انعطافات نحو نهاية ما... مَن يستطيع أن يكسر مراياه في مجتمع أصبحت المرايا أساسه؟

الاثنين 23 أغسطس 202112:50 م

النقاط التي تنتهي عندها الانعطافات التالية ليست بأي وجه من الوجوه "اكتمالاً للمعنى"، هي أيضاً انعطافات لا تعرف النهاية ولا تتوخى الكمال، ولا تدّعيه حتى إذا كان متاحاً.

انعطافة أولى

حين تكلم أمبيرتو إيكو عن "قوافل الحمقى" التي أتاحت لها وسائل التواصل الاجتماعي التعبير عن رأيها، على اعتبار أن هذه الوسائل أتاحت "للجميع" التعبير عن رأيهم، ظن البعض أنه يدعو إلى إخراس الناس أو سلبهم حق التعبير عن النفس، أو أنه مثقف متعالٍ لا يحترم الناس ولا يعرفهم، والحال أن كلام إيكو يصف مشهد الحياة الافتراضية بصورة عامة ولا يتضمن حكماً أخلاقياً أو تعالياً على أحد. والأهم من ذلك أن وصفه لهذا المشهد بـ"غزو الحمقى" يمتلك قدرة تفسيرية كبيرة، لم نستفد منها بعد بأفضل شكل ممكن.

انعطافة ثانية

وصَلَت الحياة المعاصرة إلى تعقيد لم يعرفه الإنسان في عصور سابقة. على سبيل المثال، فقط "الإنسان الأخير" الذي هو "نحن" يعرف معنى "مجتمع الفرجة"، هذا المجتمع البالغ التعقيد الذي يجري في حركة دؤوبة تستبدل الشيء بصورته، بحيث "يصبح العالم، صورة العالم". إنه الأفق الذي يتم تسليع الإنسان فيه بطرق لا تُعَدّ، والذي يتم الاستغناء فيه عن الإنسان واستبداله وإبعاده عن نفسه. إنه "المجال المرئي الذي لا يمكن الإمساك به"، العالم الذي أصبحت فيه الرؤية هي الحاسة الأقوى لدى الإنسان، مثلما قيل مرة. إنه "عالم الوقوع تحت أنظار العالم".

انعطافة ثالثة

يصف نيتشه الحضارة الحديثة بحضارة التجار، أي حضارة الوسطاء، أولئك الكسالى الخبيثين، المسلّعين الانتهازيين، الذين يجعلون من كل شيء أداة في السوق الخاصة بهم. حتى وسائل التواصل الاجتماعي (هذه السوق الكبيرة المفتوحة) التي لم تصبح جزءاً من حياتنا، بل أصبحت ركيزة لها، قد تكون بطريقة ما نتيجة من نتائج هيمنة التجار على أشكال الحياة.

انعطافة رابعة

الكوجيتو الذي يخصنا بما نحن بشر يعيشون في مجتمعات الفرجة، والذي يقول "أنا متصل بالإنترنت، إذن أنا موجود" يعني من ضمن ما يعني، أنه علينا أن نفكر حتى في عزلتنا بوصفها عزلة عن شبكات الإنترنت. هل عرف الإنسان قديماً هذا التسفيه لمعاني العزلة؟

انعطافة خامسة

مَن يستطيع أن يكسر مراياه في مجتمع أصبحت المرايا أساسه؟

انعطافة سادسة

ثمة مَن يدور في المدن السورية، حاملاً كاميرته/ هاتفه المحمول، باحثاً عن أي لقطة، لكي يستطيع من خلالها أن يثبت جدارته كمصوّر. سرعان ما سيجد البؤس والمعاناة والعجر والقهر والفقر وكل ما يمكن وصفه من السلوب التي يقع الإنسان تحت وطأتها. إنها فرصته الكبيرة لكي يثبت لنفسه وللآخرين أن لديه عين حساسة للواقع المعيش، عين ترى بؤس الناس بعطف كبير.

"استخدام معاناة وبؤس الناس وتصوير وجوههم دون إذن منهم، ونشر هذه الصور لتجميع أكبر عدد من ‘اللايكات’ هو بشكل صارخ ومريع انتهاك لكرامة الناس الذين سبق للنظام أن انتهكهم بكل الطرق الممكنة"

هذا المصور يندرج تحت صنف المصورين الوسطاء، الذين يمكن اعتبارهم جزءاً من قوافل الحمقى التي تكلم عنها أمبيرتو إيكو، الذين لا يجدون حرجاً أو مشكلاً في نشر صور لوجوه الفقراء والمهمشين حتى دون أن يسألوهم عن رغبتهم في الظهور على شبكات الإنترنت، أولئك المهمشين الذين ابتلعتهم الأنظمة السياسية والاقتصادية، وينامون في الشوارع والحدائق أو أين ما تيسر لهم، يتم تسليعهم عن طريق الكاميرا بطرق عديدة، ويُستخدمون كـ"مواضيع فنية" من قبل المصورين الوسطاء.

هؤلاء المصورون يستفيدون من أن ثمة مَن يعاني، إنهم وسطاء/ تجار يسلّعون معاناة الناس وبؤسهم، ومَن أُعجب بصورهم وقال لهم إنهم يمتلكون الحق بنشر صور هؤلاء الناس على صفحاتهم يشاركهم نفس الحماقة. إن استخدام معاناة وبؤس الناس وتصوير وجوههم دون إذن منهم، ونشر هذه الصور لتجميع أكبر عدد من "اللايكات" هو بشكل صارخ ومريع انتهاك لكرامة الناس الذين سبق للنظام أن انتهكهم بكل الطرق الممكنة.

"هذه العين الحديثة التي أسميناها ‘الكاميرا’ لديها قدرة على القتل والإساءة تفوق قدرة الرصاص أحياناً"

بطبيعة الحال، ليس كل تصوير انتهاك لكرامة الناس، لكن وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالصور التي تسلّع معاناة الناس وبؤسهم وعجزهم، ولعل الجميع يعلم أن النظام مسؤول عن هذا البؤس المعيشي، لكن جزءاً من هذا "الجميع" يشارك النظام بانتهاكاته دون أن يعي ذلك.

ما أريد قوله بشكل مختصر، أن هذه العين الحديثة التي أسميناها "الكاميرا" لديها قدرة على القتل والإساءة تفوق قدرة الرصاص أحياناً.

انعطافة سابعة

قال سليم بركات مرة: "الكتابة: بطش يمتحن المنسي"، لكنه لا يرى مهرباً منها إلا إليها، بل هو يعيش فيها ويعلن مراراً أن عالمه لغوي وأن مكان إقامته ليس إلا اللغة. أما في مجتمعات الفرجة، فقد يكون الوضع مختلفاً، أصبح ما هو أو مَن هو منسي، يبطش بالكتابة.

إذا أردنا أن نرى التسفيه الذي أصاب الكتابة، لننظر فقط إلى كم المقالات التسطيحية التي أتاحت مواقع التواصل ظهورها، وكم أصبح سهلاً على "الجميع" أن يدعي أن ما يكتبه أدبٌ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard