عندما قابل الرحالة الياباني شيخَ البهائية في حيفا

الجمعة 14 يناير 202204:39 م

زار الصحافي والروائي الياباني توكوتومي مصر وفلسطين في رحلتين؛ الأولى، وهي الأقل أهمية كانت عام 1906 خلال حقبة الاحتلال العثماني لفلسطين وكان أعزب، والرحلة الثانية، وهي الأكثر أهمية، كانت عام 1919، ولذات البلاد التي زارها في المرة الأولى، ولكنها أصبحت تحت الاحتلال الإنكليزي بُعَيدَ ثورة الشريف حسين، وكانت زوجته برفقته.

طغى القلق الروحي لشخصية توكوتومي على الرحلة الأولى، فهو مسيحي المعتقد ومتمسك بالتقاليد اليابانية. بحث في فلسطين متنقلاً بين المواقع والقرى والكنائس في الأرض التي عاش فيها المسيح عن رمزية تجيب على أسئلته القلقة. في هذه الزيارة تحكم المزاج الحاد للأديب توكوتومى، فأمام حالة الكنائس والاحتشاد العالمي للثقافات في القدس المترافق مع حالة المدينة المتأخرة حضارياً تمنى أن تحترق بكل ما فيها.

أما في الرحلة الثانية (1919) فكانت نهاية الحرب العالمية الأولى تتحكم بأفكار الكثير من المثقفين حول العالم، ورحّالتنا الياباني منهم. لم يوفر توكوتومي في مذكرات رحلته موضوع نهاية حقبة قديمة وبداية مرحلة جديدة على الإنسانية، بل ظهر في تفكيره الداخلي ونقاشات لقاءاته الحديثُ عن نهاية عصر المسيح المصلوب، وبداية مرحلة المسيح الذي يجب أن نكف عن تركيز أفكارنا حول تجربته في الألم من أجل خير الإنسانية التي صلبته كثيراً وجرت خلفها دماء مرعبة. وتحدث بالمقابل عن رمزية الشمس بما تعنيه من يابان ذات رسالة ومسؤولية عالمية، فاليابان برأيه تملك ما تقدمه للعالم والإنسانية.

الرؤى الإنسانية التي نادى بها الأديب توكوتومي وصلت إلى الحد الذي أرسل فيه من القدس خطابات إلى الشخصيات السياسية التي كانت وقتها مجتمعة في مؤتمر الصلح في باريس (1919). فأرسل رسالة إلى ممثل اليابان في باريس البارون سايونجي، وإلى الرئيس الامريكي ويلسون، وإلى لويد جورج، كما وجه رسالة إلى صحيفة التايمز اللندنية. وأرفق الرسائل جميعاً بنسخة من أمنياته الإنسانية السبع التي يعتقد أنها اللازمة لتوجه البشرية نحو عصرها الجديد.

اللقاء مع عباس أفندي شيخ البهائية

التقى توكوتومي الكاتبَ الروسي الشهير، تولستوي، عام 1906 في ناسونايا بوليانا (في روسيا)، وقدم الأخير له مجموعة من الرسائل المكتوبة بالإنكليزية، وموقعة باسم عباس أفندي، ومختصرها الحديث عن كيفية توحيد الإنسانية في دين جديد. أخبره تولستوي أن كاتب هذه الرسائل يعيش في عكا الشام، وكان الرحالة قريباً من عكا، فقرر زيارته ومقابلته.

كانت معلومات توكوتومي عن البهائية محدودة؛ فهو يعرف أن شاباً فارسياً يدعى "الباب" (اسمه الحقيقي: محمد علي شيرازي) بدأ بتكوين جماعة دينية تهدف إلى تحقيق السلام في العالم، وبعد مقتل الباب قام نائبه حسين علي نوري، ويدعى بهاء الله، باتباع هذا المذهب، فطُرد بهاء الله من إيران، وجاء إلى عكا قبل أربعين عاماً (من تاريخ الرسائل) واستمر في الدعوة إلى السلام والمحبة بين الناس، ثم صار بعد ذلك عبد البهاء الخليفة الثالث وهو نفسه عباس أفندي الذي كانت صوره تظهر أحياناً في صحف ذلك الوقت.

عندما سأل توكوتومي عن عباس أفندي، أخبروه أنه يقيم في حيفا، وليس عكا، فذهب إلى لقائه برفقة زوجته. وصلا إلى بيته، واستقبلهم شخص إيراني يدعى عزيز الله بن بهادُر، وأخبرهم أنهما محظوظان لأنهما يستطيعان مقابلته، وسوف يقابلهما مثل ابنته وابنه.

تحدث توكوتومي لعباس أفندي عن الرسائل التي أرسلها إلى تولستوي قبل ثلاثة عشر عاماً، وأن الكاتب الروسي كان يرغب بالكتابة عن البهائية، ولكنه مات فلم يكمل ما كتب

كان عباس أفندي يرتدي جبة على الطريقة العربية، وعلى رأسه عمامة بيضاء، له لحية بيضاء، ووجهه يميل للحمرة. وكان له من العمر وقت اللقاء 75 عاماً. جلس بالقرب منهما شاب بطربوش أحمر عرفا في ما بعد أنه حفيد عباس أفندي، واسمه رباني، وهو من خريجي جامعة بيروت وقد تولى الترجمة بينهما. تحدث توكوتومي لعباس أفندي عن الرسائل التي أرسلها إلى تولستوي قبل ثلاثة عشر عاماً، وأن الكاتب الروسي كان يرغب بالكتابة عن البهائية، ولكنه مات فلم يكمل ما كتب.

أخبر عباس أفندي صاحبنا أن البشر نوعان؛ أحدهما يقوم بنسخ ما قام به الأجداد وبفعلته هذه يشبه "ما يقوم الحمار به بتقليد آبائه"، وهذا ليس ممتعاً وليس مفيداً على الإطلاق. ونوع آخر لديه دوماً أفكاره الخاصة ويحاول الوصول إلى الحقيقة. وأن العالم يحوي الكثير من "أبناء الحمير" ولكن اليابانيين ليسوا كذلك. وسأله الرحالة بماذا يفكر بما يتعلق بالمسيح؟ فأخبره عباس أفندي أن المسيح إحدى المرايا التي يمكن أن يظهر فيها الله. 

يخبرنا الرحالة أنه أوقف الحوار لخيبة الأمل التي أصيب بها، وطلب من الشيخ أن يكتب شيئاً في الأوتغراف، فكتب الشيخ بالفارسية ما ترجمه الحفيد: "أيها الناس في العالم أجمع! أنتم ثمار شجرة واحدة، وأنتم جميعاً أغصان شجرة واحدة. العالم يجب أن يتحد ويصبح وحدة واحدة".

قدم رباني لهما حلويات دمشقية ومجموعة منشورات وكتيبات عن البهائية وعناوين الكثير ممن يؤمنون بالبهائية الموجودين في أمريكا. كما أخبرهم أن هناك امرأة يابانية كفيفة مؤمنة بالبهائية اسمها فيئو، وقدم لهما بطاقة منها مرسلة من اليابان. شاهد الرحالة بطاقة بريدية وعليها اليابان كمركز للصورة، وينطلق منها شعاع ذهبي ينتشر حول القارات الست، وقد سجلت بعدة لغات عبارة "مؤتمر السلام العالمي يجب أن يعقد في اليابان"، وعبارة "نور السلام ينبعث من اليابان". كما سجلت عشرة شروط تحدد "روح الإنسان الذي يحبّ السلام". شعر الرحالة بالخجل لأن هناك من سبقه لمشروعه الخاص وأعلن أن اليابان يجب أن تكون مركز السلام العالمي.

انطباعات توكوتومي عن اللقاء

وصف الرحالة اللقاء بخيبة الأمل، وأنه لم يسمع منه شيئاً يثيره. ورغم لقاء الرحالة توكوتومي مع رباني وبهاء في اليوم التالي، إلا أن حديثهم لم يتجاوز العموميات، ولم يبديا أدنى اهتمام بقصة لقاء توكوتومي مع تولستوي الذي كان الدافع لكي يلتقي اليابانيُّ شيخَ البهائية عباس أفندي.

سجل الرحالة توكوتومي في يوميات رحلته أنه بدأ بالاطلاع على كتيبات البهائية، ووجدها جذابة وجيدة، رغم أنه اعتبر أن الدعوة إلى وحدة الإنسانية ووحدة الأديان لما فيه خير البشرية رغبة طبيعية إنسانية ولم تصدر عن البهائية فقط، واستعرض أسماء العديد من الكتاب الذين طرحوا مفاهيم كهذه. يعترف توكوتومي أن الحقيقة القائمة في العالم الآن هي التمييز العنصري والاحتقار الذي يتعرض له الملونون من قبل الجنس الأبيض، ووسط هذه الحقيقة يفضل الشيخ عباس ديناً واحداً لكل الناس، فهو لا يرفض العلوم ولا التقدم الحضاري، ويزور أمريكا وأوروبا ليوحد ما بين الشرق والغرب. ورغم اعتراف الرحالة أن ما سمعه من شرح للبهائية على لسان الشيخ عباس كان واضحاً ومتمكناً، ولكنه في ذاته ضعيف، ولا يتمتع بالقوة، بل ومثيراً للشك، ومردّ ذلك، كما يعتقد الرحالة، أن صاحب هذه الأفكار لم يمرّ بتجربة معاناة، وينقصه الشعور بالألم، لذلك فهو ليس قوياً، وينقصه امتلاك القوة، وبرأيه ان المعاناة سوف تعطيه القوة لأفكاره.

يتطرق توكوتومي إلى أفكار الكتيبات التي تتحدث عن المسيح، ويرى أن ما فعله عباس أفندي ليس أكثر من سرقة إنجازات ألف وتسعمائة سنة الخاصة بالمسيح ليجلس عليها بسهولة ويتصرف فيها كما يريد ويحب

يتطرق توكوتومي إلى أفكار الكتيبات التي تتحدث عن المسيح، ويرى أن ما فعله عباس أفندي ليس أكثر من سرقة إنجازات ألف وتسعمائة سنة الخاصة بالمسيح ليجلس عليها بسهولة ويتصرف فيها كما يريد ويحب، وإلا فما قيمة ما يدعو إليه بالنسبة لما دعا إليه المسيح في عهده؟ ويستعرض مجموعة من الأنبياء، وكيف أثر هؤلاء في أخلاق شعوبهم بأن جعلوها أكثر رقة ولطفاً، بينما وجد البهائية وعباس أفندي لا يحملان بداخلهما قضية أو معركة أو نضالاً ما، فإذا قال البريطانيون إنهم العمال الذين يمهدون طريق السلام فإن عباس أفندي يمكن أن يكون الشخص الذي يحمل الشعلة للعمال الذين يمهدون الطريق.

برأي توكوتومي يريد عباس أفندي أن يحرك اليابان، إلا أن من يحرك اليابان يجب أن يتحدث من اليابان ويكون فيها، وبالتالي على عباس أفندي العودة بأسرع ما يمكن إلى فارس، ويعلم هؤلاء أصحاب الطرابيش الحمراء، فمعاناته وتجربته على الصليب يجب أن تكون هناك.

إما إن كانت انطباعات رحالتنا توكوتومي في لقائه مع شيخ البهائية عباس أفندي سلبية بهذا الشكل فيحق لنا أن نسأل لماذا شجعه تولستوي ليلتقي به؟

تولستوي والبهائية

كانت السنوات الأخيرة في حياة الكاتب الروسي تولستوي ذات روح قلقة ومترددة، فأعاد طرح الكثير من القناعات الثقافية والاعتقادية في حياته للنقاش. أنكر في تلك السنوات الكثير من مفاهيم الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية حول شخصية المسيح لحساب رؤية نفسية وفلسفية تقترب من جوهر رسالة المسيح للإنسانية العالمية. ونشر سلسلة من المقالات أعاد فيها تعريف الأدب والفن والجمال، وأنكر الكثير مما تعتبره البشرية أدباً أو جمالاً وموسيقى، بل اعتبره رذيلة في بعض الأحيان، وأنكر الكثير من أدبه الشخصي.

دافع تولستوي عن بعض البدع الدينية التي ظهرت في روسيا ذلك الوقت؛ فمثلاً اهتم ببدعة تدعى "مناضلو الروح"، التي تقول كما يقدمها كتاب ج. ويلتر "الهرطقة في المسيحية" إن الله روح ويريد أن يُعبد كروح وحقيقة، فالكنيسة ليست في الخشب والحديد بل هي بين الأضلاع، والهيكل الحقيقي هو قلب الإنسان، والثالوث واحد غير منقسم فالأب هو الذاكرة، والابن هو العقل، والروح القدس هي الإرادة؛ ليس ثمة حياة لاحقة، والجنة توجد على الأرض حين سيختفي الأشرار، فالإنسان يحمل الله في ذاته ويسعى للاقتراب من مثال الطيبة والبساطة الذي أعطاه المسيح كنموذج.

نقاش توكوتومي مع الجندي البريطاني كان احتجاجاً على بعض المظاهر التي شاهدها من سلوك الضباط الإنكليز في مصر، وليس على فكرة الاستعمار

كما تعتقد هذه البدعة أنه يجب ألّا يكون هناك أسياد وخدم وسلطات ورعايا. والأولاد لا يقولون بابا او ماما بل "ختيار" و"ختيارة"، والزوج يقول لزوجته "يا أختي"، والزوجة تقول "يا أخي". وينعقد الزواج ببركة الأهل، وللزوجة حقوق الزوج نفسها ويمكنها تركه ساعة تشاء. رفض "مناضلو الروح" الحربَ والخدمة العسكرية وشجعهم تولستوي برسائله على ذلك. انتشرت هذه البدعة في كندا وأمريكا، ومن كانوا أكثر جذرية انتقلوا إلى كولومبيا البريطانية، ونظموا جماعات ما زالت موجودة حتى اليوم.

يبدو أن التوجه الثوري لتولستوي وصل إلى الشيخ عباس أفندي، فعرض عليه أفندي أفكارَ البهائية في مجموعة من الرسائل بالإنكليزية، فكان من الطبيعي أن يعجب تولستوي بهذا التوجه، ويشجع توكوتومي على لقاء عباس أفندي لما اعتقد أنه قد يجمعهما.

سقطات توكوتومي

رغم الآراء الإنسانية التي ظهرت في كامل رحلة توكوتومي وزوجته، إلا أن الكثير من السقطات أصابت إنسانيته، وللغرابة بنفس السهام التي أطلقها على البهائية! فمن أجل أن ينتقد سلوك بريطانيا الاستعماري المهين في مصر أمام جندي بريطاني في أحد فنادق فلسطين، يعترف بسلوك اليابان المخزي تجاه الكوريين والصينيين، وبالتالي يحق لنا أن نسأل كيف تستحق اليابان برمزية الشمس أن تكون مركزاً لفكرة السلام العالمي؟

طوال أحداث الرحلة، ورغم رسائله التي بعثها من القدس إلى المجتمعين في باريس (مؤتمر الصلح)، لا نستطيع أن نعرف موقف توكوتومي بخصوص قضية المشروع الصهيوني في فلسطين إلى أن التقى الرحالة بصحافيين أمريكيين يهوديين في فندق في الناصرة، فأطلعه أحدهما على موافقة الحكومة اليابانية على المشروع الصهيوني، ولم يكن توكوتومي يعرف بموافقة حكومته بعد، فطلب منهما قراءة خطاباته التي كتبها في القدس، وأرسلها إلى المجتمعين في باريس، ليخبرهم أن هذا العصر هو عصر عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين، وهو أمر طبيعي!

سأله أحد الصحفيين عن المهاجرين اليهود إلى اليابان، فأخبره توكوتومي بوضوح: "لا توجد مساحة لهم في اليابان. لا مكان لهم في اليابان. أنا من القائلين باختلاط جميع أجناس العالم معاً، إلا أن هذا القول يقلل من نوعية بعض الأجناس". فيخبره الصحفي الأمريكي: "في ما يتعلق بهذا الأمر، اليهود متشددون تماماً لأننا نشعر بأن دمنا متميز عن غيرنا من الأجناس".

إذاً ليس من السهل أن تتنازل بعض الأمم عن حقوقها في السيادة وبعض الثروات ومصادر الطاقة إلى الأمم الأقوى فيكون السلام العالمي متحققاً وسهلاً. وهذه الخلاصة هي الجوهر الداخلي لكامل دعوة توكوتومي للسلام العالمي وإنسانيته المتصالحة نحو مسيحه الذي كف عن التمركز حول تجربة الصليب والألم. وهذه النظرة تنمّ عن عنصرية مستترة بزخارف المحبة ونظرة فلسفية خاوية إلا من مصالحها القومية الخاصة وبدبلوماسية ناعمة.

وهكذا تصبح رحلة توكوتومى التي كانت عام 1919، وهو عام خطير على فلسطين وسوريا، خالية من أي تعليق على أو عن الحدث الذي كان يحيا في أرضه وبين شعبه مفهوماً تماماً. فقد قابل في فلسطين الكثير من الإنكليز والألمان من تجار وزوجات منكوبات وجنود ومشرفي بعثات ورجال دين، ودارت بينهم نقاشات في مختلف شؤون الحياة، ولكن لا يوجد أي لقاء أو نقاش أو تسجيل لرأي أو حصول لموقف صادف فيه الرحالة، أو تقصَّدَ، أن يسجل رأي سكان البلاد عن الأحداث التي تجري في وطنهم أو بفكرة السلام التي ينادي بها! ومن هنا أيضاً نستشف أن نقاشه مع الجندي البريطاني كان احتجاجاً على بعض المظاهر التي شاهدها من سلوك الجنود والضباط الإنكليز في مصر، وليس على فكرة الاستعمار بذاتها. فهل نستطيع القول عن أفكار توكوتومي الخاصة عن السلام العالمي إنها كان ينقصها تجربة الألم والمعاناة التي انتقدها عند عباس أفندي؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard