في المغرب... مسلمون ويهود ضد التطبيع

الاثنين 29 نوفمبر 202101:46 م

بعد عام على اتفاقيات التطبيع، بين المغرب وإسرائيل، ما زالت الأصوات الرافضة لهذا المسار تندّد به في الرباط. ليس من لهم مرجعية إسلامية من المغاربة وحدهم، ينددون بأوجه التطبيع، بل اليهود المغاربة أيضاً، وخاصةً الثقافي منه، الذي يرون فيه تهديداً للهوية المغربية، وخطراً على مسارٍ عادل للقضية الفلسطينية.

التطبيع الثقافي

المفكر اليهودي المغربي جاكوب كوهين، وهو من أبرز المفكّرين اليهود المناهضين للصهيونية الذين يحاضرون، ويكتبون، دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني، إلى جانب الناشط سيون أسيدون. يتحدث كوهين إلى رصيف22، عن مخاوفه من التأثيرات السلبية، وفق وجهة نظره، من التطبيع التربوي والتعليمي والثقافي.

يعدّ كوهين التطبيع الثقافي من أخطر أشكال التطبيع، إذ يسعى إلى تحقيق أهداف عدة. ويرى الكاتب أنه من الأسهل قبوله من قبل الناس، وحتى من قبل جزء من النخبة الفكرية، لأنه يمس: "عوالم الأخوة والروح. فمن الذي سيعارض بشدة التبادل الثقافي، والمنح الأكاديمية والعلمية، وتبادل المحاضرين، والمعارض المشتركة، والحفلات الموسيقية الأندلسية (إسرائيل لديها أوركسترا أندلسية غالبًا ما تقدّم عروضها في المغرب). هذا التطبيع الثقافي، غير المؤذي في مظاهره، على الرغم من وضوحه العالي، سوف يعمل على إخفاء التطبيع الآخر الذي يثير اهتمام النظام الصهيوني بشكل غير محدود".

"الثقافة اليهودية المغربية، تتحول إلى مطية ويافطة لتمرير أجندة أخرى. وهذا ليس اتهاماً جزافاً، بل بالقرائن والأدلة"

يقول كوهين إن هذا التطبيع يخلق شكلاً من "التبعية". ويضيف: "اجعل المغرب حليفاً عسكرياً وإستراتيجياً، وقم ببيعه ما يكفي من الأسلحة، مع تقديم ما يكفي من المستشارين العسكريين، لجعله تابعاً. في ما يتعلق بهذا الجانب، ستحافظ الحكومة ووسائل الإعلام المغربية على أقصى درجات التكتّم؛ في حين أن أي شيء يتعلّق بالثقافة سيكون موضوع تقارير وخطب تلفزيونية نارية".

وقال كوهين متأسفاً، إنه بعد التطبيع، تفقد القضية الفلسطينية بالتأكيد تأثيرها وأهميتها لدى الشباب المغربي، وسوف ينظر إلى إسرائيل، أقلّ فأقلّ، على "أنها العدوّ اللدود للأمة العربية بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص، وكل هؤلاء الإسرائيليين سيغزون المغرب، وأيديهم على قلوبهم، وبابتسامة على وجوههم، معربين عن نواياهم السلمية، ورغبتهم في التعاون".

من نتائج هذا التوجه، يرى المثقف، خلق صورة وهمية عن الواقع: "كل هؤلاء المغاربة الذين سيكتشفون إسرائيل، ستُقدَّم لهم على أنها ديناميكية ومنفتحة، تضع الأقلية العربية الإسرائيلية الكبيرة مثالاً للتعايش الديمقراطي والمساواة. وكل هؤلاء السياسيين الإسرائيليين الذين سيأتون ليؤكدوا في المغرب تمسكهم بحل الدولتين. زيادةً على ذلك، أليست هذه الدولة الفلسطينية موجودةً؟ حسناً تقريباً؟ هناك رئيس، وحكومة، وبرلمان، ووزارات، وشرطة وأجهزة أمنية. كلهم فلسطينيون. كل ما ينقص هو صفقة نهائية لإنهاء هذا كله. هناك شيء في هذه 'الصورة' سيثني جزءاً كبيراً من الشباب المغربي، المنفتح بالفعل على التأثير الغربي وقيمه، عن الاهتمام بقضية فلسطينية، أقلّ فأقلّ على نحو متزايد".

يستهدف التطبيع العقل الجمعي للأجيال المغربية، لتحطيم الروابط الثقافية الحضارية التي بُنيت عليها اللحمة الوطنية

ويضيف المفكر أن النظام الإسرائيلي لم يرغب قط في توقيع سلام حقيقي مع جيرانه العرب. ففي عام 2002، عرضت المملكة العربية السعودية، نيابةً عن جامعة الدول العربية، سلاماً تاماً ومضموناً لإسرائيل، مقابل احترام القانون الدولي: "الانسحاب من الأراضي المحتلة بشكل غير قانوني، وإنشاء دولة فلسطينية. قوبل العرض العربي برفض وازدراء من قبل أرييل شارون". وكان حينها شارون رئيساً للوزراء في إسرائيل.

ويعود الكاتب إلى فكرة أن الاتفاقيات المتتالية للتوصل إلى السلام، لم تؤتِ أُكُلَها، مستدلّاً باتفاقية السلام في أوسلو. يقول: "لم تشكّل اتفاقيات أوسلو الموقعة عام 1993، في أذهان الإسرائيليين من اليسار واليمين، أساساً لإنشاء دولة فلسطينية مستقلّة. ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة من 150 ألفاً عام 1993، إلى 800 ألف اليوم، وهو مستمر في الارتفاع بشكل مطّرد، مما يجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً".

وحسب رأيه، فإن "البديل الوحيد المتبقي للفلسطينيين هو قبول "بانتوستان" (إشارة إلى الفصل العنصري في جنوب إفريقيا)، وهي أرض مجزأة خاضعة كلياً للسيطرة الإسرائيلية (السيطرة على الحدود، والمجال الجوي والموارد المائية، وحركة الأشخاص والبضائع). حلٌّ يبدو أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول العربية، قد استسلم له. وهذا يتماشى مع خطة ترامب للسلام، المعروفة بصفقة القرن.

ليس من لهم مرجعية إسلامية من المغاربة وحدهم من ينددون بأوجه التطبيع، وخاصةً الثقافي، بل اليهود المغاربة أيضاً

ويلفت الكاتب النظر إلى أن إسرائيل ليست الدولة الديمقراطية التي تدّعي، قائلاً: "ربما تكون الدولة الوحيدة في العالم التي تطبّق 'الاعتقال الإداري' رسمياً. أي إمكانية اعتقال أي مواطن إسرائيلي، أو أجنبي، لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمّى، من دون محاكمة، ومن دون محامٍ، ومن دون تهمة، لأسباب أمنية لن يتم الكشف عنها أبداً. ويُحتَجَز مئات الفلسطينيين على أساس هذه العملية، بمن فيهم النائبة الفلسطينية السيدة خالدة جرار".

ليخلص إلى أن إسرائيل دولة تطبّق الفصل العنصري داخل مجتمعها. ربما تكون الدولة الوحيدة في العالم التي لديها نظامان مدرسيان منفصلان تماماً، من الحضانة إلى البكالوريا، على أساس عرقي، أحدهما يهودي والآخر عربي، مع حصول القطاع اليهودي على ميزانية تفوق نحو ثلاث مرات القطاع الآخر".

وختم كوهين حديثه لرصيف22، بالقول: "يجب أن تتواصل جميع أشكال المقاومة في فلسطين، والدفاع عنها في المغرب مع المواطنين، وأيضاً مع الجمعيات من العرب الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة الغربية، للتعرّف على الحقائق على الأرض، وجمع الشهادات وتنسيق النضالات المشتركة".

التطبيع التربوي أخطر اختراق

من جهته، عبّر الكاتب العام للمرصد الوطني لمناهضة التطبيع (وهو جمعية مدنية تجمع مختلف التيارات السياسية المغربية تأسست يوم 5 كانون الثاني/ يناير 2013 في الرباط)، عزيز هناوي، عن رفضه للتطبيع الثقافي والتربوي في تصريح لرصيف22، عادّاً أنه أخطر أنواع التطبيع ومظاهره التي عدّها كلها جرائم ليس بحق فلسطين فحسب، بل بحق الوطن، المغرب، قبل ذلك.

وأشار هناوي إلى أن الأمر يتعلق باختراق بنية النسيج المجتمعي، واللعب على مفاصل المجتمع والدولة معاً، خاصةً في الحالة المغربية إذ تشتعل أجندة الاختراق الصهيوني على المستويين الثقافي والمجتمعي بهدف التفخيخ، وزراعة بؤر انقسامية تروم لصناعة طوابير خادمة للمشروع الصهيوني السرطاني.

وقال المتحدث إن المكوّن العبري، وكذا الأمازيغي، فضلاً عن إمارة المؤمنين، والتاريخ المغربي، والحضور العربي، والوحدة الترابية والمجتمعية، وتمرير الارتهان إلى تل أبيب، وتفخيخ مفاهيم التسامح والتعددية عبر تمرير الصهيونية، كلها عناصر يتم من خلالها التسلل، وذلك باستغلال أدوات الدولة المغربية، والمال العام.

وعن تأثير التطبيع التربوي على الناشئة، يقول هناوي، إن التأثير خطير جداً، ويتجاوز "مجرد الإساءة إلى العلاقة بالقضية الفلسطينية" (أقول مجرد عن قصد)، لأن الأمر يستهدف العقل الجمعي للأجيال المغربية، لتحطيم الروابط الثقافية الحضارية التي بُنيت عليها اللحمة الوطنية، عبر تمرير معانٍ ومفاهيم متصهينة تخريبية للذات المغربية".

وأضاف: "لقد وقفنا على ذلك عند زيارة وفد تعليمي من التلاميذ في مدينة مكناس، الموسم الماضي، إلى المعبد اليهودي، تحت عنوان التسامح، وقد تم توثيق عملية غسيل دماغ للتلاميذ باتجاه صهينة مفاهيم الوطن، والصحراء المغربية، وإمارة المؤمنين". يختم المتحدث مشيراً إلى أن "الثقافة اليهودية المغربية، تتحول إلى مطية ويافطة لتمرير أجندة أخرى. وهذا ليس اتهاماً جزافاً بل بالقرائن والأدلة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard