السلطات المغربية تمنع مسيرةً شعبيةً ضد القمع والغلاء... وجبهة اجتماعية تتشكّل

السبت 28 مايو 202204:41 م

بعد منع المسيرة الوطنية السلمية التي كانت "الجبهة الاجتماعية المغربية"، تعتزم تنظيمها صباح يوم الأحد 29 أيار/ مايو، في العاصمة الاقتصادية المغربية الدار البيضاء، بمشاركة أكثر من عشرين جمعيةً ومنظمةً ونقابةً وحزباً يسارياً، تقرر تأجيل موعد هذه المسيرة الشعبية وتنظيم وقفة احتجاجية صباح اليوم نفسه، للتنديد بغلاء الأسعار الذي يشهده المغرب والذي لم تراعِ فيه الحكومة القدرة الشرائية للمواطنين، ومناهضة أسلوب القمع والتضييق على الحريات، بالإضافة إلى الرفض التام للتطبيع مع "الكيان الصهيوني"، خاصةً بعد المجازر التي ارتكبها وما زال، وكان آخرها مقتل الإعلامية شيرين أبو عاقلة.

القمع والتضييق على الحريات

في بيان لها بخصوص هذا المنع، ذكرت "الجبهة الاجتماعية المغربية"، أن قراراً مكتوباً وصلها من طرف سلطات الدار البيضاء لمنع المسيرة الاحتجاجية الوطنية المقررة يوم الأحد 29 أيار/ مايو 2022، بمبرّر الحفاظ على الأمن والنظام العامّين. ووصفت الجبهة هذا المنع بـ"القرار التعسفي الذي يؤكد بالملموس إصرار الدولة على مقاربتها الأمنية، ويكشف أن القمع والتضييق على الحقوق والحريات خياران منهجيّان يستهدفان كل الأصوات والتنظيمات التي اختارت النضال لمواجهة التوجهات والقرارات اللا شعبية واللا ديمقراطية، واختارت الانحياز إلى قضايا الجماهير الشعبية والدفاع عن الحقوق والمكتسبات".

وصفت الجبهة الاجتماعية المغربية منع مسيرة وطنية لها بالقرار التعسفي الذي يؤكد بالملموس إصرار الدولة على مقاربتها الأمنية، ويكشف أن القمع والتضييق على الحقوق والحريات خياران منهجيّان يستهدفان كل الأصوات

وأكدت "الجبهة الاجتماعية المغربية"، في هذا البيان، الذي حاز موقع رصيف22، على نسخة منه، أنها تدين وتستنكر بقوة قرار المنع التعسفي للمسيرة الاحتجاجية الشعبية، وتعدّه "مؤشراً خطيراً يقتضي تكتل كافة الديمقراطيين لمواجهة تغوّل السلطوية والاستبداد"، وتعلن عن تشبّثها بالحق في التظاهر، وتمسكها بتنظيم مسيرة وطنية احتجاجية سيعلَن عن تاريخها في القريب العاجل، داعيةً كل المناضلين والمواطنين إلى المشاركة القوية في الوقفة الاحتجاجية التي ستنظمها ضد الغلاء والقمع والتطبيع في "ساحة النصر" في الدار البيضاء.

موجة غلاء في المغرب

يعرف المغرب منذ بداية هذا العام، ارتفاعاً متواتراً في الأسعار، شمل الوقود ومجموعةً من المواد الغذائية الأساسية. وفي الفترة الأخيرة، وبسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفعت أسعار الوقود بشكل مهول، وبلغ معدل التضخم 4.1 في المئة، في نهاية شهر نيسان/ أبريل الماضي، حسب ما أعلن الوزير المكلف بالميزانية، فوزي لقجع. كما ارتفعت أسعار الحبوب ومجموعة من المواد الغذائية الأساسية كالحليب المعقّم وغيره.

وكان بنك المغرب (المركزي)، قد توقع، في 22 آذار/ مارس الماضي، أن يسجّل المغرب، خلال السنة الحالية، نمواً اقتصادياً في حدود 0.7 في المئة، وتضخماً بنحو 4.7 في المئة. ويُرتقب أن يتراجع النمو الاقتصادي هذا العام أيضاً بتراجع نتائج الموسم الزراعي، الذي يُعدّ قطاعاً أساسياً في المملكة، بسبب الجفاف الاستثنائي الذي يعاني منه المغرب، إذ سبق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، أن أشار إلى أنّ النمو الاقتصادي خلال السنة الجارية سيتأثر أساساً بتراجع القيمة المضافة الفلاحية بنحو 11 في المئة، مقابل زيادة بلغت نسبتها 18 في المئة في الموسم الفلاحي السابق.

على الرغم من المساعدات الاستثنائية التي خصصتها الحكومة لمهنيِّي النقل لمواجهة غلاء أسعار الوقود، فإن الوضع الاجتماعي في المغرب يحتقن يوماً عن يوم، والطبقات المستضعفة تزداد فقراً وهشاشةً، فيما رواتب الموظفين تظلّ على حالها، بالرغم من مطالبة النقابات والطبقة العاملة برفع الأجور لمواجهة موجات الغلاء، التي تبررها الحكومة بتداعيات أزمة جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية.

مطالبة بضمان الأمن الغذائي

نظراً لتفاقم الأوضاع الاجتماعية وتدهور القدرة الشرائية لشريحة كبيرة من المواطنين المغاربة، واكتواء المواطنين بلهيب الأسعار، خاصةً أسعار المحروقات والعديد من المواد الغذائية الأساسية، وعدم خروج الحوار الاجتماعي الذي كان بين المركزيات النقابية والحكومة المغربية قبل الأول من أيار/ مايو، بأي نتائج ملموسة، قررت الجبهة الاجتماعية المغربية، التي تضم أربعين هيئةً وجمعيةً ونقابةً وحزباً، تنظيم مسيرة شعبية لدق ناقوس الخطر، والتنديد بالغلاء الفاحش الذي لا يمكن معه "ضمان أبسط مقومات العيش الكريم للملايين من الأسر التي سحقها الفقر والبطالة والهشاشة، وزادها الغلاء الفاحش الذي يعود لأسباب سياسية واقتصادية موجودة في بنية النظام المسؤول عن غياب السيادة الغذائية والطاقية لبلادنا"، وفق ما جاء في بيان دعوة الجبهة إلى المسيرة.

قررت الجبهة الاجتماعية المغربية، التي تضم أربعين هيئةً وجمعيةً ونقابةً وحزباً، تنظيم مسيرة شعبية لدق ناقوس الخطر، والتنديد بالغلاء الفاحش. لكن السلطات المغربية منعت المسيرة

وطالبت الجبهة في بيانها السابق الداعي إلى تنظيم المسيرة الوطنية، الحكومة المغربية بخفض أسعار المحروقات، وتأميم شركة "لاسامير" (لتكرير النفط)، مساهمةً في الأمن الطاقي للبلد، وإرجاع الأموال المنهوبة ومنها 17 مليار درهم (نحو 1.7 مليار دولار)، التي التهمها لوبي المحروقات، وتخفيض أسعار المواد الغذائية وضمان الأمن الغذائي للبلد، وتخفيض فواتير الماء والكهرباء، وضمان خدمات عمومية مجانية جيدة، واحترام الحريات وعلى رأسها حرية العمل النقابي، والحق في التظاهر، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وإلغاء اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني.

في هذا الإطار، صرّح العربي الحافظي، المسؤول في جمعية "أطاك المغرب"، وهي عضوة في الجبهة، لرصيف22، أن الدعوة إلى المسيرة جاءت في وقت تم فيه استنفاد القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع الأسعار بشكل متواتر، وذلك للتنديد بطريقة سلميّة بهذا الغلاء، الذي يرافقه القمع والتضييق على الحريات.

وقال: "نحن نرفض هذا المسلسل الذي يزاوج بين مسألتين: من جهة العصا ومن جهة أخرى الغلاء الفاحش وتأثر القدرة الشرائية للمواطنين، والمسيرة كانت ستكون فرصةً للتنديد بكل هذه الأمور، وبكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، المغتصب والعنصري الذي يمارس التمييز والاضطهاد ضد شعب أعزل هو الشعب الفلسطيني".

فشل النموذج الفلاحي

حول المبررات التي تقدّمها الحكومة لارتفاع الأسعار والمتمثلة في تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، قال الحافظي: "نحن كجمعية لا تهمنا المبررات التي تقدمها الحكومة بقدر ما يهمنا الوضع الذي وصل إليه السواد الأعظم من المغاربة، والصعوبات التي يعانونها في عيشهم اليومي بسبب الغلاء المتزايد وتدهور القدرة الشرائية. أما الجائحة فقد استُغلت بشكل خطير في كل بلدان العالم، واستُعملت كمبرر لمواصلة سلب ما تم تحقيقه من مكاسب اجتماعية خلال سنوات النضال، وفي المقابل ازدادت ثروات الأغنياء بشكل كبير".

وأوضح الحافظي، الذي دعت جمعيته الحكومة إلى رفع الأجور بما يتناسب وغلاء المعيشة، وإقرار سياسة فلاحية تلبّي الحاجيات الرئيسية للمغاربة، أن الأزمة الروسية الأوكرانية أثبتت فشل النموذج الفلاحي المُعتمَد في المغرب، وهو نموذج موجه نحو التصدير في الأساس، إذ لا يسمح بضمان سيادة غذائية وتقديم ما يخدم المغرب ويخدم مواطنيه. وأكد أن "النموذج الفلاحي المغربي ينتج مواد ضعيفةً ويصدّرها إلى الاتحاد الأوروبي، وهذه الصادرات لا تعادل حتى ما نستورده من الحاجيات الأساسية للبلد، لهذا نعدّ هذا النموذج الفلاحي فاشلاً، لأن السياسة الفلاحية يجب أن تكون موجهةً نحو تغطية الحاجيات الأساسية في البلد. لهذا يجب دعم صغار الفلاحين الذين ينتجون ما نستهلكه يومياً، وليس مساعدة كبار الفلاحين على مضاعفة ثرواتهم فحسب، لأن هذا لن يكون في صالح البلد".

الغلاء سياسة ممنهجة

من جهته، أشار محمد الغفري، رئيس جمعية "شموع للمساواة"، أحد مكونات الجبهة الاجتماعية التي تعمل على المساواة بين الجنسين والمساواة بين المواطنين والشعوب، في تصريح لرصيف22، إلى أن الغلاء في المغرب أصبح سياسةً منهجيةً مع هذه الحكومة، وهو سبب كافٍ لمناهضته والترافع بشكل سلمي عبر المسيرة وأشكال احتجاجية أخرى، لدفع الحكومة إلى اتخاذ تدابير حقيقيّة لحماية الشعب من كل المخاطر، وعلى رأسها خطر الغلاء، وقمع الحريات واعتقال الصحافيين والمدوّنين، ومناهضة التطبيع بكل أشكاله مع الكيان الصهيوني.

أوضح الغفري، أن هناك "سياسةً في المغرب تنتج غلاء المعيشة، وهو أمر غير مفهوم، خاصةً إذا علمنا أن الأسعار ترتفع في الخارج إذا كانت المادة المستوردة قد ارتفع ثمنها أو فُقدت من السوق، لكن الأمر في المغرب مستفحل، فحتى ما ننتجه نحن كالأسماك مثلاً، والتي حبانا الله بها في بحرين وننتج منها الشيء الكثير، فهي تباع من ثلاث إلى أربع مرات في السوق السوداء قبل أن تصل إلى المستهلك، والخاسر الأكبر هو البلد والمواطن. وكل ذلك بسبب المضاربات، إذ طالبنا أكثر من مرة بتجريمها في جميع القطاعات لكن دون جدوى".

حتى ما ننتجه نحن كالأسماك مثلاً، والتي حبانا الله بها في بحرين وننتج منها الشيء الكثير، فهي تباع من ثلاث إلى أربع مرات في السوق السوداء قبل أن تصل إلى المستهلك، والخاسر الأكبر هو البلد والمواطن

يرى الغفري، أن الحكومة موجودة للسهر على راحة المواطنين، وضمان العيش الكريم لهم، وليس العكس، لأنه حتى في حال ارتفاع أثمان المواد الأولية في الخارج، فالحكومة ملزمة بإيجاد حلول مناسبة، وليس إثقال كاهل المواطنين، لأن "منطق التحرير الذي تعمل به الآن، هو منطق يستفيد منه كبار التجار، فارتفاع أسعار البترول في المغرب سببه التفريط بشركة "لاسامير" النفطية، والآن هي معروضة للبيع، والمفروض أن تقتنيها الدولة وتقوم بتكرير البترول، لكي تبيعه بأسعار تبدو معقولةً. ولكن الحكومة لا تقوم بهذا، وقد تركت المواطن الضعيف في مواجهة الغلاء والمضاربين والمحتكرين".

تضم "الجبهة الاجتماعية المغربية" أربعين هيئةً، بين نقابات وجمعيات ومنظمات وأحزاب، من بينها: الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، وفيدرالية اليسار، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي، والجمعية المغربية لحماية المال العام، والجمعية المغربية للنساء التقدميات، والجامعة الوطنية للتعليم-التوجه الديمقراطي، وقطاعات نقابية تابعة للاتحاد المغربي للشغل، وجمعية أطاك المغرب، ومنظمة حريات الإعلام والتعبير-حاتم، وجمعية شموع للمساواة، وهيئات أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard