زنا المحارم في العراق... أن يطلب منكِ زوجك "تحمّل رغبات" أشقائه الأربعة

الخميس 3 مارس 202206:34 م
Read in English:

Incest in Iraq... A husband asks his wife to put up with his brothers’ desire


تتحدث منظمات وناشطون مدنيون عن ارتفاع معدلات التحرش بالمحارم في المجتمع العراقي، لكن ضحايا هذه الظاهرة يخشون الحديث في ظل السطوة الدينية والعشائرية التي ترفض أي مساس بأعراف المجتمع وعاداته، بغض النظر عن نوع الجريمة المرتكبة والتي تحمل المرأة مسؤوليتها.

لم تجد ع.م (15 عاماً)، خياراً سوى الهرب من تحرش ذوي القربى. عانت كثيراً من تحرش أخيها المستمرّ ورفض والدتها تصديق الأمر، فاضطرت إلى تسجيل دعوى في مركز الشرطة بحق شقيقها، وهربت بعدها خوفاً من القتل إثر قيامها بالخروج عن الأعراف والتقاليد السائدة، وتقول: "عندما أبلغت أمي بما أتعرض له، هددتني واتهمتني بأني على علاقة مع شخص آخر. لم أجد خياراً سوى الشكوى إلى الشرطة، لكنهم لم يعيروا الأمر أهميةً، وهنا كان لا بد من الهرب لأن العودة تعني القتل، فأنا في نظر عشيرتي خارجة عن الأعراف".

يعدّ قانون العقوبات العراقي جرائم الزنا بالمحارم جرائم جنائيةً أسوة ببقية الجنايات، من دون أن يفرد لها فصلاً مختصاً

حنان (24 عاماً)، تسكن في شرق العاصمة بغداد، تعرضت لتحرش جسدي من قبل والد زوجها، واختارت رفع قضية زنا محارم بحقه، إثر صمت زوجها مراراً عن التحرك إزاء الأمر. بعد الدعوى تطلقت حنان من قبل زوجها بحجة خروجها عن التقاليد والتشهير بوالده، بينما لم يتم أي إجراء بحق والده حتى اليوم. تروي ما حصل معها وتقول: "تزوجت وأنا أبلغ من العمر 16 عاماً، ومراراً كنت أتعرض لمضايقات جسدية من قبل عمي، والد زوجي، وقد أخبرت زوجي مرات عديدةً، ووعدني بأنه سيتصرّف، لكن شيئاً لم يحصل. كان عمّي ينتظر خروج زوجي من المنزل حتى يتحيّن الفرصة ويبدأ بمضايقتي ومحاولة الوصول إلى مبتغاه بطرق عدة".

الخريطة تتسع

لم تكن حنان هي الوحيدة التي رفعت قضيةً بحق متحرشين من المحارم في بغداد. تقول شيماء، اسم مستعار، إنها وفي اليوم التالي لزواجها، تعرّضت لمحاولة اعتداء جسدي من قبل شقيق زوجها، و"لولا مقاومتي وصراخي لما تخلصت من أنياب هذا الوحش، والأدهى كان رد فعل زوجي الذي طلب مني بكل بساطة تقبّل الأمر إلى حين زواج أخيه". تُضيف: "صدمتي بما تعرضت له كانت لا شيء أمام رد فعل زوجي الذي أبلغني بضرورة التماشي مع رغبات إخوته الأربعة، إلى حين قدوم زوجة أخرى لإعانتها في الموضوع".

هذه الحوادث التي كثرت مؤخراً، وأثارت سخطاً شعبياً في العراق، دفعت بالكثير من الناشطات للدعوة إلى تفعيل قانون العنف الأسري، وتشكيل لجان سرية خاصة في مؤسسات الدولة وفي المدارس وفي الجامعات، للتحقيق في هذه الحالات وتحويلها إلى مراكز متخصصة لمتابعة ما يحدث خلف جدران المنازل من دون الكشف عنه، تحت غطاء العار والتقاليد.

إثبات التحرش أو الموت

على الرغم من اعتراف المحاكم العراقية والشرطة المجتمعية بوجود هذه الحالات، إلا أن هناك معوقات تواجهها النساء تتمثل في كيفية إثبات التحرش وإقناع المجتمع والقانون بأنهن ضحايا رغبات أقرب الناس إليهن، ويُبيّن الخبير القانوني صفاء اللامي أن "القانون يفرض وجود الأدلة الكافية للمضي قدماً".

لا تنفي الشرطة العراقية تعرض الضحايا للتصفية الجسدية بسبب الاعتقادات السائدة بأنها تسيء إلى سمعة العائلة

ويُعدد اللامي الأدلّة المطلوب توافرها، وهي "الفحص الطبي، وشهادة الشهود، وتصوير الكاميرات أو أي تسجيل يثبت حصول الاعتداء، وفحص السائل المنوي إذا كان هناك اغتصاب، وإفادة المشتكية ومطابقتها مع القرائن، ثم يأتي دور التحقيق لدراسة تلك الأدلة"، مشيراً إلى أن "وجوب توافر تلك الأدلة تجهله الفتيات المتعرضات للتحرش، كما أن توافر الأدلة لإثبات التحرش يُعد من أهم المشكلات والمعوقات التي تحول دون التقدم بالشكوى، فضلاً عن الخوف من القتل في حال عدم تصديقها بحجة جلبها العار لذويها".

محركات مشجعة

يؤكد اللامي الحاجة إلى سنّ تشريعات جديدة أو تعديل التشريع الحالي المتمثل في قانون العقوبات رقم 111 لعام 1969. وينص القانون في المواد 393/ 2 ب، وم 369 فقرة 2، وم 397، على عدّ جرائم الزنا بالمحارم جرائم جنائيةً أسوة ببقية الجنايات، من دون أن يفرد لها فصلاً مختصاً، موضحاً أن "القانون اكتفى بإضافة مدة سنتين أو أكثر على العقوبة فقط، وهذا يُعدّ معالجةً معيبةً لقضية حساسة وخطيرة كقضايا زنا المحارم التي تمس نواة المجتمع ويُفترض أن تكون عقوباتها رادعةً".

وتلعب مواقع التواصل دوراً في التشجيع على ارتكاب جرائم زنا المحارم، كما يشير مختصون، وينوّه العميد غالب العطية مدير الشرطة المجتمعية إلى قيامهم بغلق العديد من الصفحات التي تشجع الشباب على ارتكاب تلك الجرائم، وتحفز غرائزهم للقيام بها، موضحاً أن "زنا المحارم موضوع له خصوصية في المجتمع العراقي، كونه مجتمعاً إسلامياً وأغلب الجهات ترفض الاعتراف به".

لولا مقاومتي وصراخي لما تخلصت من أنياب هذا الوحش، والأدهى كان رد فعل زوجي الذي طلب مني بكل بساطة تقبّل الأمر إلى حين زواج أخيه

يؤكد العطية أن الشرطة المجتمعية استقبلت حالات كثيرةً من زنا المحارم ووثّقتها، داعياً الضحايا إلى "التوجه إلى المراكز لإقامة الدعاوى، لا سيما بعد أن اتخذت المحاكم العراقية عقوبات بحق المعتدين"، إلا أنه لا ينفي تعرض الضحايا للتصفية الجسدية بسبب الاعتقادات السائدة بأنها تسيء إلى سمعة العائلة، مشيراً إلى قيام دائرته بإجراء زيارات ميدانية لتقديم الدعم النفسي للضحايا والحرص على عدم تعرضهن للعنف بعد الإبلاغ عما تعرضن له.

التستّر

ويؤدي رفض المجتمع لتقبل الاعتراف بظاهرة زنا المحارم، إلى تفاقم أضرارها وما تتسبب به من آثار كبيرة على الضحايا، فالصبغة الإسلامية والعشائرية تلقي بظلالها لناحية رفض الضحايا الشكوى، أو الحديث عما يتعرضن له، فضلاً عن عمليات القتل التي تعرّضت لها كثيرات من الفتيات اللواتي اخترن الحديث عما يحصل معهن خلف الجدران والقيود المنزلية والعشائرية.

وحاول رصيف22، الوصول إلى إحصائيات دقيقة لهذه الاعتداءات لدراسة أسبابها، إلا أن أغلب الإحصائيات الموجودة تقريبية، لكن حسب المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى، فإن العنف المنزلي ضد النساء بلغ 1،449 حالةً ضد النساء عام 2021. أما وزارة الداخلية فقد أعلنت عبر حسابها الرسمي أنها سجلت أكثر من خمسة آلاف حالة عنف ضد النساء منذ مطلع عام 2021، وأضافت في تقريرها المعلن أن بعض حالات الاعتداء لم يتم إحصاؤها بسبب عدم التبليغ في المراكز، كون النساء يخشين تقديم الشكاوى خوفاً من التصفية".

عندما أبلغت أمي بما أتعرض له، هددتني واتهمتني بأني على علاقة مع شخص آخر. لم أجد خياراً سوى الشكوى إلى الشرطة، لكنهم لم يعيروا الأمر أهميةً، وهنا كان لا بد من الهرب لأن العودة تعني القتل

التحرّش والاعتداءات الجنسية بحق النساء من قبل الأقارب، دفعت كثيرات من التربويات إلى نشر التوعية بين صفوف النساء عن طريق الورش التدريبية، وكان عامل مواقع التواصل الاجتماعي من العوامل المساعدة لنشر أساليب توعوية للحماية الشخصية بطريقة أسهل، وحثهنّ على تقديم شكاوى في المراكز.

توضح التربوية الدكتورة إخلاص جاسم جبرين، وهي إحدى ناشطات التوعية في هذا المجال، أن "مثل هذه الاعتداءات تؤثر على الوضع النفسي للنساء، إذ يتأثر المُعتدى عليه جنسياً بآثار خطيرة تُحدث تغيّرات نفسيةً وفيزيولوجيةً، مثل الشعور بالعار والخجل والخوف والتوتر، وترتبط بآثار جسمانية مثل سوء الهضم والصداع والقيء وزيادة التعرق، وتنشأ معتقدات خطأ، كالخوف من ممارسة الجنس مستقبلاً، وشعور الشخص بالمراقبة من قِبل الآخرين، وكُل ذلك يؤدي إلى سيطرة أفكار انتحارية على غالبية من الضحايا".

حسب المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى، فإن العنف المنزلي ضد النساء بلغ 1،449 حالةً ضد النساء عام 2021

وتتحدث جبرين عن أهمية أن تحصل ضحايا العنف الجنسي على جلسات نفسية خاصة ومراقبة من قبل أطباء متخصصين، مشيرةً إلى أهمية معالجة هذه المواضيع مجتمعياً، عن طريق فرض القانون، وإقرار قوانين رادعة، للتخلص من هذه الظواهر التي تفتك بالمجتمع".

حكم القانون العشائري

حسب إيناس هادي سعدون، وهي متخصصة في علم النفس، فإن الأسباب التي تؤدي إلى عدم إفصاح النساء عما يتعرضنَ له من تحرّش من ذوي القربة، "الخوف وهو المسبب الرئيسي لمنع المرأة من التحدث وفضح المتحرش، خاصةً أن القانون العشائري يتزامن مع سلطة القانون في مجتمعنا العراقي، ويأخذ صدارةً وحيزاً أكبر في التنفيذ، فضلاً عن وصمة العار التي تتعرض لها المرأة والنظرة الدونية إليها من المجتمع".

وتضيف: "أيضاً هناك جهل المرأة بحقوقها الشرعية، وقلة وعيها تجعلها خانعةً خاضعةً للسطوة العشائرية، وعدم استقلالها مادياً وفكرياً، إذ إن كثيرات من النساء يعشن في منأى عن المجتمع الخارجي، فليس لديهن أي تواصل مع جهة قانونية أو منظمة حكومية أو أي وسيلة تواصل أخرى تشجعهن وتوعّيهن على تقديم الدعاوى أو الشكاوى وحماية أنفسهن من ضرر الأهل والمتحرش".

روايات كثيرة لنساء وقعن ضحية تحرّش أو اغتصاب من ذوي القربى، لا يجدن من يحميهن. يبحثن عن القانون وأمانه فيصطدمن بتغلغل التقاليد والفكر العشائري، فيخترن السكوت، فيما المتحرّش يفاخر، أو في الحد الأدنى لا يكترث لما يقوم به، لأنه محمي، ولأن النساء يتكتمن، وهذا ما بدأ يتغيّر في العراق اليوم، إذ هناك من يتحدث ويعلّي الصوت، علّه يصل، فيما تبقى الدولة أسيرة العشيرة، والمرأة ضحيةً إلى أجل غير مسمّى، على ما يبدو.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard