هل حقاً تُشوه أغنية "ديسكو مغرب" صورة الثقافة الشعبية الجزائرية؟

الخميس 9 يونيو 202212:40 م

طرح الفرنسي (دي جي سنيك) قطعته الموسيقية الجديدة للاستماع على المنصات المخصصة بعنوان ( ديسكو مغرب)، وكانت القطعة معروفة لدى جمهوره الذي يتابع حفلاته إذ كان يقدم القطعة حصرياً في الحفلات والمهرجانات دون أن تكون متاحة للجميع. 

رافق القطعة الموسيقية فيديو كليب مصور في الجزائر، ورافق نشرها على منصات التواصل الاجتماعي شرح (دي جي سنيك): "تخيلت (ديسكو مغرب) كجسر يصل الأجيال والثقافات المختلفة، جسر يربط شمال إفريقيا والعالم العربي بما هو أبعد... إنها رسالة حب إلى شعبي".

 ويعتبر (دي جي سنيك) الفنان الفرنسي الأكثر انتشاراً عالمياً، وهو معروف باسمه الفني واسمه الحقيقي (ويليام سامي إيتين غريغاسين)، ولد وعاش في فرنسا مع أم جزائرية من منطقة القبائل، وقد اشتهر بحفلاته التي يقوم فيها بتقديم (ميكس) موسيقي وبإنتاجه تعاوناً مع عدد من الفنانين لعل أشهرها تعاونه مع الليدي غاغا. 

"تخيلت (ديسكو مغرب) كجسر يصل الأجيال والثقافات المختلفة، جسر يربط شمال إفريقيا والعالم العربي بما هو أبعد، إنها رسالة حب إلى شعبي". يقول (دي جي سنيك) عن أغنيته الجديدة.

تجمع قطعة (ديسكو مغرب) الموسيقا الإلكترونية مع موسيقا الراي، وتكرم القطعة الموسيقية كما الفيديو كليب الخاص بها شركة الإنتاج الموسيقي (ديسكو المغرب) التي اكتشفت الكثير من فناني الراي المشهورين عالمياً. ويقوم الفيديو كليب المصور في الجزائر على عرض الثقافة الشعبية الجزائرية ولا سيما الشبابية منها، مما أثار سخط وانتقادات الكثيرين، إذ اعتبر البعض أن ما يقدمه الكليب لا يمثل الصورة الحقيقية للجزائر، فيما رأى آخرون أن الصورة المقدمة في الكليب استشراقية وتنحصر في رؤية شخص لا يعرف البلاد جيداً وإنما يزورها في العطل.

 بالمقابل دافع فنانون جزائريون عن حرية (دي جي سنيك) في اختيار الجانب الذي يرغب بتصويره من البلاد، موضحين أن وظيفة الفيديو ليست ترويجية فهو ليس فيديو من إنتاج وزارة السياحة. 

يذكر الجدل القائم حول الفيديو كليب بنظرية أتخمتنا بها الأنظمة العربية حول ضرورة نقل صورة جميلة عن بلادنا للغرب، و"عدم نشر غسيلنا القذر" أمام الآخرين، وذكرني بحادثة جرت معي حين حصلت على منحة لدراسة اللغة الفرنسية في مدرسة صيفية في فرنسا في مراهقتي، إذ استدعتني مسؤولة المنح، التي لا أتذكر لأي إدارة كانت تابعة، لتشرح لي أنني سأكون "سفيرة لسوريا" وأنني يجب أن أنتبه للصورة التي أنقلها عن بلادي لمن أقابلهم في الغرب، وكان كلامها يرن في أذني كلما قابلت شخصاً يعرف موقع سوريا من الخريطة، وكان ذلك نادراً في مطلع الألفية الثانية حين قدمت للمرة الأولى، حتى أنني خفت من شخص سألني عن رأينا كسوريين في توريث السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه وتجنبته طوال الأمسية التي جمعتنا خوفاً من أن تكون السيدة ذات المكتب الخشبي الهائل قد أرسلته لاختباري. 

يذكر الجدل القائم حول الفيديو كليب بنظرية أتخمتنا بها الأنظمة العربية حول ضرورة نقل صورة جميلة عن بلادنا للغرب، و"عدم نشر غسيلنا القذر" أمام الآخرين

منذ اندلاع الثورة السورية وأنا أعيد النظر بتلك الفكرة المتعلقة بالغسيل الوسخ، إذ لا يخطر للأنظمة الاستبدادية أن "تنظف غسيلها" بدل أن تفرض على الجميع إخفاء حقيقة ما يجري. ورغم أن الفيديو كليب الذي أثار الجدل غير مرتبط بقضايا حقوق الإنسان ولا بالسياسة، فإن مطالبة فنان بتقديم ما هو جميل و"نظيف" تظل في نفس الإطار. 

كما يشرح الجدل حول الكليب مسألة أخرى جوهرية وهي الخجل الدائم من الثقافة الشعبية وتجنب إظهار الجانب الذي نظن أن الغرب سيحكم عليه بأنه "متخلف" من بلادنا، بينما هو في الواقع جانب يستحق الاحتفال، وهو ما يشكل جزءاً من خصوصيتنا وثقافتنا.

أعدت مشاهدة (ديسكو مغرب) عدة مرات، علماً أن عدد مشاهداتها خلال الأيام الأربعة الأولى لطرحها على موقع اليويتوب وصل إلى عشرة ملايين، ولم أستطع أن أكتشف وجه الإساءة التي يتحدث عنها البعض، فالفيديو يحاول نقل صورة عن الثقافة التقليدية والثقافة الشعبية الشبابية، وقد أقر المنتقدون أن الفيديو كليب لم يخترع واقعاً وإنما انتقى منه، وهنا يكمن جوهر الحرية الفنية في الاختيار والانتقاء، وإن المطالبة الدائمة بأن يكون الانتقاء محكوماً بما يعتقد المشاهد أنه الأنسب والأدق هو برأيي جوهر الرقابة التي يحاربها الفنانون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. 

منذ اندلاع الثورة السورية وأنا أعيد النظر بتلك الفكرة المتعلقة بالغسيل الوسخ، إذ لا يخطر للأنظمة الاستبدادية أن "تنظف غسيلها" بدل أن تفرض على الجميع إخفاء حقيقة ما يجري.

صحيح أن الرقابة المجتمعية لا تمتلك أدوات قمعية كتلك التي تمتلكها السلطة السياسية، وأنها لا تعاقب على مخالفتها كما تفعل الأخيرة، ولكنها بوجود وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تستطيع التضييق على الفنانين وتجييش ردود الفعل الجارحة ضدهم، كما أنها تستطيع الترويج لخطاب الكراهية والعنف أحياناً، وهذا ما يحولها إلى رقابة مقلقة في بعض الحالات، ولكنها في حالة منتج موسيقا على مستوى العالم قد لا تكون بنفس الأثر ولا يتجاوز أثرها خيبة الأمل، فقد رغب (دي جي سنيك) الذي لم يعش في الجزائر يوماً أن يقدم تحية لأصوله وأصول والدته التي ربته وعملت في مهن صغيرة كي تؤمن لابنها الفرصة والحياة الكريمة لكي يكون ما هو عليه اليوم، ولعل كونه لم يعش في البلاد يجعل صورته عن البلد سياحية وانتقائية، ولكن هذه الصورة تنضح بالجمال وبالرغبة في شرح أن الاختلاف بين الثقافات هو ما يميزها ويجعلها جميلة ولافتة. ولعل أسوأ ما يمكن أن يواجه الفنان هو التوقعات التي تطلب منه أن يشرح في عمل فني من أربع دقائق صورة بلاد قد لا يتفق أهلها أنفسهم عليها.

إن الخشية الدائمة من صورتنا العربية لدى الغرب، وخوفنا الدائم من سوء الفهم يوضحان أننا ما زلنا نعاني من عقدة نقص تمنعنا من تبني كامل ثقافتنا وخصوصيتنا. يفترض بنا أن نحب بلادنا وناسنا كما هم، دون أن يهمنا ما سيعتقد الآخر إن رآنا على ما نحن عليه، ودون أن نقلق دائماً من أنه سيظن أننا متخلفون.

 حين نحب أنفسنا وشكلنا ولوننا واختلافنا، لن نقلق بعد اليوم على "صورتنا"، فلن تعود الصورة هي ما يهم وإنما الواقع نفسه، واقع ما يعيشه الناس وحياتهم الحقيقية.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard