يمكنني أنْ أخاصم القاهرة فور وصولي إلى بورسعيد

الخميس 16 يونيو 202201:17 م

منذ ثلاث سنوات، بدأت أتعرف على مدينة بورسعيد، التي تبعد عن القاهرة 198 كيلومتراً، أي قرابة الساعتين، وقد وقعت في غرامها. وفي كلّ مرة أزورها، تزداد قناعتي بأن القاهرة تقهر أهلها وتثقلهم بأعباء لا حصر لها، من الساعات الضائعة التي يقضيها سكانها في طرقات لا تصلح لأن يكون فيها تفريعات لتجنب زحامها. إضافةً إلى ضوضائها وناسها الذين يملكون العديد من مشاعر الغضب والانقباض. أكاد أجزم أن بورسعيد، رغم بساطتها، تقف كمارد متربص بكل مصري (من القاهرة تحديداً) يزورها، لتجبره على ترك كلّ ما تعلّمه أو عاشه في القاهرة قبل دخول أعتابها. تحدثهم بورسعيد: مرحباً بك في مدينة الصفاء! عليك أن تترك مخلفاتك من القاهرة قبل الدخول إلى هنا.  

أكاد أجزم أن بورسعيد، رغم بساطتها، تقف كمارد متربص بكل مصري (من القاهرة تحديداً) يزورها، لتجبره على ترك كلّ ما تعلّمه أو عاشه في القاهرة قبل دخول أعتابها

لن تحتاج أن تكون معمارياً مختصاً كي تدهشك واجهات عمارة الحي الإفرنجي بالتحديد، أو المعروف باسم "البازار" حالياً. جميعها محاطة بـ "فرندات" خشبية تتسلل بين فراغاتها مزهريات ملونة.  "الفرندات" الخشبية - المصممة على غرار قواعد البناء المعروفة لدى معماريّي الاستعمار البريطاني تسمى "العمائر الاستوائية" - كانت منتشرة منذ السبعينيات. ومثلت أحد أشكال العمارة الحديثة في دول المستعمرات الأوروبية حول العالم، منها إسبانيا، سنغافورة، فرنسا، والبرتغال. وكان يتمّ بناؤها بهذا الشكل الحساس مناخياً لتسمح بدخول أشعة الشمس وحبس حرارتها، إضافةً إلى تلطيف الأجواء بشكل طبيعي بدلاً من التكييف واستهلاك الكهرباء. هذه "الفرندات" الصديقة للبيئة، بخلاف مظهرها الأوروبي الكلاسيكي، تضفي حالة من البهجة على المارة بدلاً من العمائر الخرسانية الكبيرة، التي أشعر معها وكأنّ كائنات فضائية ألقتها على القاهرة كي تبتلع المساحات العامة من الشوارع مع الهواء كله دون أن تبقي منه نسمة.  

لطالما افتقدت مفهوم المشي في الشوارع بسبب تعرجات الطرق في القاهرة وعشوائية المحلات التي لم تترك مكاناً إلا واحتلته. وحتى بالنظر إلى المناطق الراقية، مثل المهندسين ومصر الجديدة والدقي، لم يعد المشي فيها نشاطاً مريحاً بعد الإصلاحات التي شهدتها

لطالما افتقدت مفهوم المشي في الشوارع بسبب تعرجات الطرق في القاهرة وعشوائية المحلات التي لم تترك مكاناً إلا واحتلته. وحتى بالنظر إلى المناطق الراقية، مثل المهندسين ومصر الجديدة والدقي، لم يعد المشي فيها نشاطاً مريحاً بعد الإصلاحات التي شهدتها لإفساح الطرق أمام السيارات. وبات من الخطر المشي من شارع لآخر. وحتى المساحات الجانبية القليلة المتروكة للمشي، لا يدعها المارّة في حالها. الكل أصبح في حالة استعداد لمضايقة أي أنثى تمر، إن لم يكن بالكلام المسيء فبالنظرة المتفحصة. 

أما في بورسعيد، فالدنيا بخير. وللفتيات حق السير بأمان دون خوف من نظرات أو همهمات ملاحقة.

أما في بورسعيد، فالدنيا بخير. وللفتيات حق السير بأمان دون خوف من نظرات أو همهمات ملاحقة. الكل مهتم بشأنه فقط. وبالوقت ذاته، الكل لطيف ولديه لباقة في الحديث، وبخاصة عند تعاملات البيع والشراء. كما يمكن توقيف سيارة أجرة لاستقلالها بكل بساطة، دون الحاجة لأسلوب المراوغة المتبعة في القاهرة عند الحديث مع السائقين لإقناعهم بالذهاب إلى منطقة ما. سيشير لك السائق المبتسم غالباً، ويرحّب بقدومك قبل حتى أن تخبره عن وجهتك. يبدو أنّ هدوء مدينتهم انطبع على سياراتهم النظيفة، ونوع موسيقاهم أيضاً، ودرجة صوتها المنسجمة مع هذه الحالة الهادئة.  بين أغنيات أم كلثوم ونجاة الصغيرة وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، يتنقل ذوق السائقين وأصحاب المحال التجارية، والمقاهي الشعبية المنتشرة على طول الشوارع الجانبية، حاملين الروح الكلاسيكية بكراسيهم الخشبية البسيطة أو الخيزران مع انتشار "الترابيزات"، أو الطاولات الصغيرة، متراصة جنباً إلى جنب. وذلك ليسمحوا بالتفاف عدد أكبر من الأفراد حولهم، مطلقين ضحكات مدوية غير مبالين بما يحمله العالم من أزمات طاحنة.  

سألت زوجي: هل تعرف بورسعيد أخبار ارتفاع سعر الدولار والذهب؟ هل تغلق بورسعيد على نفسها حتى لا تنهشها مساوئ المدينة الأكبر في مصر متسللة بين سكانها لتحافظ على كل هذا القدر من الجمال المفقود في مدينتي؟

هذا المشهد بالتحديد توقفت عنده كثيراً، إذ هناك في مصر لا يزال يشعر أهله بالألفة دون الحاجة لدفع مئات الجنيهات. فأولئك الذين يرتادون بورسعيد لا يضطرون للدفع إلا ثمن  أكواب الشاي وجلسات بات من الصعب وجود مثلها في القاهرة. ففي القاهرة، الغالبية منشغلون في هواتفهم أو شاشات العرض الكبرى بالمقاهي، وكأنهم هم والكراسي سواء.  

ولا تكتمل رحلتي إلى بورسعيد إلا بوجبة سمك وجمبري من بائعي المأكولات البحرية في السوق الجديد. ابتسامة البائعين حاضرة دائماً. لهجتهم البورسعيدية المتميزة تجعل الحديث معهم مليئاً بالضحك والدعابات. وحتى خلافاتهم، تُحل بأقل قدر من الخسائر وبأسرع طريقة ممكنة. يحتفظ رجالها ببعض التقاليد الطيبة، مثل عدم التصالح نهائياً مع قول كلمات تحمل تلميحات جريئة، يلاحقون من يلقي الشتائم بصوت عال: "اسكت فيه حريم هنا". 

الكلفة المادية لقضاء يوم في القاهرة تعادل أربعة أيام في بورسعيد، بدايةً من التنقلات بسيارات الأجرة وشراء العيش والفطور في أكبر المطاعم وأشهرها بالقرب من البحر في مطعم "العيوطي"، إلى تناول القهوة التركية في كافيه شبابي بالممشى السياحي. وذلك مع مظاهر الرفاهية وشراء الأسماك والوجبات المرتفعة التكلفة والهدايا التي اشتريتها لأسرتي في القاهرة. كل ما دفعته في نهاية الأمر لا يُقارن بما تبتلعه القاهرة من مصروفات يومية، ثم تخدعنا بتقديم خدمات سيئة وتعاملات إنسانية تفتقر إلى الود والترحيب. 

ولا تكتمل رحلتي إلى بورسعيد إلا بوجبة سمك وجمبري من بائعي المأكولات البحرية في السوق الجديد. ابتسامة البائعين حاضرة دائماً. لهجتهم البورسعيدية المتميزة تجعل الحديث معهم مليئاً بالضحك والدعابات

سألت زوجي: هل تعرف بورسعيد أخبار ارتفاع سعر الدولار والذهب؟ هل تغلق بورسعيد على نفسها حتى لا تنهشها مساوئ المدينة الأكبر في مصر متسللة بين سكانها لتحافظ على كل هذا القدر من الجمال المفقود في مدينتي؟ تمكنت من الإجابة دون انتظار سماعها. بورسعيد، هذه المدينة الساحلية كانت في عصورها القديمة عبارة عن قرية للصيادين، تقترب من مدينة الإله آمون الذي هو إله الشمس والريح والخصوبة، وأحد الآلهة الرئيسيين في الميثولوجيا المصرية القديمة. لا تزال هذه المدينة تحمل روح ماضيها ونقاء حاضرها وبسالة أهلها المتأثرين بفترات الحروب والمقاومة. أعشق الوصول إلى أعتاب هذه المدينة. ويمكنني أنْ أخاصم مدينتي، القاهرة فور وصولي  إلى بورسعيد، وأقرأ جملة الترحيب على بواباتها: "مرحباً بكم في بورسعيد".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard