الحيطان لها آذان... عن الطائفية السياسية والحرب الأهلية

السبت 11 سبتمبر 202112:59 م

أثناء العهد الأسدي، ظهرت مقولة في سوريا شاعت بين مختلف أطياف الشعب، تقول إن "الحيطان لها آذان"، وهي كناية عن قناعة باختراق الأجهزة الأمنية لخصوصية البيوت والأماكن بجميع أشكالها، فحتى الحيطان لا تمنع وصول الأحاديث إلى المخابرات.

ولأن الخوف كان سيّد المشهد في الحياة اليومية، لم تكن تدور في الفضاءات العامة إلا الأحاديث التي تسمح بها السلطات السياسية-الأمنية. أما الأحاديث "المحرّمة"، فكانت تدور همساً، حتى في المنازل، ولكن ليس مع "الجميع"، إذ لا تستطيع أن تستأمن أيّاً كان في حديث سياسي في "سوريا الأسد"، لأن النظام جعل من أتباعه أدوات مراقبة على الناس وعلى بعضهم البعض، وجنّد الكثيرين في مخابراته وأجهزته الأمنية والعسكرية، ووضع حدوداً معروفة للجميع، تتطلب شجاعة كبيرة لتخطّيها.

أحد هذه الأحاديث التي كانت تدور همساً، كانت عن الدور السياسي الأمني للطائفة العلوية، فالسوريون جميعهم يعلمون أن العلويين يمسكون بمفاصل الدولة، وعلى وجه الخصوص الأجهزة الأمنية والجيش. هذه الأحاديث لم تكن طائفية، بل كانت عن الهيمنة السياسية فقط، أو بصيغة أخرى، كانت تدور عن "العلوية السياسية"، بدون أن تسمّيها بهذا الاسم.

عن العلوية السياسية

بعد اندلاع الثورة، اجترح المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم مصطلح "العلوية السياسية" الذي دار حوله الكثير من الجدل. اتُّهم العظم بالطائفية من قِبل بعض المستثقفين والطائفيين، وأصبح الحديث عن هذا المصطلح أو استخدامه يستفز البعض، أو أصبح من الأحاديث المسكوت عنها، ونُظر إليه كدرب مليء بالألغام، بل إن مجرد الإشارة إليه في سياق ما قد يجلب التّهم الطائفية الجاهزة.

قبل كل شيء، لا بد من القول إن مسار العلوية السياسية التي صنعها النظام لم يكن ليوجد لولا الأسدية السياسية، فهي شرط الإمكان الأول لكل التوجهات الطائفية في العهد الأسدي، لكن إجلاء الألغام ممكن وكشف النقاب عن المسكوت عنه ضروري.

"ما وصلت إليه سوريا من خراب وبؤس وقهر وكل ما يخطر على البال من أهوال، النظام هو المسؤول الأول والأخير عنها، وكل محاولة للتأريخ للأحداث الطائفية التي وقعت بدون تحميل النظام المسؤولية الأولى فيه، هو نوع من أنواع التأريخ السلطوي"

ما حدث في واقع الحال قبل الثورة أن النظام نجح في تطييف جزء من الشعب أو جرّهم إلى معمل الصناعة الطائفية، ويمكننا القول إنه نجح باستخدام الطائفة العلوية وسحبها إلى مساحة الهيمنة على السلطة، وبحجة حماية الأقليات من "البعبع السنّي" الذي غذّاه هو نفسه في عقول الأقلويين، عبر افتعال النعرات الطائفية. وحين اندلعت الثورة، وصلت سياساته الطائفية إلى أقصاها.

بعد وفاة صادق جلال العظم لم يُستخدم مصطلح العلوية السياسية كثيراً أو يكاد يكون قد اختفى، إلا أن هذا لا يعني أنه اختفى تماماً من حياة السوريين اليومية، لكن الأهم من ذلك أن بعض الطائفيين لا ينتبهون، أو يغفلون عن أن مساراً كالعلوية السياسية نتج عن الأسدية السياسية، بل يشيرون إليه لإذكاء الأحقاد الطائفية، التي سبق للنظام أن أذكاها وأوصلها إلى أعلى درجاتها.

عن الحرب الأهلية

خلال الثورة، نجح النظام بتقليب فئات من الشعب ضد بعضها البعض بحجج طائفية، أو نجح بخلق وتعزيز واستغلال النزعات الطائفية، فظهرت أصوات تتكلم عن الثورة كحرب أهلية، إلا أن هذا التوصيف مجحف ولا ينطبق على كل الخارطة السورية، فالثورة حملت في بعض المناطق وليس في كل الأوقات، سمات من الحرب الأهلية، بالتالي فإنه ليس من الإحجاف فقط، بل من المكر أيضاً أن نؤرخ لها بوصفها حرباً أهلية، لأن هذا المصطلح لا يصف ما حدث أثناء الثورة، ولأن النظام (أي الصانع الأول للطائفية) يستطيع أن يستفيد من هذا التأريخ.

ثمة مَن يحمّل الثورة مسؤولية الأحداث الطائفية وليس النظام، والحال أن الحروب الطائفية والأهلية تاريخياً هي صنيعة النظم السياسية بالدرجة الأولى، لذلك فإن كل حديث عن الأحداث الطائفية في زمن الثورة عليه أن يحمّل النظام المسؤولية الأساسية، ويشير إليها بوصفها أحداثاً طائفية، لا أن يقول إن الثورة انقلبت إلى حرب أهلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن القول إن الثورة انقلبت يعني أنها توقفت عن كونها ثورة، إلا أن ما حدث أن الثورة لم تنقلب لكنها هزمت تدريجيّاً وعلى امتداد سنوات.

"أحد الأحاديث التي كانت تدور همساً بين السوريين، كانت عن الدور السياسي الأمني للطائفة العلوية، فالسوريون جميعهم يعلمون أن العلويين يمسكون بمفاصل الدولة، وعلى وجه الخصوص الأجهزة الأمنية والجيش..."

بناء عليه، فإن حصول الأحداث الطائفية في سوريا يؤكد أنه لم يوجد عدو في التاريخ السوري تسبب للطوائف بكل هذه الدماء والأحقاد كما فعل النظام الذي انتهج الطائفية انتهاجاً وجرّ الناس إلى الدرك الأسفل.

ما وصلت إليه سوريا من خراب وبؤس وقهر وكل ما يخطر على البال من أهوال، النظام هو المسؤول الأول والأخير عنها، وكل محاولة للتأريخ للأحداث الطائفية التي وقعت بدون تحميل النظام المسؤولية الأولى فيه، هو نوع من أنواع التأريخ السلطوي.

النظام حرم السوريين من أبسط الحقوق الإنسانية، وقام بتشييد دولته الأمنية على جثثهم، ووصل بالعنف إلى حدوده القصوى. ولأنه لم ولن يقبل بالتعدد والاختلاف، لجأ إلى لعبته الطائفية المفضّلة، فصنع أعداء أو ساهم في صنعهم أو استغل وجودهم، كما استغل كل أنواع التطرف، ليزيح عن نفسه مسؤولية أفعال هو الذي ارتكبها أو كان المسبب فيها.

ويبقى أن ما أحدثته الثورة من أثر تحرري رغم هزيمتها العسكرية لن يستطيع النظام محوه مهما طال بقاؤه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard