"سياحة يا رسول الله!"... أوليا جَلبي، فتى القصر الذي أصبح رحّالة بعد رؤيا النبي

الاثنين 30 مايو 202204:29 م

رحالةٌ الحديث عنه مُربك رغم شهرته، والوقوف على سيرته طالما حيّر الباحثين. في تركيا يعتبرونه أهم رحالة أنجبته الدول المتحدثة بالعربية، بل إنه عندهم يفوق ابن بطوطة مجداً ورِفعة؛ إنه الرحالة العثماني أوليا جَلبي.

أوليا جَلَبي... سيرة يكتنفها الغموض!

لم يحدد الباحثون اسمه، فالمتعارف عليه أنه "أوليا جلبي"، وفقاً لما ذكره المشتغلون بالدراسات التركية من أمثال سامي بك في مصنفه الضخم "قاموس الأعلام"، لكن الغريب أن الاتفاق كان على أنّ اسم أبيه درويش محمد ظلي، وجده دمبرجي أوغلي فره أحمد، وأن نسبه ينتهي إلى الصوفي الشيخ أحمد اليسوي، بحسب ما صرح به أوليا نفسه في كتابه الموسوعي "سياحتنامه"، وكذلك الدكتور جاويد بايصون في "دائرة المعارف الإسلامية" بنَصِّها التركي، وفقاً للدكتور عمرو محمد عبد الباقي، في رسالته "الرحالة التركي أوليا جلبي" المنشورة بمجلة كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر.

ويقول عبد الباقي، إن المؤرخين يكادون يُجمِعون على أن "أوليا جلبي ولد سنة 1020 هـ/1611م، وأن محل ولادته هو إستانبول، وهناك من الباحثين من كان أدنى إلى التحديد، فذكر أنه ولد في (أون قباني) التابعة لإستانبول، وربما أن أوليا قد أشار في كتابه (سياحتنامه) إلى (أون قباني)".

ويضيف عبد الباقي في رسالته: "الجدير بالذكر أن أوليا نفسه يشير في تضاعيف كتابه (سياحتنامه) إلى بعض الجوانب المتعلقة بنشأته وتحصيله وأسرته، ولكنها إشارات موجزة لا تكشف بوضوح عن كل ما يتعلق بحياته الخاصة".

رغم ذلك، هناك محاولات للوقوف على رحلة أوليا لتحصيل العلم في صباه، أوردها عبد الباقي في رسالته، بقوله: "إن أوليا اختلف منذ صباه المبكرة إلى المدرسة التي يتعلم فيها الصبية... وصار تلميذاً لشيخ الإسلام حامد أفندي، ودرس لمدة سبع سنين على يد أخفش أفندي، وأتقن حفظ القرآن الكريم، وتعرف على أستاذه أوليا محمد أفندي... وصحّت عزيمة أوليا على أن يتفرغ للعلم".

يُعدّ العام 1648م، علامة فارقة في حياة الرحالة أوليا جلبي، ففيه بدأت رحلاته التي استمرت زهاء خمسين سنة من حياته، بدأها من العاصمة إسطنبول، ومنها إلى الأناضول، ثم بلاد الشام وفلسطين، والعراق، ثم توالت رحلاته حتى وفاته

ويزيد الدكتور الصفصافي أحمد المرسي في رسالته بكلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، "أوليا جلبي: وكتابه سياحتنامه"، أن كون والد أوليا جلبي من رجالات القصر في إسطنبول ساعده على الولوج عبر منافذ علمية محتلفة، "فمكّنت الابن من أن يعيش في وسطٍ يجمع بين رجالات الفن والأدب من ناحية، ورجالات السياسة والعسكرية والثراء من ناحية أخرى، لذلك تعلم أوليا جلبي فن الخط والتذهيب والنقش، ثم درس الموسيقى".

كيف تحول فتى القصر إلى رحّالة؟

يؤرخ الباحث وصفي زكريا للحظة التي انتقل فيها أوليا جلبي من فتى يلهو في القصر الحاكم إلى رحّالة، في بحثه المنشور في مجلة "المجمع العلمي العربي": "قيل إن أوليا جلبي لم يُوفق في صباه في تلقي العلوم، وأن جمال صوته ساقَه للولع بفنون الأدب والموسيقى إلى أن كان ذات يوم في رمضان سنة 1045 يتلو القرآن في جامع آيا صوفيا فأعجب السلطان مراد الرابع بصوته وجعله من ندمائه".

لكن يبدو أن أوليا لم يكن سعيداً في القصر، أو كما يقول وصفي: "تلك الأبهة والنعمة اللتان صادفهما في القصر كانتا محاطتين بضروب التقييد والحصر، فلم تروقا لعينيه ولم تتفقا مع خفته وظرفه وحبه للحرية والانطلاق وشغفه بالسفر وجوب الآفاق".

غادر أوليا القصر بعد مكوث سنتين، وراح يجول في الأمصارة تارة منفرداً، وتارة مع كبار الوزراء والقادة، لا سيما مع خاله ملك أحمد باشا، فرافق "أهم الجيوش التي ساقتها الدولة العثمانية إذ ذاك في الشرق والغرب، وحضرَ الحروب ووصفها، وبهذا تسنى له أن يرى أكثر بلاد الأناضول والروملي (اسم يطلقه العثمانيون على أراضيهم في أوروبا)، ووصل إلى جزيرة كريت، وجالَ أيضاً في أجزاء بعض إيران، والقفقاس، وجنوبي روسيا، ومولداوايا، وترانسلفانيا، ودالماتزيا، وهنغاريا، والنمسا، وألمانيا، وهولندا"، وفقاً لما أورده وصفي زكريا في "المجمع العلمي العربي".

خصص أوليا جلبي جزءاً من كتابه لمشاهداته في بلاد مصر، والسودان، والحبشة، "وقدّم فيه وصفاً مفصلاً لعادات الشعوب ومظاهر حياتها الاجتماعية، ولهجاتها ولغاتها، وتاريخها عبر العصور المختلفة"

ويعد العام 1648م، علامة فارقة في حياة الرحالة أوليا جلبي، ففيه بدأت رحلاته التي استمرت زهاء خمسين سنة من حياته، بدأها من العاصمة إسطنبول، ومنها إلى الأناضول، ثم بلاد الشام وفلسطين، والعراق، ثم توجه لأداء فريضة الحج، وانتقل بعدها إلى مصر وأرض الحبشة والسودان، ثم توالت رحلاته حتى وفاته التي يكتنفها الغموض هي الأخرى، إذ لا يوجد اتفاق على تاريخها ومكانها، فرأي يجعلها سنة 1682، وآخر يقول إنها كانت عام 1684م، وما بين بدء رحلته ووفاته، ترك أوليا جلبي مخطوطته الموسوعية "سياحتنامه"، التي وضعها في عشرة مجلدات، وزّع فيها البلدان التي زارها وفقاً لمجلدات الكتاب العشرة.

سياحتنامه... 10 أجزاء لا تعرف العربية عنها إلا الجزء الأخير!

خصّص أوليا جلبي الجزء الأول من كتابه لمدينة إسطنبول، التي كانت منطلق رحلته، ثم توالت أجزاء الكتاب بحسب المنطقة التي أقام فيها. ولكن رغم أهمية الكتاب بالنسبة للباحثين، واعتباره مرجعاً هاماً لعشاق أدب الرحلة، لم يُترجم للعربية من هذه الأجزاء سوى الجزء العاشر فقط.

ذلك الجزء هو الذي خصصه أوليا جلبي لمشاهداته في بلاد مصر، والسودان، والحبشة، "وقدّم فيه وصفاً مفصلاً لعادات الشعوب ومظاهر حياتها الاجتماعية، ولهجاتها ولغاتها، وتاريخها عبر العصور المختلفة، كما أسهب في الحديث عن الأوضاع الاقتصادية من زراعة، وحرَف، ناهيك عن حديثه حول الطرق الصوفية، الذي يُشكل مادة ثرية حول تاريخ هذه البلدان في سبعينيات القرن السابع عشر الميلادي"، وذلك بحسب عليان الجالودي، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة آل البيت، في رسالته "الرحالة التركي أوليا جلبي وكتابه سياحتنامه".

منهجية أوليا جلبي في ميزان الباحثين

يقول الدكتور عبد القادر محمد الحصان، مدير آثار محافظة المفرق، في كتابه "أضواء على رحلة الرحالة العثماني التركي أوليا جلبي في سياحتنامه": "وقد تميزت رحلة أوليا جلبي ببعض الخصائص، منها: اشتمالها على أخبار ثقافية وتاريخية واجتماعية كثيرة عن الأماكن التي زارها... ودقته التاريخية في تدوين الأخبار الخاصة بالمناطق التي زارها في معظم الأحيان، ورجوعه لكثير من مراجع التاريخ الإسلامي باللغة العربية، مثل تاريخ الطبري والمقريزي والذهبي".

"بدلاً من أن أردد أمامه: شفاعة يا رسول الله، إذ بي أقول: سياحة يا رسول الله... في تلك اللحظة اقترب مني من بين الجموع سعد ابن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قائلاً لي: انطلقْ كالسّهم والمحْ في بلاد الله، وسجّلْ كل ما تراه في المدن والبلدان التي ستمرّ بها"

ويضيف الحصان، أن من بين خصائص "سياحتنامه" هو الاهتمام بالكثير من الأساطير والروايات الشعبية التي يمثلها ذلك العصر، وربطها بالعديد من المقامات والأضرحة المنتشرة على امتداد البلاد التي زارها.

لكن الباحث عليان الجالودي، في رسالته "الرحالة التركي أوليا جلبي وكتابه سياحتنامه"، يكشف عن عدم تبينه من مدى صدق أوليا في حديثه عن تلك الأساطير، فيقول: "ولا يستطيع القارئ أن يجزم فيما إذا كان أوليا جلبي قد زار فعلاً كل البلدان والأماكن التي ذكرها في رحلته. والدراسة المتأنية لهذا الجانب، ومطابقة ما يقوله مع ما ورد في المصادر الأخرى، تشكف فيما إذا كان وصفه وصفَ شاهد عيان أم أنه اعتمد فيما أورده على السماع، أو من خلال المصادر التي أفاد منها، ولعل معرفته باللغات العربية والفارسية، إلى جانب اليونانية، مكّنته من الاطلاع على الكتب والوثائق المكتوبة بهذه اللغات وتوظيفها في رحلته".

وإمعاناً في سرد الأساطير، هناك قصة ذات دلالة بالغة، يوردها عليان الجالودي، فيقول إن أوليا جلبي أورد رواية غريبة كانت السبب الرئيسي وراء كل رحلاته، وهي قوله: "حلمت في ليلة عاشوراء في شهر محرم سنة 1630م أنني أصلّي في جامع (آخي جلبي)، عندما رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمامي اضطربت من جلال الموقف، وبسبب المفاجأة التي سيطرت على مشاعري، وبدلاً من أن أردد أمامه: شفاعة يا رسول الله، إذ بي أقول: سياحة يا رسول الله... في تلك اللحظة اقترب مني من بين الجموع سعد ابن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قائلاً لي: انطلقْ كالسهم والمحْ في بلاد الله، وسجّلْ كل ما تراه في المدن والبلدان التي ستمرّ بها، والحوادث الغريبة التس تصادفك، واكتبْ عن مآكل سكّانها ومشربهم وأطباعهم وعاداتهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard