تساؤلات على هامش مقال ينظّر لإقصاء المثليين والمثليات

الأحد 5 يونيو 202202:10 م

في مقال بعنوان "جاك بوفريس يفند فكر ميشيل فوكو"، نُشر بتاريخ 30 أيار/ مايو 2022 في صحيفة الشرق الأوسط، يعتبر الكاتب السوري هاشم صالح أن جاك بوفريس الذي رحل عن هذا العالم قبل بضعة أشهر فقط دخل في "أرفع وأخطر مناقشة فلسفية في عصرنا الراهن".

خطورتها، برأي صالح، تتأتى من أنها "تخص مسألة الحقيقة، والمعرفة، والسلطة. والعلاقات الكائنة بينها"، مشيراً إلى أن بوفريس فنّد فكر فوكو وبيّن خطورته وكشف أن "فوكو الحقيقي" كان "شخصاً نسبوياً، عدمياً، لاعقلانياً، هيجانياً، جنونياً".

ويلفت إلى أن بوفريس أعطى مفهوم الحقيقة أو الحقيقة الحقيقية والحقيقة الموضوعية أحقيته بينما قضى فوكو على مفهوم الحقيقة والحقيقة العامة والمعرفة الموضوعية وأقام تطابقاً بين الحقيقة والسلطة وادّعى أن الحقيقة هي مجرد نتيجة لإرادة السلطة.

ويتابع صالح أن بوفريس فرّق بين السلطة والحقيقة، بينما يرى فوكو أن "السلطة هي الحقيقة والحقيقة هي السلطة"، ويضيف أن "هذا الهذيان ينبغي أن يتوقف لأنه يعني بكل بساطة التضحية بمفهوم الحقيقة والموضوعية العلمية والمعرفة الصحيحة وكل شيء"، متهماً فوكو بأنه "وقع ضحية الخلط بين الحقيقة الحقيقية والحقيقة السوسيولوجية أو الاجتماعية الجماعية".

بيت القصيد

كل ما سبق يندرج ضمن إطار جدل فلسفي معرفي، لكن ما يثير الحنق في مقال هاشم صالح هو قوله في آخر فقرة من المقال: "لا أملك إلا أن أطرح هذا السؤال: لماذا كان فوكو يريد التضحية بمفهوم الحقيقة؟ لماذا كان يريد تمييع مفهوم الحقيقة واعتباره مجرد إفرازات للسلطة وعلاقات القوة والهيمنة؟ لماذا كان يريد نزع هالة القداسة عن مفهوم الحقيقة؟ لا أتجرأ على كشف السبب خوفاً من إساءة الفهم. بلى سوف أتجرأ وأقول ما يلي: بما أن فوكو كان مثلياً شذوذياً بشكل قاطع فلم تكن له مصلحة في التفريق بين الصح والخطأ، أو بين الحقيقة واللاحقيقة، أو بين الذوق السليم والذوق المنحرف. لم تكن له مصلحة في الاعتراف بوجود شيء اسمه حقيقة في مجال الحب والجنس، ولا وجود معرفة موضوعية في هذا العالم. كان من مصلحته العكس تماماً، أي القول بأن الشذوذ الجنسي مشروع تماماً مثل الجنس الطبيعي بين الرجل والمرأة. وزواج الرجل من الرجل حق مشروع مثل زواج الرجل من المرأة. هذا يتساوى مع ذاك. و‘ما حدا أحسن من حدا’. لهذا السبب نقول إنه كان نسبوياً، عدمياً، إباحياً. كان من مصلحته تمييع الأمور والقضاء بشكل مبرم على مفهوم الحقيقة الموضوعية في مجال الجنس وغير الجنس. بل ربما كان يعتقد في قرارة نفسه أن الشذوذ هو الحقيقة الموضوعية المطلقة! لذلك أقول إن فوكو خطير وينبغي أن يسقط فكره في بعض جوانبه على الأقل. قائل هذا الكلام كان من أكبر المعجبين بميشيل فوكو في السنوات الباريسية الأولى. ولكن ما كنت قد فهمته على حقيقته بعد. يضاف إلى ذلك أنه كاتب كبير ذو أسلوب نيتشوي، بركاني، متفجر، تصعب مقاومته. كل مَن يعرف اللغة الفرنسية يفهم ما أقول. ونحن العرب قوم يطربون لسحر البيان". 

"هل المطلوب في حقول الدراسات الفلسفية والاجتماعية والمعرفية المختلفة أن نبقي على هالة القداسة حول مفهوم الحقيقة؟ وأن نقصي مختلف الانتماءات الجندرية ونحرمها شرعيتها؟"

يصدر صالح حكماً أخلاقياً ينتمي رأساً إلى نمط الأحكام الذكورية التي يعاني منها كل مَن ينتمي إلى هوية جندرية تخرج عن ثنائية "ذكر- أنثى/ رجل- امرأة" التي يدافع عنها الكاتب، بل يقول بكل صراحة إن الجنس بين الرجل والمرأة هو "جنس طبيعي" بينما ما عداه هو جنس غير طبيعي.

تساؤلات كثيرة

بالحد الأدنى، يتضمن هذا المقطع من المقال إقصاء للهويات الجندرية التي تخرج عن ثنائية "ذكر- أنثى/ رجل- امرأة". والسؤال: ألا يضحي الكاتب دفعة واحدة بفكرة الاختلاف واحترام توجهات الإنسان الجندرية؟ ألا يمكننا أن نعتبر نصه هذا مناهضاً للمكاسب الحقوقية الإنسانية التي حققتها مجتمعات الـLGBTQ، وهي من أبسط وأقل حقوقها؟ ألا يتضمن استخدام كلمة "الشذوذ" هنا بحد ذاته إساءة ويشي بأن صالح يعتبر أن القاعدة هي ثنائية "ذكر- أنثى/ رجل- امرأة" وأن ما يخرج عن هذه القاعدة ليس طبيعياً وليس مشروعاً؟ أليست الثنائيات الضدية "حقيقة- لا حقيقة/ طبيعي- غير طبيعي/ طبيعي- شاذ/ ذوق سليم- ذوق منحرف" هي نفسها الثنائيات التي يستند عليها فكر الإقصائيين لكل الهويات الجندرية التي تخرج عن هذه الثنائيات؟ أليس واضحاً أن صالح هو الذي يخلط بين "الحقيقة العلمية" والحقيقة في مجال الحب والجنس؟ أليس ما يقوله هو نفسه الخطير؟ ألا يمكننا أن نعتبر المقطع الأخير من مقاله بمثابة هدية للذين يبحثون عن تدعيم لمزاعمهم الإقصائية تجاه مختلف الانتماءات الجندرية؟

"إذا كان علينا أن نستنتج من مفاهيم ‘الطبيعي’ و‘الحقيقي’ أن لا حق للمثليين بالزواج وأن الجنس بين ‘الرجل’ و‘المرأة’ هو وحده المشروع فبئس المفاهيم هذه وبئس الاستنتاج ذاك"

لماذا على فكر فوكو إذن أن يسقط في جزء منه على الأقل من وجهة نظر صالح؟ لكي نتخلص من المثليين والمثليات أو نقصي كل الهويات الجندرية التي تخرج عن ثنائية "ذكر- أنثى/ رجل- امرأة"؟

هل المطلوب في حقول الدراسات الفلسفية والاجتماعية والمعرفية المختلفة أن نبقي على هالة القداسة حول مفهوم الحقيقة؟ وأن نقصي مختلف الانتماءات الجندرية ونحرمها شرعيتها؟ وهل يعني الحفاظ على هالة القداسة حول مفهوم الحقيقة أو الحفاظ على المفهوم والذهاب مع بوفريس إلى أن فوكو وقع ضحية خلط مفهومي أنه علينا أن نقصي كل ما يخرج عن ثنائية "ذكر- أنثى/ رجل- امرأة" كما فعل صالح؟

أليس القول إن فوكو أراد من وراء أبحاثه أو حفرياته المعرفية أن يبرر مثليته يقوم على نظرة تبسيطية لفكر الفيلسوف الفرنسي ويصدر حكماً أخلاقياً ذكورياً على غايته التي زعم هاشم صالح أنها وراء جهوده الفكرية؟ ثم مَن قال إن المثلية تحتاج إلى نظرية في جينيالوجيا المعرفة لتبرير مشروعيتها؟ ألا يكفي الجانب الوجداني أو أن البشر أحرار باختيار أنفسهم كي يكونوا مثليين أو أن يكونوا ما أرادوا؟

إذا كان علينا أن نستنتج من مفاهيم "الطبيعي" و"الحقيقي" أن لا حق للمثليين بالزواج، وأن الجنس بين "الرجل" و"المرأة" هو وحده المشروع فبئس المفاهيم هذه وبئس الاستنتاج ذاك. أما إذا لم يقفز الجدل الفلسفي المعرفي حول مسألة الحقيقة والسلطة من حقل إلى آخر بشكل اعتباطي أو لغايات مسبقة، ولم يصدر أحكاماً أخلاقية ذكورية، ولم يدعُ إلى حرمان الناس من حقوقهم في أن يختاروا أنفسهم وأن يعيشوا حريتهم فإن ذلك الجدل لن يثير الحنق.

عن نفسي أتمنى أن يكون فهمي لمقال هاشم صالح مجحفاً وخاطئاً على أن تتبيّن لي حقيقة أن فكره إقصائي. ونعم، نحن قوم يطربون لسحر البيان، إلا أن مقال هاشم صالح هذا لا يتّصف بذلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard