مدينة الركيز الموريتانية... عنوان لاحتجاجات عنيفة ضد غلاء الأسعار

الأربعاء 29 سبتمبر 202101:38 م

تعيش مدينة الركيز، الواقعة في الجنوب الموريتاني، منذ الأسبوع الماضي، على وقع احتجاجات قوية ضد انقطاع الكهرباء، والماء، وارتفاع الأسعار، وللمطالبة بتحسين أوضاع المدينة، وإيقاف ما يعدّه أبناؤها تهميشاً لمدينتهم.

وقد تخلل تلك الاحتجاجات اقتحام لشركة الكهرباء، وعبث بالممتلكات. وكذلك اقتُحمت شركة توزيع الماء، ومنزل عمدة المدينة، وتم أيضاً الاعتداء على الحاكم المساعد في المدينة، ومرافق عمومية أخرى، بحسب السلطات.

بؤرة توتر

وقامت قوات الأمن باعتقال أكثر من مئة فرد من أبناء المدينة، بينهم بعض القاصرين، وحوّلت المدينة إلى مكان مرعب للسكان، بسبب الانتشار الأمني الكثيف، والخوف من استمرار حملة الاعتقالات التي يصفها السكان بـ"العشوائية".

وأحالت السلطات الأمنية، بعد أيام من التوقيف في المدينة، 41 ناشطاً إلى النيابة العامة في مدينة روصو، حيث وصلوا يوم الإثنين 27 أيلول/ سبتمبر الحالي.

وقد وجهت النيابة العامة في مدينة روصو، عاصمة ولاية الترارزة، التي تتبع لها مدينة الركيز، مجموعة من التهم إلى الناشطين، وأحالهم وكيل الجمهورية إلى قاضي التحقيق طالباً سجنهم، والتهم الموجهة إليهم هي:

"التجمهر المسلح، وانتهاك حرمة السلطة العمومية، والعصيان، والتمرد، ومقاومة القوة العمومية، والاعتداء على عناصرها في أثناء تأديتهم مهامهم، والنهب، وحرق سجلات، وعقود، ومستندات، وأوراق تجارية، للسلطة العمومية، وهدم مبانٍ، وأشياء، ومبانٍ مملوكة للغير، وإتلافها".

وتم أمس الثلاثاء 28 أيلول/ سبتمبر 2021، إحالة 29 ناشطاً إلى السجن المدني في روصو، ووضع 12 منهم تحت الرقابة القضائية، فيما أفرج عن أحد التسعة والعشرين لأنه قاصر.

أما الباقون الذين لم يُحالوا إلى النيابة العامة في مدينة روصو، وبقوا في الركيز، فأُطلق سراحهم، مع ضمانات، واستمر التحقيق معهم. ويبلغ مجموع المعتقلين في أحداث الركيز 123 شخصاً.

وحسب النائب البرلماني بيرام ولد الداه ولد أعبيدي، تعرض الموقوفون للتعذيب، وقال إن لديه شهوداً على ذلك.

وأضاف أعبيدي، أنه تحدث مع بعضٍ ممن أُفرج عنهم، وأخبروه أنهم "تعرضوا للتعذيب، والضرب على الوجه، في أثناء اعتقالهم، وتم البصق في أفواههم، إذ فُرض على السجين فتح فمه، وبصق فيه واحد من عناصر الأمن، وصنوف أخرى من التعذيب تؤدي إلى العسر. ومُنعت عنهم الزيارات، كزيارة الأهل، والمحامي، والطبيب، وهذا مخالف للقانون، ومنعوا من تغيير الملابس والاستحمام، وكان الاكتظاظ شديداً، على الرغم من أننا في زمن جائحة كوفيد19، إذ كان أكثر من 20 منهم موقوفين في غرفة مساحتها ثلاثة أمتار مربعة".

ورأى أن ما حدث انتهاك للقوانين المتعلقة بالتعذيب، والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف موريتانيا.

هَبَّةُ الركيز

تنوعت تأويلات احتجاجات مدينة الركيز، وتعددت، بين متفهمين لها ممن رأوا أنها مجرد تعبير عن غضب شعبي من تردي الخدمات في المدينة، وهي حالة عامة في موريتانيا، وبين من يرون فيها مجرد تخريب، ومماحكة سياسية.

ورأى عمدة المدينة، أن جهاتٍ من خارج المدينة تقف وراء ما حدث، ولا علاقة له بالغضب من الواقع المزري. وبحسب العمدة، فإن "ما حصل من أعمال عنف، وحرق لمنشآت عمومية، هو عمل مدبر يستهدف سكينة مدينة الركيز، والمدبرون له والمتورطون فيه ليسوا من مقاطعة الركيز".

وأضاف أن "سكان الركيز، لا يمكن أن يحرقوا المنشآت العمومية، وأن أعمال العنف والشغب ليست من أخلاقهم، ولا تصرفاتهم، ولا تاريخهم".



وأكد الحزب الحاكم، على أن الأمر لا يدخل في إطار الاحتجاج. وعدّ البعض ما حدث، مجرد استقطاب قبلي في المدينة، واستدعاء لنعرات وأحقاد قبلية قديمة، وكذلك رُوِّج للأمر على أنه محاولات من محسوبين على الرئيس السابق، لتكدير صفو النظام الحالي، وهي أراء أثارت غضباً شديداً، وعدّها البعض قفزاً إلى الأمام، ومحاولةً لتسفيه الحراك، وواقع الناس، وغضبهم من تهميشهم، واستمراراً لسياسة احتقار الموطنين.

وقال والي ولاية الترارزة: "إن الإدارة والمنتخبين في مدينة الركيز تجاهلوا مشكلات المواطنين".

بدأت أحداث الركيز، يوم الأربعاء 22 أيلول/ سبتمبر 2021، الذي شهد مباراة لكرة القدم ضمن كأس عمدة المدينة، نُظِّمت بعدها وقفة للمطالبة بالمياه والكهرباء.

وأتى أحد الدعاة للاحتجاج إلى الملعب، وطلب من بعض الحضور الذهاب معه إلى محطة الكهرباء، وحين وصلوا إليها، احتكّوا مع مدير المحطة حين قابلوه. وردد بعضهم كلمات من قبيل "سارق، سارق".

ومن ثم تطورت الأحداث، إذ قطع الشباب الطريق الرسمي، وهو مدخل المدينة، وتقع إلى جانبه محطة الكهرباء. وبعدها اندلعت أعمال شغب، ثم جاء عناصر الأمر، وحاولوا تفريق المتظاهرين ببعض مسيلات الدموع، لكنهم فشلوا، لينتقل المتظاهرون إلى وسط المقاطعة، حيث توجد بيوت مسؤولين من ضمنهم الحاكم والعمدة، ومقرا شركتي الماء والكهرباء. وبعد ساعات، وصلت إمدادات أمنية من روصو، وتمت السيطرة على الاحتجاجات.

وحسب ناشط من أبناء المدينة، فضّل عدم الكشف عن هويته، فقد تمت اعتقالات عشوائية بعد ما حدث، طالت كل من هو محسوب على المعارضة، ووقع رعب بين الأسر، بسبب عشوائية الاعتقالات.

"أحداث الركيز الأخيرة المأساوية، ليست إلا تجسيداً صارخاً للأوضاع الاقتصادية الصعبة والمقلقة". غلاء الأسعار يشعل الغضب في جنوب موريتانيا.

وفي حديث لرصيف22، قال الناشط السياسي أعل الشيخ ولد الصابر: "بحكم تواصلي السريع مع بعض شباب المقاطعة، فإن الموضوع بدأ بمظاهرة تتعلق بمطالب حول الخدمات، خصوصاً الانقطاع الكهربائي، لكن الأمور تصاعدت بشكل سريع، الأمر الذي لم يكن متوقعاً، حتى أن الأمن لم يتوقع تصاعد الأمور بهذه السرعة، بدليل أن التواجد الأمني في المقاطعة اقتصر على عدد محدود من عناصر الدرك".

وأشار ولد الصابر إلى أن "سكان الركيز كانوا يخزّنون مستوى عالياً من الغضب، وقد انفجروا بشكل مفاجئ، الأمر الذي نتج عنه الاستيلاء على عدد من المرافق الحكومية الحيوية، بالأخص مقر شركة الكهرباء، والبلدية، ومنزل العمدة. من المعروف أن مقاطعة الركيز هي إحدى مقاطعات "واد شمامة" الخصب، وهي منطقة ثرية، بسبب إمكاناتها الزراعية، والسياحية، والتجارية. ومع ذلك، يعاني سكانها من الفقر، والتهميش، وسوء الخدمات، بالأخص المياه والكهرباء".

تصريح عمدة الركيز حول الأحداث

وأكد المتحدث على أن "المظاهرات عمت مناطق المقاطعة المركزية جميعها، خلال دقائق، وكانت عنيفة، وشاركت فيها معظم طبقات المجتمع".

وعلق ولد الصابر على الأخبار المتعلقة بكون الاحتجاجات مجرد استفزازات قبلية، ومؤامرة، بأنها مجرد شائعة، قائلاً: "تم بث بعض الشائعات عبر بعض المنابر الموالية للسلطة، حول "مؤامرة" كانت تُدار من نواكشوط، وبعد يوم عاصف، تدخلت الدولة بقوة أمنية ضاربة، وقمعت المتظاهرين، واستعادت السيطرة على المدينة التي كانت قد فقدتها لساعات، لصالح بعض الشباب والمراهقين الغاضبين. ليس لدي إحصائية نهائية لعدد الموقوفين، لكن التقديرات تتحدث عن نحو 150 موقوفاً، أي أن شباب المدينة الناشطين، جميعهم يتم توقيفهم داخل مركز الدرك، وإعدادية المدينة، وهناك حديث عن نقل بعضهم إلى عاصمة الولاية روصو، كما تم اعتقال آخرين من القرى المجاورة، وحتى في نواكشوط. وتحدث البعض عن اعتقال أطفال وقاصرين".

وأكد على أن "النظام لن يعترف بفشله، ولا بحق شباب الركيز بالتظاهر، وسيحمل المسؤولية كالعادة "للأيادي الخفية"، و"النظام السابق"، مع أنه لم يعتقل أياً من أنصار النظام السابق، بل ركز اعتقالاته على معارضيه الذين هم أنفسهم يعارضون النظام السابق.

وقصة "المؤامرة" مملة جداً، وأصبحت ممجوجة، فهي الأسطوانة نفسها التي تكررها الأنظمة المتعاقبة كلها، والتي تتشارك في فشلها على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، وتفضل الحلول الأمنية على الاعتراف بفشلها، والتعامل مع حقيقة الواقع".

وتوقع المتحدث "أن النظام سيوسع اعتقالاته، من أجل وأد الحراك، ثم سيحاول تحريك مساطر جنائية ضد من يزعم بتورطهم في ما أسماه "أعمال الشغب"، من أجل ألا يكون هناك أحد يتظاهر للمطالبة بإطلاق سراح المتظاهرين، ثم سيطلق سراح أكثرهم، أو جميعهم، كما حدث من قبل في مدينة كوبني، وقبل ذلك في مدينة باسكنو في الشرق الموريتاني".

وخلص إلى أن "أسباب الأزمة ستبقى قائمة، ما دامت الحكومة على المسار الاقتصادي والاجتماعي نفسه، الذي لا يخدم سوى زمرة قليلة من أصحاب المصالح الشخصية المقربة من النظام".

تعددت الأسباب والاحتقان واحد

ما حدث في مدينة الركيز، فتح النقاش حول واقع الاحتقان في الدولة، وتردى الخدمات بشكل عام فيها، فمشكلات انقطاع الكهرباء والماء تعم موريتانيا، فحتى العاصمة نواكشوط تعاني منها، وكذلك ارتفاع الأسعار ملحوظ بشكل كبير، ومسيطر على النقاش العمومي.

وكانت الحكومة قد أصدرت قائمة تحدد أسعار السلع للتجار، وعلى الرغم من أنها ظلت مرتفعة بالنسبة إلى المواطنين، فقد عدّها التجار غير منصفة، وفيها خسارة لهم، وهو ما جعل تجار سوق المواد الغذائية في منطقة أكلينيك، في وسط العاصمة نواكشوط، يُضربون عن العمل صباح يوم الجمعة 17 أيلول/ سبتمبر 2021، احتجاجاً على قائمة الأسعار التي أقرّتها الحكومة.

ويرى التجار أن الحكومة تدفعهم إلى الخسارة، بقائمة الأسعار التي أصدرتها، مؤكدين أنها أقل من أسعار الشراء. ويرى البعض أن الحكومة مقصرة في مجال محاربة الغلاء، وذلك لضعف الرقابة في قطاع استيراد المواد الغذائية، وبيعها، وضمان حدوث منافسة بين التجار بتصانيفهم المختلفة، من موردين كبار إلى تجار نصف الجملة، وغير ذلك، ويطالب البعض بتدخل حكومي مؤسساتي، لمجابهة موجة ارتفاع الأسعار، وليس إصدار قرارات للاستهلاك الإعلامي، لا تُطبَّق، ولا يراعي مصلحة الجميع، فحسب.

شهدت مدينة الركيز الموريتانية مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والأمن، أدّت إلى اعتقال العشرات. غلاء الأسعار في موريتانيا يشعل غضب السكان

وتعليقاً على واقع الاحتقان، أصدرت أحزاب موريتانية معارضة، هي "حزب اتحاد قوى التقدم"، و"التناوب الديمقراطي"، و"تكتل القوى الديمقراطية"، بياناً مشتركاً قالت فيه: "إن المواد الأساسية في تصاعد جنوني لم تعد معه في متناول المواطنين من ذوي الدخل المحدود، ومن الطبقات الوسطى، في حين تقبع القوى الحية من الشباب، وغير الشباب، تحت وطأة البطالة، كما باتت انقطاعات الكهرباء، وتعطل شبكات الماء، ظاهرة مزمنة في فترة موجات الحر الشديد، وفي سياق جائحة كوفيد19".

وأكدت على أن "أحداث الركيز الأخيرة المأساوية، ليست إلا تجسيداً صارخاً لهذه الأوضاع الصعبة والمقلقة"، وحثّت السلطة على الاستماع إلى معاناة المواطنين، والنظر في الاحتقان الاجتماعي السائد.

وكان التجمع الوطني للإصلاح والتنمية-تواصل، قد أصدر بياناً بدوره، طالب فيه السلطات بقراءة حكيمة لما حدث، وجاء فيه:" دعونا السلطات لقراءة حكيمة لمطالب المواطنين، واحتجاجاتهم المتكررة، في مناطق عدة، قراءة تفضي إلى توفير حلول ناجزة وفعالة، لقطع أسباب الاحتجاج، وقياماً بالمسؤولية التي أوكِلت إليهم كمسيّرين لثروات البلد، ونحذر من الانجرار وراء المقاربات الأمنية، وما يصحبها من اعتقالات عشوائية، يطبعها انتهاك حقوق المعتقلين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard