أزمة الحمى النزفية في العراق... المواطن يواجه الأزمات المتلاحقة وحيداً

الثلاثاء 31 مايو 202203:48 م

تتسارع وتيرة الأزمات الصحية في العراق بشكل غير مسبوق، إذ لم تكَد أزمة الوباء العالمي كورونا ترفع ظلالها عن البلاد، حتى بدأ مسلسل كارثي جديد، بطله هذه المرة حمى القرم-الكونغو النزفية، والمعروفة بالحمى النزفية.

فيروس الحمى النزفية ليس جديداً على العراق، حيث سُجلت أولى إصاباته بشكل رسمي في عام 1979، ولكن منذ ذلك الحين لم يشكل هذا الفيروس خطراً كبيراً على المجتمع، خاصةً أن نسب الإصابة به لم تكن مستمرةً بشكل سنوي، وغالباً ما كان يسارع إلى الإحاطة بها صحياً، ولكن خلال العام الحالي أتى على غير العادة، إذ سجلت وزارة الصحة أكثر من 111 إصابةً و19 حالة وفاة ناتجة عن هذا الفيروس خلال شهر واحد.

محافظة ذي قار في جنوب العراق حصلت على حصة الأسد من الإصابات، إذ سجلت 43 إصابةً و8 وفيات، وهو ضعف إصابات العام الماضي الذي كانت حصيلته إصابة 16 مواطناً فقط، بينهم 7 وفيات.

فيروس الحمى النزفية ليس جديداً على العراق، حيث سُجلت أولى إصاباته بشكل رسمي في عام 1979، ولكن منذ ذلك الحين لم يشكل هذا الفيروس خطراً كبيراً على المجتمع

والحمى النزفية هي مجموعة من الأمراض المعدية مثل حمى الضنك والإيبولا والحمى الصفراء، والتي تمنع قدرة الدم على التجلط، وتالياً تتسبب بضرر في الأوعية الدموية الصغيرة في الجسم، محدثةً نزيفاً فيها، ولكن أعراض هذه الإصابات تختلف بحسب نوع الفيروس، ومن ثم فإنها قد تكون خفيفةً ويمكن علاجها خلال أيام معدودة، أو خطيرة تنتهي بالوفاة الحتمية للمصاب.

وينتشر هذا الفيروس عبر تعرّض الإنسان لدماء الحيوانات أو الأشخاص المصابين، وسوائلهم، وتزداد فرضية الإصابة في حالة ملامسة هذه المسببات للجروح المكشوفة أو التعرض للدغات الحشرات الناقلة للمرض، مثل البعوض أو القراد.

في الأيام الماضية، سبّب انتشار المرض في العراق حالةً من الهلع بين المواطنين، وترتفع وتيرة هذا الخوف نظراً إلى قرب عيد الأضحى واتجاه الناس نحو ذبح الأضاحي وشراء اللحوم، في ظل عدم وضوح معالم سيطرة الجهات المعنية على الوضع الصحي للبلاد.

مكافحة خجولة

تسارع وتيرة انتشار الفيروس في العراق، دفع الحكومة المحلية في العاصمة بغداد إلى تشكيل غرفة عمليات تضمنت عدداً من مسؤولي مجلس المحافظة بالإضافة إلى مسؤولين من وزارات الصحة والبيئة والزراعة.

وبدأت غرفة العمليات بحملات موسّعة للوقاية من هذا الفيروس، بالإضافة إلى إطلاق خطة توعية اجتماعية للحيلولة دون ارتفاع عدد الإصابات، بحسب تصريح محافظ بغداد محمد جابر العطا، لوكالة الأنباء العراقية، خلال الأسبوع الماضي، ولكن هذه الإنجازات لم يتم توثيقها بشكل رسمي، كما أن ردة الفعل الحكومية المتأخرة، والتي جاءت بعد بداية الأزمة بأكثر من 3 أسابيع، تدفع إلى الاعتقاد بعدم جدية الخطوات المتخذة.

ينتشر الفيروس في المناطق الريفية والجنوبية أكثر من غيرها، فيما يبدو أن خطة وزارة الصحة العراقية لمكافحة انتشاره يشوبها الكثير من التقصير، فيما تقول وزارة الزراعة إنها اتخذت العديد من الإجراءات إلا أن تفشيه لا يعكس هذا الكلام

وبما أن الفيروس ينتشر بشكل رئيسي في الأرياف والمزارع العراقية، فإن وزارة الزراعة هي أحد المتهمين في تأخر علاج الأزمة، ولكن مصدراً في وزارة الزراعة فضل عدم الكشف عن اسمه، أكد أن الوزارة اتخذت العديد من الإجراءات لمكافحة انتشار الفيروس منذ مطلع فصل الصيف، ولكن فشلها في السيطرة عليه يرجع إلى عوامل عدة.

وأوضح المصدر لرصيف22، أن الجانب الأول هو عدم وجود تعاون فعلي بين وزارة الزراعة وبقية الجهات المعنية، لا سيما أن الوزارة عاجزة عن تغطية الرقعة الجغرافية لانتشار الفيروس وحدها، بالإضافة إلى عدم قدرتها على توفير المعدات المستخدمة في هذا الأمر.

وأضاف أن "الواجب في مثل هذه الحالات هو تشكيل لجنة على مستوى عالٍ، تمدّ الفرق المختصة بالمكافحة بما تحتاج إليه، بالإضافة إلى زيادة عدد أعضاء الفرق القائمة بالواجب، نظراً إلى مساحات الإصابة الشاسعة".

كورونا والحمى

وزارة الصحة لم تكن بعيدةً عن مشهد الأزمة، إذ يشير مصدر في المركز الوطني للسيطرة على الأمراض الانتقالية التابع لوزارة الصحة، إلى أن وزارة الصحة لا تزال غير مستعدة حتى الآن لمواجهة الموجة الخامسة من وباء كورونا، فضلاً عن استعدادها لمكافحة فيروس الحمى النزفية.

أعلنت وزارة الصحة نهاية شهر نيسان/ أبريل الماضي، عن احتمال تعرّض العراق لموجة وبائية خامسة من جائحة كورونا، بالرغم من أنه يشهد تراجعاً ملحوظاً في بقية بلدان العالم

وكانت وزارة الصحة قد أعلنت نهاية شهر نيسان/ أبريل الماضي، عن احتمال تعرّض العراق لموجة وبائية خامسة من جائحة كورونا، بالرغم من أنه يشهد تراجعاً ملحوظاً في بقية بلدان العالم.

وكشف المصدر الذي فضل عدم التصريح باسمه، أن نسبة العجز الحالية في قدرة المؤسسات الصحية على توفير الأدوية والعلاجات تجاوزت حاجز الـ60%، بالإضافة إلى انخفاض القدرة الاستيعابية للمستشفيات العراقية وردهات العزل بشكل كبير.

ولفت إلى أن الوزارة تلقت تحذيرات عدة من لجان البحث التابعة لها، ومنظمات دولية ومنها منظمة الصحة العالمية خلال السنوات السابقة، تؤكد أن العراق سيتعرض لموجات فيروسية مختلفة، ناتجة عن التغيرات المناخية والجفاف، إلا أنها أهملت هذه التحذيرات، لاعتقادها بأنها موجات فيروسية مؤقتة، تنتهي بانتهاء مسبباتها الفصلية.

يُذكر أن الوزارة قد تعرضت للكثير من الاتهامات بالتقصير في تقديم خدماتها للمواطنين، إبان موجة العواصف الترابية التي شهدها البلد خلال الفترة الماضية، نتيجة تلكؤ موظفيها الصحيين، وعدم وجود كوادر طبية متدربة على الحالات الطارئة.

الأثر الاجتماعي

تجاهل المسؤولين الحكوميين للتوصيات والتحذيرات المقدمة لهم، أفقد البلد قدرته على اتخاذ التدابير الوقائية أو العلاجية في الفترة الراهنة، ما يضع جميع محاولات السيطرة على فيروس الحمى النزفية في الوقت الحالي، في خانة الشكليات التي لن تقدم ما يتطلبه الوضع الصحي، وهو ما ينذر بكوارث اجتماعية واقتصادية جمة، سيعاني منها العراق خلال الفترة القادمة.

برأي الباحثة الاجتماعية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، سجى خالد، فإن انتشار فيروس الحمى النزفية بدأ فعلاً بالتأثير على المواطنين، لا سيما في الجانب الاقتصادي، إذ يهدد الكثير من القطاعات العاملة في مجال الثروة الحيوانية بالبطالة، وتالياً زيادة حدة التوتر، التي تعدّ العامل الأبرز في ارتفاع حالات العنف والجرائم.

انتشار فيروس الحمى النزفية بدأ بالتأثير على المواطنين، لا سيما في الجانب الاقتصادي، إذ يهدد الكثير من القطاعات العاملة في مجال الثروة الحيوانية بالبطالة، وتالياً زيادة حدة التوتر، وارتفاع حالات العنف والجرائم

يُذكر أن قطاع الثروة الحيوانية يتنوع في العراق بين بيع المواشي ولحومها وشرائها، ومصانع التعليب والألبان، بالإضافة إلى صناعات الأقمشة والمستلزمات الحيوانية والزراعية.

ولفتت خالد في تصريحها لرصيف22، إلى أن الفرق الجوالة التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، سجلت تضخماً كبيراً في ارتفاع نسب البطالة منذ عام 2020، لا سيما في مناطق الأرياف، وهو تضخم يوضع في خانة أبرز مسببات انتشار الفيروسات في البلاد، لا سيما وأن الكثير من قاطني هذه المناطق عاجزون عن توفير قيمة الأدوية، وتالياً فإن هذا السبب، هو ما يبرر انتشار الفيروس بشكل أكبر ضمن مناطق جنوب البلاد، والمناطق الفقيرة.

وفي سياق متصل، فإن التضخم المالي العالمي، واختلال أسعار صرف العملة المحلية، قد ينقل الأزمة إلى مستوى جديد يتجاوز الطبقات الفقيرة وأزمة البطالة، ليشمل الطبقة المتوسطة، بسبب ارتفاع أسعار الأدوية بشكل جنوني الذي يترافق وثبات قيمة رواتب المواطنين.

ووفق هذه المعطيات، فإن العراق يقف على منحدر كارثة اجتماعية أخرى، تهدد حياة مواطنيه، يرافقها عجز واضح عن إيجاد سبل الحل، أو إهمال الحلول، لتُضاف هذه الكارثة إلى سجل الكوارث المتتالية في البلاد التي يُترك فيها المواطن لمواجهة مصيره وحيداً.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard