هل تنجح الجزائر في تجريم التطبيع مع إسرائيل؟

الجمعة 27 مايو 202203:42 م

المحاولة الأولى التي طرحها نواب من مختلف الأحزاب السياسية في كانون الثاني/ يناير 2021، على رئاسة البرلمان الجزائري، بقيت مجرد حبر على ورق بعد حلّه من قبل الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون. بعد ذلك بأسابيع، قدّم نواب حركة مجتمع السلم الجزائرية (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد)، مشروع قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل، يضم عشرة بنود أهمها منع السفر أو أي اتصال مباشر أو غير مباشر مع تل أبيب، مع عدم استقبال حاملي جنسية الكيان الإسرائيلي، ومنع التعامل أو فتح مكاتب تمثيل من أي نوع مع هذا الكيان، بالإضافة إلى منع مشاركة أي نشاط يقام في الجزائر، يشارك فيه أشخاص طبيعيون ومعنويون، يحملون الجنسية الإسرائيلية، سواء أكان نشاطاً سياسياً أو أكاديمياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو فنياً أو سياحياً.

وفي الإطار ذاته، دعت الوثيقة-المسودة (الموجودة حالياً على طاولة البرلمان الذي سيفصل فيها، وفي حال تمت الموافقة عليها ستحال على لجنة الشؤون والحريات في مبنى زيغود يوسف، والتي ستناقش بدورها الوثيقة قبل أن تحيلها للمصادقة عليها على الجلسة العامة للمجلس الشعبي الوطني)، إلى "منع مستخدمي الشبكة العنكبوتية أو وسائط الاتصال الإلكتروني من الاتصال والتعاقد مع المواقع والخدمات الإلكترونية التي منشأها في الكيان الصهيوني أو التابعة للهيئات أو الشركات المتواطئة مع الاحتلال والداعمة له، ويتم حجب جميع المواقع والخدمات من طرف الجهة الوصية".

وحسب الوثيقة التي يحوز رصيف22، على نسخة منها، فإنه يدخل في حكم المنع كل تأييد أو تجميد أو ترويج أو دعاية أو دعم لأعمال أو تجارة أو إعلانات من أي نوع كانت، أو سلوك يتنافى مع أحكام هذا القانون أو جوهره، سواء تم ذلك خفيةً أو جهراً في أي وسيلة من وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة".

واقترحت فرض عقوبات على كل من يساهم أو يشارك في ارتكاب أفعال التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو يحاول ارتكابها، وسجنه من خمس سنوات إلى 15 سنةً، وتغريمه مالياً.

لماذا التجريم؟  

وعن أسباب إعادة إحياء هذا المشروع بالتزامن مع الذكرى الـ74 للنكبة (تصادف إعلان قيام دولة الاحتلال في 15 أيار/ مايو 1948)، رد يوسف عجيسة، النائب الذي أودع مقترح القانون بالنيابة عن أصحاب الاقتراح، على المتسائلين عن الجدوى من هذا الاقتراح، لأن الفعل غير موجود أصلاً، بالقول: "حتى المغرب كان دولةً داعمةً للقضية الفلسطينية، لكنه أصبح سادس دولة عربية تطبّع علاقاتها مع إسرائيل، فلو كان هناك قانون يمنع هذا لما وقعت الخطيئة السياسية والعقائدية".

بالرغم من أن الرأي العام الشعبي والسياسي في الجزائر يجمع على موقف واحد مناهض للتطبيع في البلاد، كما أن هذه المبادرة جاءت لقطع الطريق أمام أي محاولة، غير أنها لم تلقَ تجاوباً برلمانياً

وقال يوسف عجيسة، نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)، إن "هذه الوثيقة جاءت لتحفظ دعم الجزائر غير المشروط للقضية الفلسطينية، وتغلق كل المنافذ الممكنة للتطبيع مستقبلاً، وهو ما عبّر عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال كلمة ألقاها أمام الأمم المتحدة، إذ قال إنها أم القضايا وهو المصطلح نفسه الذي استعمله العلّامة محمد البشر الإبراهيمي".

وأضاف: "ويأتي مشروع هذا القانون في إطار إستراتيجي وإقليمي ودولي متحرك، والقضية الفلسطينية في قلب هذا الصراع فهي تتعرض لتصفية كاملة من خلال صفقة القرن التي قطّعت أوصال فلسطين".

وبقيت النخبة المثقفة والسياسية والرياضية عصيةً على الاختراق الإسرائيلي، فهم ينسحبون من المهرجانات والمحافل الدولية الكبرى بمجرد رؤية العلم الإسرائيلي.

ولم تشهد الجزائر سوى بعض التصرفات الشاذة التي لا تمت بصلة إليها، وقوبلت برفض واسع، على غرار مشاركة الفيلم الجزائري "مدام كوراج"، للمخرج الجزائري مرزاق علواش، ضمن فعاليات مهرجان إسرائيلي نُظّم عام 2015. ويُعدّ هذا التواجد الثالث من نوعه للمخرج نفسه في مهرجان حيفا السينمائي، إذ شارك سنة 1994، عبر عرض فيلمه "قتلاتو"، لكن من دون أن يسجل حضوره الشخصي. أما ثاني تواجد فكان سنة 1998، من خلال عمله السينمائي الطويل "الجزائر بيروت".

صلاحيات الرئيس

وبالرغم من أن الرأي العام الشعبي والسياسي في البلاد يجمع على موقف واحد مناهض للتطبيع في البلاد، كما أن هذه المبادرة جاءت لقطع الطريق أمام أي محاولة، غير أنها لم تلقَ تجاوباً برلمانياً حسب ما كشف نائب رئيس البرلمان الجزائري يوسف عجيسة، وقال: "حاولت ضم مجموعات أخرى للمساهمة في إثراء المبادرة، لكنها لم تلقَ تجاوباً، لذلك بادرت إلى تقديم مشروع القانون باسم الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم".

ويقول النائب البرلماني عن كتلة الأحرار، كويرات محمد أمين، لرصيف22، إننا "لا نحتاج إلى قانون خاص لتجريم التطبيع، لأن موقف الجزائر، شعباً وحكومةً وجيشاً، ضد التطبيع، وهو أمر لا غبار عليه".

"المبادرة في حد ذاتها تحمل رسالةً خطيرةً مفادها أن القرار الجزائري حول التطبيع مفكك وثمة وجود لخلاف داخلي حول هذا الفعل، وهذا الأمر غير موجود أصلاً، لأن الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها تُجمع على عداوة إسرائيل ونصرة القضية الفلسطينية"

وسار النائب عن جبهة التحرير الوطني (أكبر أحزاب السلطة)، لنصاري غالي، على الخطى نفسها، ويقول لرصيف22: "لا نحتاج إلى نص قانوني من أجل تجريم هذا الفعل، فهو غير موجود أصلاً، فالأحزاب السياسية، الموالية والمعارضة، تدعم الموقف الثابت والراسخ للجزائر تجاه القضية الفلسطينية، والسياسة الجزائرية واضحة يعرفها الصديق والعدو، والقريب والبعيد".

في المقابل، يعتقد رئيس الكتلة البرلمانية لحركة البناء الوطني (حزب محسوب على التيار الإسلامي في البلاد بقيادة عبد القادر بن قرينة)، كمال بن خلوف، أن "وضع نص قانوني لتجريم فعل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي يتجاوز البرلمان أصلاً، لأنه يدخل في إطار السياسة الخارجية، وهي من صلاحيات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون".

ويقول كمال بن خلوف، لرصيف22، إن وضع نص قانوني لتجريم الفعل يجب أن يكون في الدول التي هي في محك التطبيع، فالجزائر تُعدّ تقريباً الدولة العربية الوحيدة التي ترفض جملةً وتفصيلاً تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، ومن غير المعقول وضع نص قانوني لتجريم الفعل وهو غير موجود أصلاً".

ويرى بن خلوف، أن "المبادرة في حد ذاتها تحمل رسالةً خطيرةً مفادها أن القرار الجزائري حول التطبيع مفكك وثمة وجود لخلاف داخلي حول هذا الفعل، وهذا الأمر غير موجود أصلاً، لأن الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها تُجمع على عداوة إسرائيل ونصرة القضية الفلسطينية".

وبالنسبة إلى الباحث في الشؤون السياسية والأستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة ورقلة، مبروك كاهي، فإن مثل هذه المبادرات التشريعية قد تسبب حرجاً كبيراً للسلطة الجزائرية من حيث التزاماتها السياسية، ويمكن تشبيه الأمر بالسجال القائم حول مشروع تجريم الاستعمار الفرنسي الذي ما زال يراوح في أدراج البرلمان الجزائري، بالرغم من أن عدد المبادرات التي طُرحت في هذا السياق يتجاوز أصابع اليدين، ومعظم هذه المبادرات كانت في حقبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وواحدة منها في عهد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

"موقف السلطة واضح من التطبيع، عبّر عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بكل صراحة؛ لن نهرول نحو التطبيع ولن نباركه، فهو أمر مفصول فيه ولا يحتاج إلى دعم"

ويقول مبروك كاهي، لرصيف22، إن "موقف السلطة واضح من التطبيع، عبّر عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بكل صراحة؛ لن نهرول نحو التطبيع ولن نباركه، فهو أمر مفصول فيه ولا يحتاج إلى دعم".

ويرجح الباحث في الشؤون السياسية، أن تبقى مبادرة حركة مجتمع السلم المعروفة اختصاراً بـ"حمس"، مبادرةً حزبيةً تتطلب إقناع الشركاء الآخرين حتى يتحقق الإجماع المجتمعي، "فتجريم التطبيع مع الكيان الإسرائيلي يحتاج إلى عمل كبير بعيد عن الأضواء والتصريحات والسجال الإعلامي، لاعتبارات كثيرة أبرزها رفض السلطة الجزائرية الخوض في السجالات التي تأخذ جزءاً منها العلاقات الدولية، ولذلك يمكن تشبيه ما يحدث حالياً بالسجال القائم حول مشروع تجريم الاستعمار الفرنسي الذي لم يمر ولم يرقَ حتى ليصير مشروعاً حقيقياً".

ومن خلال هذه المعطيات، يؤكد كاهي، أن "السلطة سوف تبتعد عن مثل هذه المناقشات لأنها تتضمن العديد من الجزئيات، فهي لن تتدخل ولن تعرقل ولن تبارك في حال مروره، فموقفها واضح ومحسوم ولا يحتاج إلى أي دعم".

وبحسب الباحث في الشؤون السياسية، فإنه لا توجد في الجزائر إطلاقاً تربة سياسية وثقافية وفكرية تفكر في التطبيع مع إسرائيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard