القاهرة التاريخية... التوثيق لا يكفي لإحياء مدينة شامخة حضاريّاً ومعماريّاً

الاثنين 28 فبراير 202204:59 م

يكثر الحديث الرسمي في مصر بين الحين والآخر عن استعادة القاهرة التاريخية "عاصمة النور، وباريس الشرق"، وإحياء العاصمة الشامخة حضاريّاً وفكريّاً وفنيّاً ومعماريّاً، واسترجاع عهود التفوق والازدهار في سائر العلوم والآداب والإبداعات ومجالات الثقافة والقوة الناعمة.

وتحت هذه المظلة الفضفاضة، يجري الإعلان عن الكثير من الاستراتيجيات والمخططات التطويرية للتعاطي مع الأجزاء المختلفة للقاهرة التاريخية، وتنميتها، والنهوض بها، والتعريف بها، ومنها القاهرة الخديوية في منطقة وسط البلد، والقاهرة الفاطمية والمملوكية أو قاهرة المعزّ لدين الله الفاطمي في الشمال، وقاهرة الفسطاط، وغيرها.

وضمن هذه الجهود، تأتي سلسلة "ذاكرة المدينة"، وهي مجموعة من الموسوعات الضخمة التي يصدرها "الجهاز القومي للتنسيق الحضاري"، برعاية وزارة الثقافة المصرية، بهدف الحفاظ على التراث المادي واللامادي للمدن المصرية ذات الطابع المعماري المتميز، ومن أحدث إصدارات السلسلة كتاب "جاردن سيتي... المدينة الحدائقية: اسم ومعنى".

كما تتضمن الجهود الحكومية والرسمية أيضاً الإسهام في ترميم البنايات الأثرية والميادين والشوارع وواجهات العمارات وتطويرها، وإزالة التعدّيات والتشوهات، وتوحيد الألوان وتنسيق اللافتات، وتعزيز الحرف اليدوية، والحفاظ على الروح التراثية، وتوسعة المسطحات الخضراء، إلى جانب إنشاء ممرات المشاة وتوفير الخدمات والمرافق الحديثة والأسواق، لربط هذه المناطق العريقة بحركة الحياة العصرية، ولفت الأنظار إليها، واجتذاب السياحة الداخلية والخارجية.

ويعوّل "الجهاز القومي للتنسيق الحضاري" في ما يضطلع به من مهام على تعاونه مع أجهزة ومؤسسات أخرى، منها المجلس الأعلى للآثار، ووزارات الثقافة والأوقاف والسياحة والإسكان، ومنظمة اليونسكو، وغيرها.

فرق كبير بين العمل الدؤوب على محاولة إعلاء قيمة الجمال في مصر، وتحسين الصورة البصرية في الفراغات العامة، والحفاظ على التراث العمراني، وبين لافتات أخرى فانتازية يجري رفعها بحماس غير مبرر عند كل مناسبة أو احتفالية في محطات مشروعات القاهرة التاريخية

وليس من شك في إيجابية بعض هذه الخطوات التي اتُّخذت من أجل الارتقاء بالقاهرة التاريخية وإلقاء الضوء عليها، خصوصاً منطقة القاهرة الخديوية، في قلب المدينة، بين الميادين الشهيرة التحرير والأوبرا وطلعت حرب ومصطفى كامل. وتشمل المنطقة حي جاردن سيتي الأرستقراطي، وشوارع وسط البلد، وسوق العتبة، وحديقة الأزبكية، وغيرها من الأمكنة التي ضربها الإهمال والتدهور البيئي والمعماري والازدحام السكاني والمروري.

ولربما كانت الأمور ستستقيم بعض الشيء، أو ستبدو أقرب إلى الواقعية والمنطقية، إذا جرت في سياقها الطبيعي، بمعنى أن يوصف كتاب "جاردن سيتي... المدينة الحدائقية: اسم ومعنى"، الصادر حديثاً، بأنه محاولة توثيقية تسجيلية للإحاطة بتاريخ هذه المنطقة الراقية وجغرافيتها في الماضي غير البعيد، منذ تأسيسها على يد الخديوي إسماعيل، قبل أن يصيبها التدهور والعشوائية في الحاضر القريب. وكانت جاردن سيتي منطقة "الهوانم" و"الأرستقراطيين" والقصور والفيللات والسفارات الفخمة والبنايات الفارهة، ومنها مجلسا الشعب والشورى ومستشفى قصر العيني ونقابة الأطباء.

وكذلك، لعله كان الأقرب إلى المصداقية وصف سائر جهود "الجهاز القومي للتنسيق الحضاري" وغيره من الأجهزة والهيئات المحلية والدولية بأنها تدور في إطار حماية التراث والآثار وترميم المعمار ومواجهة الركود السياحي وتدعيم الصناعات التقليدية المهددة بالاندثار، وأن هذه الجهود قد أسفرت بالفعل عن تعاون طيّب الأثر بمشاركة اليونسكو من أجل ترميم هذه المناطق والحث على تطويرها والحد من تآكلها.

لكنّ ما يُكسب مسألة "القاهرة التاريخية" أبعاداً هلامية، ويُحوّلها إلى حكاية أسطورية تتفجر فصولها المثيرة الجوفاء يوماً بعد يوم، هو ذلك الخلط الدعائي بين ما يجري على الأرض من إجراءات ملموسة تتمثل في نشر الإصدارات والخرائط والصور التسجيلية والتوثيقية، وأعمال الترميم والتطوير والطلاء والتنظيف والتزيين وما إلى ذلك من أبجديات نشر الجمال ومحاربة القبح، وبين ما يجري ترديده والحشد له إعلاميّاً بأن مشروعات القاهرة التاريخية هي ثورة القرن الجديد، وأنها بمثابة استعادة العاصمة المركزية القديمة، المنارة القطبية المشعّة في سائر الأرجاء، قبلة العالم، باريس الشرق، قاهرة النهضة، وما إلى ذلك من مبالغات لا تنسجم مع تراجع الدور التنويري وخفوت مصابيح القوة الناعمة في المشهد المصري في الآونة الأخيرة، إلى جانب ما يعجّ به الحاضر المصري من فوضى بصرية وسمعية تكاد تنسف مفهوم الجماليات البصرية وفكرة الهوية المعمارية الحديثة من جذورها.

فرق كبير بين العمل الدؤوب على محاولة إعلاء قيمة الجمال في مصر، وتحسين الصورة البصرية في الفراغات العامة، والحفاظ على التراث العمراني، وهي من الأهداف الواقعية المعلنة في مانفستو "الجهاز القومي للتنسيق الحضاري"، وبين لافتات أخرى فانتازية يجري رفعها بحماس غير مبرر عند كل مناسبة أو احتفالية في محطات مشروعات القاهرة التاريخية.

ومن هذه اللافتات الشعارية على سبيل المثال، التي جرى إطلاقها في أعقاب إصدار كتاب "جاردن سيتي... المدينة الحدائقية: اسم ومعنى"، وفي غير ذلك من المناسبات المتعلقة بالقاهرة الخديوية، والقاهرة التاريخية على وجه العموم: مصر تستعيد ذاكرتها المعمارية وصورتها الحضارية، القاهرة في طريقها إلى أن تكون متحفاً عالميّاً مفتوحاً، مصر النهضة تطل بشموسها الإشعاعية من قلب القاهرة، حلم الخديوي إسماعيل بأن تصبح القاهرة باريس الشرق... هل يصبح حقيقة؟!

كيف يمكن إهدار البُعد التاريخي على هذا النحو الفج؟ وبأية طاقة سحرية تستدير عقارب الزمن إلى الخلف، ويتجرد المكان من بشريته، لتقول الأبنية الصماء "المرمَّمة" إنها بتجدُّدها قد صارت قادرة على تجديد وجه مصر برتوش عصر النهضة، ومحو تجاعيد اللحظة الراهنة بكل ما فيها من انحدار وانطفاء وتكلس وجمود وتبعية؟ وهل يغني استنساخ المكان، مع افتراض أنه تم بنجاح، عن غياب الإنسان، المحرّك والفاعل والضابط والوازن؟

كانت استراتيجية الخديوي إسماعيل بأن تقتفي القاهرة أثر باريس عاصمة النور، مبنية على مسوغات جادة، وشواهد غير هينة من التقدم والتفوق في سائر المجالات، وهذا ما لا يتبقى منه في قاهرتنا التاريخية سوى بعض أبنية وجدران لا تمتلك غير النوستالجيا والذكريات والصمت المرير

القاهرة الخديوية، والتاريخية، أعمق من أن تكون معماراً إذا تم ترميمه عادت من جديد، فهي مفهوم حضاري عريض، ونسق نهضوي متكامل، لم يعد له وجود حالياً لتغيّر الظروف والملابسات والأدوار كلية بين لحظتين مختلفتين في الزمان، وجيلين مختلفين من روّاد هذا المكان.

ليس مهمّاً أن تعود إلى الوجود في لحظتنا الراهنة حديقة الأزبكية أو شارع عماد الدين أو شارع محمد علي أو حتى دار الأوبرا بالهيئة التي كانت عليها في القاهرة الخديوية في القرن التاسع عشر، ولا أن تصير هذه الأطلال القديمة (التي كانت ملأى بالمسارح ودور السينما والأضواء ورموز الفن والفكر والإبداع) مزارات للسائحين المصريين والعرب والأجانب، فهذا لا يعني أنها قد عادت منابر داخلية وخارجية للإبداع والحرية والتنوير، ولا أن مصر قد عادت أيقونة النهضة وملتقى المبدعين في الشرق الأوسط والعالم العربي، مثلما كانت في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن الماضي.

لم يكن شموخ العمارة المصرية منفصلاً عن شموخ عام، وحالة استنهاض وتنوير شاملة، في العلم والمعرفة والفكر والفلسفة والفنون والآداب، قوامها الاعتداد بالذات، والثقة بالموروث، والرغبة في الانفتاح الحر غير المشروط على الآخر الغربي، فكانت استراتيجية الخديوي إسماعيل بأن تقتفي القاهرة أثر باريس عاصمة النور، مبنية على مسوغات جادة، وشواهد غير هينة من التقدم والتفوق في سائر المجالات، وهذا ما لا يتبقى منه في قاهرتنا التاريخية (إحدى أكثر المدن ضجيجاً وتلوثاً في العالم) سوى بعض أبنية وجدران لا تمتلك غير النوستالجيا والذكريات والصمت المرير.

استعادة القاهرة التاريخية، ببساطة، تعني في جوهر الأمر بناء مصر الناعمة من جديد، بركائزها الحضارية والإنسانية ومنابرها ومنصاتها الثقافية والتنويرية والفكرية والجمالية غير المحدودة، ومعمارها المتناسق، المتسق مع عناصر الإبداع ومفرداته المتناغمة في شتى الحقول، وهذا هو الفعل الأصعب بالتأكيد من طلاء المعمار التالف، وترميم الأسقف البالية، والادعاء الساذج بأن الماضي المجيد قد دبت فيه الحياة!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard