مسلمٌ مختون ومسيحيّ معمّد... الرحالة الحسن الوزان الذي استغلّته الكنيسةُ في الحروب الصليبية

الثلاثاء 14 يناير 202004:27 م

"لست من إفريقيا، ولا من أوروبا، ولا من بلاد العرب. أُعرَف أيضاً بالغرناطي والفاسي والزياتي، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة، ولا عن أي قبيلة. فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة، وحياتي هي أقلّ الرحلات توقعاً".

كل تلك الهويات المُتداخلة يحملها الحسن الوزان، أحد أشهر الرحالة، الذي عرف معصماه دغدغات الحرير وإهانات الصّوف، وذهبَ الأمراءِ وأغلالَ العبيد، وشاهدت عيناه احتضار مدنٍ وفناء إمبراطوريات، وصلّى في المساجد كمسلم مختون، وبالكنائس كمسيحي مُعمّد، ونطق لسانه بالعربية، والتركية، والإسبانية والبربرية، والعبرية، واللاتينية، والإيطالية.

الحسن الوزان... آخر شاهد على سقوط الأندلس

هو الحسن بن محمد الوزان الزياتي الفاسي، ويُكنّى بأبي علي، وُلِد لأسرة مغربية، في غرناطة بحسب اتفاق المؤرخين، لكن الخلاف كلّه على سنة مولده، فيجعلها البعض عام 901هـ/1495م، وآخرون عام 906/1500هـ، في حين يرجح البعض أن ميلاده كان عام 888/1483هـ، أي قبل سقوط غرناطة بنحو عشر سنوات، وهو الرأي الذي يقول به المترجمان محمد حجي، ومحمد الأخضر، في معرض مقدمتهما لكتابه الأشهر "وصف إفريقيا"، نقلاً عن النسخة الفرنسية.

تحوم الكثير من الملابسات حول نشأة ونسب الحسن الوزان، فالخلاف لم ينتهِ فقط عند تاريخ مولده، فلقَبُ الوزان المشهور به يختلف معه المؤرخ والباحث المغربي الراحل محمد المهدي الحجوي، في كتابه "حياة الوزان الفاسي وآثاره"، المنشور عام 1933، قائلاً: "أما العائلة الوزانية بهذا اللفظ فلم أعثر من نوعها إلا على بقية من نساء وصبيان لا يعرفون لأصلهم أصلاً، وإنما يَعرفون أن عائلتهم طرأت على فاس، وكانت وافرة العدد، وهي الآن في اضمحلال".

ولمّا سقطت الأندلس في يد الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا، حُمِل الحسن الوزان صغيرًا ــدون سنّ التمييزــ إلى مدينة فاس، وهناك تدرج في العلم بجامع القرويين على يد كبار علمائها آنذاك، وعلى رأسهم الإمام محمد بن غازي المكناسي، الذي كان يُجيز لتلاميذه بفهرسه المعنون بـ"التعلّل برسم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والزناد"، وهو الكتاب الذي يحتوي على علوم اللغة وآدابها والعقائد والتصوّف والفقه والتفسير والقراءات والحديث والسّير والحساب والفلك والمنطق، وما إلى ذلك من العلوم المعروفة عند المسلمين، وفق ما أشار إليه مترجما "وصف إفريقيا" في مقدّمتهما.

السياسة مدخل الوزان في عالم التّرحال

النبوغ المبكر الذي بدا على الحسن الوزان لفت إليه نظر سلطان فاس آنذاك محمد الوطاسي، المعروف بالبرتغالي، فقرّبه إليه ونظمه في سلك رجال بلاطه، ويؤكد حجي والأخضر أن السلطان أوكل إليه مهامّ سياسية خطيرة رغم حداثة سنّه، وهي ما ساعدتْه على كثرة التّجوال، لتجعل منه واحداً من أشهر الرّحالة.

لستُ من إفريقيا، ولا من أوروبا، ولا من بلاد العرب. أُعرَف أيضاً بالغرناطي والفاسي والزياتي، ولكنني لم أصدر عن أي بلد، ولا عن أي مدينة، ولا عن أي قبيلة. فأنا ابن السبيل، وطني هو القافلة

ورافق الوزان والدُه في كلّ أسفاره للريف لقضاء مهمات وظيفته كجامعٍ للضرائب بهذه المناطق والبلدان، ويرجح المهدي الحجوي، أن تلك الأسفار التي كان يقوم بها كلّ عام جنوبًا تارة وشمالًا أخرى، كانت سببًا في ترسيخ أولى معلوماته الجغرافية، قائلًا: "كلّ ذلك أهّله لأن يكون جغرافيًا ماهرًا، مارس الفن بالمعاينة والاختبار منذ صباه، وأتمّ التجربة والمشاهدة في شبابه، برحلاته العديدة في المغرب وإفريقيا، ثمّ في الشرق، ثمّ في أوروبا"، واصفاً إياه بأنه "الجغرافي الذي تطأطئ له الرؤوس، والذي استحقّ أن يكون شيخ أوروبا وشيخ النهضة الكبرى".

أول علاقة الوزان بالدخول لإفريقيا، كانت من خلال زيارة رافق فيها عمَّه إلى تمبكتو (إحدى مدن مالي)، وفق تأكيد المستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي، في كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي"، قبل أن يخصّص كتابه العُمدة "وصف إفريقيا" لرصدِ ما شاهده في القارة السّمراء، ومن ثمّ أصبح مؤلَّفه مرجعًا للعرب والأوروبيين في ذلك الشأن.

الرحلات التي ضمّها "وصف إفريقيا" يستطيع المُطّلع عليها تقسيمها إلى تسع، وهي رحلته إلى الشواطئ الغربية بالقرب من فاس، عام 914/1508، وهي الفترة التي شهدت محاصرة الوطاسيين لمدينة أصيلا، ثمّ جولته في وسط المغرب بعدها بعام واحد، وبها تعرّف على الشريف السعدي محمد القائم بأمر الله، وبها كُلف بأمرٍ سياسي جلل، وهو محاولة استرجاع رئيس محلّي منحرف يدعى يحيى بن تعففت، الذي كان يزوده البرتغاليون بالمال والعتاد، فكان أداتهم لدخول البلاد في وقت كان فيه الاحتلال المسيحي لا يتجاوز سيف البحر، بحسب تعبير الوزان في "وصف إفريقيا".

وتوالت الرحلات التسع، مدة الواحدة منها عام تقريباً، فمن السودان عام 917/1511، مروراً بالأطلس الكبير في جبال دادس، ثمّ بلاد حاحا (بالمغرب)، ورحلة أخرى من مراكش إلى سوس عبر أمزميز، ثمّ رحلة الحجاز لأداء فريضة الحج، والآستانة للقاء السلطان العثماني سليم الأول، الذي حضر معه الوزان معاركه العنيفة التي انتهت بالقضاء على المماليك في أبريل من عام 1517، وأخيراً الانتقال إلى البلاد الليبية والتونسية، حيث مكث أكثر من سنتين.

من الحسن إلى يوحنا... عندما صار الوزان ليون الإفريقي

أحسّ الحسن الوزان أن رحلاته آن لها أن نتنهي، ولا بدّ من العودة إلى الأهل في المغرب، لكنّ القدر لم يُمكنه من تحقيق ذلك، حين حدثت له واقعة الأسر الشهيرة سنة 926هـ/1520م، على يد أحد قراصنة القديس يوحنا، أحد أهمّ التنظيمات العسكرية المسيحية، خلال فترة الحروب الصليبية، بحسب الفيلم الوثائقي "على خُطى ليون الإفريقي"، الذي أعدته وكالة "بي بي سي عربي" عام 2012.

وقُدّر للوزان أن يحيا حياة ثالثة بعد غرناطة وفاس في بلاد الإفرنجة، بداية من اللحظة التي هبّ فيها القرصان الصقلي بيترو بوفاديليا ورفاقه على الحسن، مختطفينه وصُحيته لتقديمهم للبابا ليون العاشر كهدية.

أشرف البابا ليون العاشر بنفسه على مراسم تعميد الحسن الوزان، وأعطاه اسماً جديدًا صار يُعرف به حتى اليوم، وهو يوحنا الأسد الغرناطي، أو ليون الإفريقي، ولكن ذلك لم يمنع حنين الرحالة الأسير عن الشوق لبلاده وديانته التي وُلِد بها

تلك اللحظة أبدع في وصفها أدبياً الكاتب اللبناني أمين معلوف في روايته "ليون الإفريقي" الصادرة عام 2012 عن دار "الفارابي"، قائلًا: "ما كدنا نجتاز ببضعة من أكواخ الصيادين حتى رأينا فجأة ظلالاً تمتدّ أمامنا. وفي لحظة كان يُحيط بنا زهاء عشرة رجال مُدجّجين بالسّيوف والخناجر، عرفت منهم بيسر جارينا على المائدة. وبصق أحدهما بعض عبارات التعجب بعربية رديئة (...) وفي اللحظة التالية كنا طريحين على الأرض (...) أكان بوسعي أن أخمن أن أغرب رحلاتي كانت قد بدأت على هذا النحو؟".

ولما وصل الوزان إلى روما، قابله ليون العاشر، واستشفّ بفطنتِه البابوية أنه أمام علامة قدير وجغرافي بارع، فتبدّلت العلاقة بينهما، وانتفت صلة الأسير بالسيد، ورأى البابا أن تعميد الوزان واعتباره مسيحياً أمراً سيسهل عليه إمداد حملته العسكرية في حروبه الصليبية بما لديه من معلومات جغرافية. وهنا لم يكن للرحالة المسلم أيّ حرية في الرفض، وإلا سيكون مصيره القتل في الأسر، بحسب اعتقاد جوليا هارستون، الباحثة بالجامعة الأمريكية في حديثها بالفيلم الوثائقي "على خُطى ليون الإفريقي".

وأشرف البابا ليون العاشر بنفسه على مراسم تعميد الحسن الوزان، وأعطاه اسماً جديدًا صار يُعرف به حتى اليوم، وهو يوحنا الأسد الغرناطي، أو ليون الإفريقي، ولكن ذلك لم يمنع حنين الرحالة الأسير عن الشوق لبلاده وديانته التي وُلِد بها، فنراه يكتب في نهاية كتابه "وصف إفريقيا": "العبد الفقير إلى الله مؤلفه يوحنا الأسد الغرناطي، المدعو قبل الحسن بن محمد الوزان الفاسي".

وفي عام 1527 غادر ليون/الحسن روما متخفياً، وتقول الروايات إنه انتقل إلى تونس ليستعيد ديانته القديمة واسمه السابق، ولم يتحدّد مكان وتاريخ وفاته.

"وصف إفريقيا"... أوّل كتاب فنّي جغرافي ظهر بأوروبا

بعد استرداد الوزان حريته بحمله ديانة جديدة واسم مسيحي، تفرغ لكتابة مؤلّفه الأهمّ "وصف إفريقيا"، الذي وصفه خير الدين الزركلي في "الأعلام" بأنه "أول كتاب فني جغرافي ظهر بأوروبا".

ونشر الإيطالي راميزيو "وصف إفريقيا" لأوّل مرة عام 1550 بمدينة البندقية، ثمّ أعيد طبع الكتاب عدة مرات (1588ــ 1606ــ 1613ــ 1830). ثمّ تُرجِم إلى اللاتينية، ونقله جان طمبورال إلى الفرنسية، وتكرّر طبعه في هولندا وإنكلترا، وألمانيا.

ويرى الباحث بجامعة محمد بوضياف بالمسيلة، الأستاذ الطاهر خالد، في دراسة بعنوان "مساهمة الحسن بن محمد الوزان في التأريخ لبلاد السودان"، "وصف إفريقيا" يمتاز بالنزاهة والموضوعية والحياد التام، مُستدلاً على ذلك بقول الوزان نفسه في توثيقه لكتابه: "لا يخفى عليّ ما يُصيبني من خجل عندما أعترف وأكشف عيوب الأفارقة. فإفريقيا في الواقع هي التي أرضعتني، وفيها كبرتُ، وقضيتُ أجمل وأطول قسط من حياتي، لكن عذري عند الجميع هو ما أضطلع به من دور المؤرخ الذي يلزمه قول الحقّ دون أي اعتبار ولا إرضاء رغبات أيٍّ كان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard