هل حقاً القاهرة "منورة بأهلها"؟

الخميس 24 مارس 202211:51 ص

ظهرت القاهرة كموضوعة جمالية  في السينما المصرية مع صلاح أبو سيف، وبدت المدينة بملامح قاسية مع "ريا وسكينة" عام 1953، واشتدت قسوتها في "القاهرة 30" عام 1966، وعندما انتقلت عدوى أفلام "الموجة الجديدة" إلى مصر، رأينا  القاهرة  مكروهةً في "خرج ولم يعد" عام 1984، كما صورتها أفلام عاطف الطيب وخيري بشارة كمكان جمع بين الخير والشر، تحكمه الأنانية والرغبة في الخلاص.

يمكن القول أن يسري نصرالله، واحد من أهم المخرجين الذين اقترنت تجربتهم السينمائية بالمدينة، تاريخه يتضمن فيلم يحمل الاسم ذاته "المدينة" أنتج عام 2000، كما ارتبط اسمه بالمخرج يوسف شاهين، إذ شارك معه في العديد من الأفلام كمخرج مساعد، كما ألف فيلم "الوداع يا بونابرت" 1985، "مرسيدس"، "المدينة"، "صبيان وبنات"، "جنينة الأسماك"، "بعد الموقعة". جميعها أفلام قدّمت المدينة بأوجه متباينة.

اقترن اسم المخرج يسري نصر الله بـ"المدينة" بوصفها  شخصية فريدة تحضر دوماً في أفلامه 

 أنجز نصر الله فيلمه الأول "سرقات صيفية" عام 1988، لكن سبق له أن قدم مع يوسف شاهين الفيلم القصير “القاهرة منورة بأهلها” عام 1991، وكما يتضح من الاسم، الأحداث تدور في العاصمة المصرية، التي يتنقّل شاهين بشخصه في شوارعها، كاشفاً عن التناقضات فيها، لكن الأكيد أن "القاهرة منورة بأهلها".

بدأ  أسلوب السيناريست محمد راضي يتضح  مع "نيران صديقة"، وصاغه في "السبع وصايا"، و"العهد"، و"فيما بعد"، فعادة ما يقدم مجموعة من الأشخاص الذين ترتبط مصائرهم ببعض. و الملفت أن  المكان يلعب دائماً دوراً هاماً في مسار الأحداث، سواء لتعدده كما هو الحال مع "السبع وصايا"، أو لقيمته كما هو الحال أيضاً مع "العهد"، ويمكن القول أن المكان يحضر كـ"شخصية" تتفاعل مع باقي الشخصيات في علاقة أخذ ورد.

حافظ يسري نصر الله على أسلوب محمد راضي في مسلسل "منورة بأهلها"، الذي عرض خلال الربع الأول من 2022.

اسم المسلسل  يحيل الذهن مباشرة إلى فيلم شاهين القصير وكأننا أمام تحية لشاهين، وتأثيره الواضح على صناع العمل الجديد، الذي يحاول أن  يسرد حكاية مكان، يقع الجميع في غرامه من بعيد، ويستقطبهم حتى يقعوا في شباكه، فهل القاهرة منورة بأهلها فعلاً، أم هي  فخ ينتظر فرائس جديدة؟

ديستوبيا الجريمة والتوحش

عادل وعليا، مهاب وماري، سلوى وأيمن، جميعهم جاءوا من محافظات مختلفة من القطر المصري، اجتذبتهم القاهرة راغبين أو مضطرين، لكن القاهرة، المدينة الحُلم، تتحول إلى كابوس مستمر، يبدأ بحوار بسيط: "القاهرة هتنور... القاهرة منورة بأهلها"،  ثم جريمة قتل بشعة لشخص لا نعرف اسمه، أو من هو، صدفة جمعت بين القتيل وآدم، وكيل النائب العام.

  يتضح مع تدفق الأحداث أن هذا القتيل المجهول،  قُتل مرتين في نفس الليلة، الأولى بالسم، والثانية بأكل جثته. فهل حقاً المدينة وحشية إلى هذه الدرجة، وتدفع ساكنيها لارتكاب جرائم قاسية؟ الإجابة  تعكسها سطور أمين راضي، وتغلفها رؤية نصرالله، هناك قتامة وخشية وحصار يعيشه أبطال هذه الديستوبيا، إذ يتبادل كل منهم السلطة على الآخر في دورة لا تنتهي، لكن للأسف، لا يستطيع أحد أن يحيا خارجها، وكأنهم باتوا يعشقون القسوة التي لا فكاك منها.

 في ديستوبيا  القاهرة يُقتل الشخص ثم تُلتهم جيفته، وكأن المدينة يحكمها منطق الغاب، البقاء للأقوى، والأكثر قدرة على النجاة

حيرة وتساؤلات وتشويق هي المشاعر التي تتكون لدى المشاهد منذ الحلقة الأولى، مشهد وراء مشهد، وحلقة بعد  حلقة، يتورط المشاهد، ولا يستطيع الإفلات من القصة وشخوصها، خصوصاً أن راضي يقدم شخصياته وكأنه يصنع كولاج، إذ تقطر المشاهد بالمعلومات، وتتضح ملامح الشخصيات  خلال كل مشهد، ما يجعل كل لحظة ولقطة  تحوي عناصر  لا يمكن الاستغناء عنه.

يوظف راضي تقنية المرايا سارداً  كل حدث  من عدة وجهات نظر، مستفيداً مما تقوله الشخصيات وتختبره من أحداث وتعبر عنه ليخلق التشويق لدى المشاهد، الذي يراوده الشك دوماً، لان كل شخصية تخفي الكثير ولا تفصح عن كل شيء، ما يدلل "الرغبة بالاكتشاف"  ويعززها لدى المشاهد على امتداد الحلقات، لاسيما مع وجود “الأفان تيتر” الذي يسبق كل حلقة، وهو ما يعتمده كثير من الكتاب والمخرجين مؤخراً، لما يكفله من تشويق وتعريف بالحلقات والأحداث.

يخلق راضي التشويق أيضاً من خلال تباين تصرفات الشخصيات وعدم محدوديتها، إذ يكسر آفاق توقعات المشاهدين مع كل مشهد وكل حلقة، فمن الصعب أن تحب سلوى أو تكره عليا أو تمقت عادل، الجميع متورط في الشر لكنه ضحية أيضاً، تحكمهم العواطف بأوجهها العديدة وانفعالاتها المختلفة، يحاول الجميع النجاة بنفسه حتى لو على حساب الآخرين، "أنا وبعدي الطوفان" هو شعار أهل المدينة، محتسي "السكومونس"، المشروب السحري الذي اكتشف الجميع أنه ليس سحرياً، فلا يوجد خلطة سرية لأي شيء.

البقاء للأقوى

تتأرجح الشخصيات بين علاقة طردية وعكسية في علاقتهم بالزمن، فسلوى التي  كلما تقدم بها العمر تحولت إلى وحش لا يقهر، بينما عليا تتحول إلى منقذ، وترى في نفسها المخلص من الشرور، الأهم أن كل الشخصيات، سواء أعلنت ذلك أو أخفته، واقعة في حب ذاتها، ما يجعلها أكثر وحشية حتى إن أضمرت عكس ذلك.

تبدو العلاقات بين الشخصيات وكأنها محكومة بقانون الغابة إذ يسود منطق البقاء للأقوى، فكلما كُنتَ أكثر سيطرة على من حولك وتتحكم بما يفعلون، فأنت الرابح وهكذا، لكن  موازين القوى تتأرجح وتختل في بعض الأحيان، ويبقى السؤال: هل أنت سيد قرارك؟ لكن من الصعب الإجابة عن هذا السؤال  تحت سقف المدينة.

يبدو النيل  في مسلسل  "منورة بأهلها" ليسري نصر الله، كمقبرة ليلية لشخصيات كلما تقدم بهم العمر تحولوا إلى وحوش

استعان يسري نصرالله في ثاني تجاربه التلفزيونية بفريق تمثيل جمع بين تفضيلاته وتفضيلات مؤلف المسلسل، محمد أمين راضي، فعلى رأس اختيارات المخرج كان ممثله المفضل باسم سمرة، الذي شاركه تجربته الأولى "مرسيدس"، وكان بطل عدد من أفلامه على امتداد مسيرته السينمائية، كذلك "ليلى علوي"، بطلة فيلم "الماء والخضرة والوجه الحسن"، وحضرت كذلك ناهد السباعي.

من الصعب أحياناً أن يتضح دور المخرج مع نص يجذب الأنظار بهذا الشكل، لكن يسري استطاع أن يميز عمله، ويبلور نص أمين راضي من خلال زوايا التصوير والإضاءة، وإن تفاوتت إدارة أداء الممثلين في بعض المشاهد، خاصة ليلى علوي وشخصية سلوى، إذ تكشف الأحداث أن سلوى ضحية فعل قاسٍ ودنيء من زوجها، لهذا تنتقم منه في مشهد فاصل في تاريخ وحياة الشخصية، تكشف فيه عن التخبطات التي تحملها، وتوجه ابنها لقتل أبيه بيده، رغم أهمية هذا المشهد وقوته، لكنه افتقر إلى الكثير من الجهد والتمرين وتوجيه المخرج لتوظيف اللهجات المختلفة، التي تنتقل بينها، وكذلك التعبير عن آلام الشخصيات والتحولات التي أفرزت هذه الشخصية القاسية.

رهانات أمين راضي ونصرالله في اختيار الممثلين كانت في محلها، إذ قدم الجميع أداءات مميزة بصورة عامة، وفي المقدمة باسم سمرة وغادة عادل، كما قدم أحمد السعدني دوره بنضج واضح رغم محدودية الشخصية في بداية الحلقات. كما يجب ذكر عمر رزيق، واحد من  الأسماء الملفتة في المسلسل، وكذلك عباس أبو الحسن تبلور حضوره بصورة كبيرة مع الاكتشاف الذي يتضح على مدار الحلقات.

"يا زهرة في خيالي رعيتها في فؤادي"، كلمات صالح جودت، التي تغنى بها فريد الأطرش، كانت تيمة "منورة بأهلها"، إذ تكررت على مسامع المشاهدين، وشكلت بعداً لفهم الشخصيات، وربط المشاهد بعضها ببعض، الملفت أيضاً هو حضور النيل، الذي لطالما لعب دوراً هاماً في السينما وحياة المصريين، لكنه في ديستوبيا "منورة بأهلها"، مقبرة، لا نراه في الصباح، ويظهر فقط في المشاهد اللليلة، كبحر أسود، لكن اللحظات والدلالات تتغير، وتنذر إضاءة العوامة بقتيل جديد، وعلى المياه أن تفتح أمواجها لاستقبال ضيف جديد يؤنس وحشة أقرانه في أحشاء النيل الأسود، فكل شيء مختلف في ديستوبيا "منورة بأهلها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard