كانا يبلغان من العمر 21 عاماً و18 عاماً عندما رحلت. تشرح: "كلمّا كنت أطالبه بالطلاق كان يهدّدني بأخذ أولادي منّي، فأتراجع. حين كبروا وصار بإمكانهم فهم ما يحدث شجّعوني على الرحيل، وأمّنوا لي مسكناً آمناً في شقّة للفتيات (فواييه)، في منطقة طريق الجديدة".

أقامت مريم في هذا السكن حتى عام 2019، إلى أن بدأت الأزمة الاقتصادية، و"خسر ابني وظيفته ولم يكن بمقدور شقيقته تولّي دفع قيمة الإيجار الذي كان يبلغ 600 ألف ليرة لبنانية، أي ما كان يعادل 300 دولار أمريكي وقتها". تردف: "وقتها الخيار الوحيد الذي كان متوفّراً أمامي هو اللجوء إلى منزل شقيقتي المقيمة مع زوجها".

خلافاً لسمير الذي لم يعدّ نفسه مشرداً إلا عندما خسر كل سقف يستطيع اللجوء إليه، تعدّ مريم نفسها مشرّدةً منذ أن خسرت خصوصيتها. تقول: "لا أستطيع حتى التنقل براحتي داخل المنزل أو خارجه، ويترتب عليّ الخضوع للقوانين الموضوعة من قبل صهري وشقيقتي". وتضيف: "أولادي حتّى اللحظة يعانون من الناحية المادية، ويساعدونني عبر تأمين الطعام والشراب، ما يحتّم عليّ ضرورة أن أسكت وألتزم بقوانين عائلة شقيقتي".

"لا يمكنني العودة إلى منزل والدي، فهو لن يستقبلني"، تقول مريم وتتابع: "وبالتأكيد لا يمكنني العودة إلى منزل طليقي المعنّف. ولأنني لست، ولم أكن يوماً، مستقلّةً من الناحية الاقتصادية، فإن خياراتي محدودة: إمّا البقاء في منزل شقيقتي أو العيش في الشارع، أو العودة إلى التعنيف".

تأمل مريم أن تتحسّن أوضاعها في القريب العاجل لتتمكّن من العودة إلى سريرها الخاص، لا سيما أن ابنها يسعى في الوقت الحالي إلى تأمين مسكن مشترك يجمعها به وبابنتها لكي يعودوا ويعيشوا "كعائلة تحت سقف واحد".

تشير الناشطة النسوية والمديرة التنفيذية لجمعية Female حياة مرشاد إلى أن "العديد من النساء المعنَّفات لا يعرفن كيفية الوصول إلى الخدمات المتاحة لهنّ من الجمعيات العاملة في مجال الحماية من العنف الأسري".

وفيما تشير مرشاد إلى التطبيع الثقافي مع العنف، فإن الآفة الكبرى تبقى "في غياب تطبيق القوانين التي تحمي النساء، بالإضافة إلى أن نساءً كثيرات معنّفات هنّ غير مستقلات مادياً ولا يملكن منزلاً آمناً يلجأن إليه". أما لجهة الحالات التي يتوفر فيها منزل آمن من قبل المنظمات النسوية، "فإنّ آلية اللجوء إليها قد تكون في بعض الأحيان طويلة".

مشرّد يقيم تحت أحد الجسور في بيروت

تقول مرشاد لرصيف22: "يحمّل المجتمع المرأة ذنب التعرّض للعنف الأسري في كثير من الحالات، وهذا الذنب قد يمنعها، بالتضافر مع العوامل التي كنّا قد ذكرناها، من البحث عن ملاذ آمن". وتضيف أن "هناك أيضاً الضغط الذي يمارَس في حال وجود الأطفال، إذ تخاف المرأة من حرمانها من حضانتهم، أو حتى مشاهدتهم".

تعتقد مرشاد أن الحل لتخيير النساء بين التشرّد أو العيش في منزل غير آمن، وتحت وطأة العنف، يكمن "في تعريف النساء، لا سيما في الأطراف، بحقوقهن وكيفية الاستفادة من القوانين المرعية الإجراء"، وفي المقابل "الضغط لتفعيل تطبيق قانون العنف الأسري، لا سيما تفعيل الصندوق المالي المنشأ بالقانون وغايته دعم النساء المعنّفات".

"حالياً، وفي ظل غياب الدولة، وحدها الجمعيات تؤمّن ملاجئ آمنةً للنساء" تؤكد مرشاد، لافتةً إلى أن "الأخيرة ليست قادرةً على الحلول مكان الدولة، وهذا ما شهدناه خلال فترة تفشّي وباء كورونا حين ارتفعت نسبة التبليغ عن قضايا العنف الأسري من دون أن تتوفّر الملاجئ الآمنة للنساء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard