ما الذي يمكننا أن نستفيد منه كعرب من تحليل شخصية هانيبال ليكتر؟

الأحد 25 أبريل 202111:37 ص

عندما سُئل عمّا حدث له أثناء الطفولة، أي الفترة التي قامت فيها مجموعة من الجنود بقتل أخته "ميشا" وأكلها، أجاب هانيبال ليكتر: "لم يحدث لي شيء، أنا ما حدث"، أي أنه يرى الإنسان بوصفه "حدثاً" يقع في الحياة أو في العالم، أو أن الأحداث هي ما يكوّننا، وبالذات الأحداث المؤلمة منها.

ونستطيع إضافة أنه يرى أن الإنسان مفتوحٌ على حدثية الحياة، أو أنه بحدّ ذاته حدثية مفتوحة على احتمالات لا تنتهي، وأن الكيان الخاص به يقيم في أحداثه الخاصة أيضاً، والأهم ربما أنه يرى الإنسان يتأوّل الأحداث في كل مرّة بوصفه كائناً يتجه حتماً إلى الموت، أو كائناً محكوماً بالزوال.

ولكن مَن هو هانيبال ليكتر وما الذي نستفيده من قراءة شخصيته؟

هو طبيب نفسي بارع يمتلك ثقافة واسعة وذاكرة حادة، ورسّام وموسيقي وطبّاخ ماهر، هو فنان ولكن أيضاً قاتل تسلسلي يأكل اللحم البشري، ويستخدم الجسد المقتول كمادة لصناعة الفن.

هانيبال الأخ

قتلُ أخته وأكلُ لحمها كان الحدث الحاسم في حياته. جعله يختبر مفاعيل القتل وآثاره النفسية في سن مبكرة، إلا أنه لا يتكلم عن أخته مع الآخرين ولا يرثيها، ولا يتورط في خطاب رومانسي عن الحداد ولا يُغرق نفسه في الحزن أو لا يسمح لأحزانه بالسيطرة عليه، لكن ذلك الحدث الذي وقع في الطفولة لم يغيّر نظرته الطفولية للعالم وللإنسان فحسب، بل ساهم بشكل أساسي في بناء شخصيته، وفتحها على مسارات مريرة، وإنْ كانت غير واضحة المعالم إلا أنها وضعت القتل أمامه كطريق محتمل، وما فعله هانيبال عند نضوجه هو أنه اختار ذلك الطريق عن عمد شديد.

كتب في إحدى رسائله لصديقه ويل غراهام: "إن ندباتنا لديها القدرة على تذكيرنا بأن الماضي كان حقيقياً". لكن قتل أخته ليس ندبة جسدية بل نفسية، نمط من العذاب الذي لا يمكن اعتباره حالة بل مقاماً، فهانيبال مقيم في ذلك العذاب القديم المشيّد في الذاكرة، إنه جرحه الذي لا يلتئم، والجراح تمتلك القدرة على أن تصبح جزءاً من أنفسنا العميقة، بحيث يمكن النظر إلى الإنسان بوصفه كائناً تنحته الآلام والعذابات والجروح من الداخل.

بعد ذلك الحدث، أصبحت "ميشا" حاضرة بغيابها ولكن بصورة حادة، صارت سيدة الغياب التي تمسك بتلابيب أخيها وتقوده إلى تعاطي جرعات من الجنون.

هانيبال القاتل

في رسالة لصديقه "ويل" يقول هانيبال: "إن مجتمعاً عقلانياً قد يقتلني أو قد يستفيد مني". ربما يشير هنا إلى عقلانية "الغرب" الذي حدد ما هو العقلاني واقترحه أو فرضه فرضاً على جملة الشعوب الأخرى، ولكن ما الذي يمكننا أن نستفيد منه كعرب من "مشاهدة/ قراءة" هانيبال، أي كبشر يعيشون في أفق مختلف عن الذي ظهر فيه؟

قد لا يُفهم هانيبال إلا بوصفه علامة من علامات العصر الحديث الذي صنع قَتَلة بإمكانهم الاستفادة من معارفه وتقنيّاته، ولعل مشاركتنا في قراءة هذه الشخصية تستمد مشروعيتها بالدرجة الأولى من كوننا جزءاً من "نادي الإنسانية الكبير".

"قد لا يُفهم هانيبال ليكتر إلا بوصفه علامة من علامات العصر الحديث الذي صنع قَتَلة بإمكانهم الاستفادة من معارفه وتقنيّاته، ولعل مشاركتنا في قراءة هذه الشخصية تستمد مشروعيتها بالدرجة الأولى من كوننا جزءاً من ‘نادي الإنسانية الكبير’"

لا يخاطب هانيبال العرب تحديداً، إلا أن موضوعة القتل عنده والتفريق بينه وبين الموت، مثيرة للاهتمام وما تقوله ليس أمراً نافلاً. فالموت كما يوضح مارتن هايدغر هو الإمكان الأقصى في الكيان الإنساني، والعلامة الحاسمة على هشاشة وجودنا، وهو أمر نختص به وحدنا لأن الحيوانات تنفق ولا تموت، أو لا تموت داخل سرديات، أما القتل فإشكالية من نوع آخر، هو فعل سياسي على الدوام، يرتبط بالسياسات الحياتية أو بأنماط السيادة، ويختزن عنفاً ما، لكنه ليس مجرد عنف، أي ليس مشكلة حقوقية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، هو إشكالية قديمة تتعلق بسياسات البقاء وحفظ النوع أيضاً، هو أمر على غاية من التعقيد ولا يصح اختزاله إلى مشكلة حقوقية.

عند هانيبال، القتل ليس انتقاماً، ولم يستخدم القتل للانتقام إلا عندما قتل الجنود الذين قتلوا أخته، وبعدها تجاوز هذا المفهوم صار يقتل لأسباب إيتيقية أو جمالية أو فنية، فيشكل لوحات من الجسد أو الأجساد المقتولة ويعرضها كلوحات فنية في مسرح الجريمة، أو يستخدم اللحم البشري لتقديم وليمة عشاء كبيرة.

باختصار، يمكننا القول إن هانيبال لا يقتل لأسباب هووية، وإن الفن إذا كان محاولة لتخليد الإنسان فالأمر معكوس لديه، إذ يصبح الإنسان عنده محاولة لتخليد الفن، وهذا قد يوضح سبب استخدامه للجسد المقتول كمادة لصناعة الفن، ولكن يجعل من فنه فناً محكوما بالزوال.

"الموت هو أمر نختص به وحدنا لأن الحيوانات تنفق ولا تموت، أو لا تموت داخل سرديات، أما القتل فإشكالية من نوع آخر، هو فعل سياسي على الدوام، يرتبط بالسياسات الحياتية أو بأنماط السيادة، ويختزن عنفاً ما، لكنه ليس مجرد عنف، أي ليس مشكلة حقوقية"

فالقتل هو القتل، ولا يمكن تشريعه بأي وجه من الوجوه، مهما حاول المتطرفون. وحدهما القتل دفاعاً عن النفس والقتل الرحيم من الممكن أن يكونا "مقبولين" أو غير مدانين أخلاقياً. ومع ذلك ثمة جدل كبير حولهما، لكن هانيبال لا يقتل دفاعاً عن النفس، ولا يدخل في سجال حقوقي أو أخلاقي عن القتل.

هانيبال الصديق

كون هانيبال قاتلاً تسلسلياً فرض عليه حياةً مزدوجة، وزاد من تعميق عزلته التي اختارها بملء إرادته، إلى أن تعرّف على "ويل غراهام"، المحقق الذكي الذي وجد فيه سريعاً ما يخوّله أن يكون صديقاً. لكن علينا أن ننوه إلى أن أحد مراكز القوة لدى هانيبال أنه لا يعاني من وحدته أو يكاد، وهي سمة يشترك بها مع ويل، لذلك قال له مرة: "في الوقت الذي يخشى فيه الآخرون عزلتهم، تغدو عزلتك أنت معقولة بالنسبة لك... إنك وحيد لأنك فريد من نوعك".

كسر الوحدة اليومية ليس هو الدافع وراء سعي هانيبال لتكوين صداقة مع ويل، إنما رغبته بشريك في القتل أو ما يمكن تسميته "غبطة القتل" التي وجدها في نفسه ولم يجد أحداً يشاركه إياها. هذا ما شكل الدافع عنده لتكوين تلك الصداقة، فهانيبال لم يتوانَ عن جرّ ويل إلى ارتكاب جرائم قتل، كي يورطه بما قد تصح تسميته بـ"الانفلات المفتوح" أو الرغبة بالقتل.

"لعل وجه الإفادة من هانيبال ليكتر أنه قد يكون ‘القاتل الأخير’ في أفق الإنسانية المعاصرة، فهو يقدّم لنا نموذجاً يمكّننا من تقويض أسباب القتل الأخيرة، أي الأسباب الفنية أو الإيتيقية أو الجمالية، بعد أن نكون قد قوضنا أسبابه الهووية"

إذا كان الصديق هو بيت السر، أي بيت الإخفاء والإظهار، والحال أن "ما يميّز الظهور هو الاختفاء" كما قال هيراقليطس، فإن ويل هو بيت سر هانيبال أو هكذا أراد له أن يكون. هو مَن يستطيع أن يُظهر ويُخفي أمامه وله بحرية ووثوقية الصديق. وما أراده هانيبال منذ البداية في الصديق الذي يستطيع أن يشاركه تلك الرغبة في القتل، التي يلتمسها القاتل في نفسه، هو تلك القابلية والاستعداد والرغبة لدى الصديق بأن يكون حارساً وشريكاً إذا وقعت معركة ما أو إذا حامت الأخطار.

لو كان عربياً

لو كان هانيبال عربياً، كان سيحفظ شعر المتنبي ربما، أو سيطّلع على جزء كبير من إرثنا الثقافي، لكن ظهوره في "الغرب" ليس مجرد صدفة تاريخية، فالقتل عندنا هوويّ وإمكانية ظهور القتل لأسباب "لا هووية" ضئيلة، ولعلّنا لم نعرف القتل لأسباب إيتيقية أو فنية أو جمالية، والحال أننا لا ينبغي أن نعرفه، ولا نحتاج إلى ظهوره في أفقنا الثقافي الأخلاقي حتى يكون لدينا موقف منه.

ولعل وجه الإفادة من هانيبال أنه قد يكون "القاتل الأخير" في أفق الإنسانية المعاصرة، فهو يقدّم لنا نموذجاً يمكّننا من تقويض أسباب القتل الأخيرة، أي الأسباب الفنية أو الإيتيقية أو الجمالية، بعد أن نكون قد قوضنا أسبابه الهووية.

الجدير بالذكر أن هانيبال ليس شخصية حقيقية، فقد ظهر بداية في عمل روائي ثم وجد طريقه إلى السينما ومن ثم إلى التلفزيون، لكنه تمكن عبر ظهوره المتعدد هذا من أن يشير إلى أن "حيواتنا تحوم في الظلمات" وأن "الجنون قد يشكل دواء بالنسبة للعالم الحديث، إذا تعاطيته بجرعات معتدلة قد يكون نافعاً".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard