عشرات المفقودين... غرق مركب للمهاجرين في تونس يسلّط الضوء على معاناة المهاجرين

الخميس 26 مايو 202204:30 م

أعلنت السلطات التونسية عن غرق زورق مطاطي في سواحل جزيرة قرقنة كان على متنه نحو مئة مهاجر غير شرعي، وقد تمكنت الوحدات البحرية من إنقاذ 24 مهاجراً غير نظامي من جنسيات إفريقية وآسيوية وانتشال جثة واحدة، فيما تتواصل عملية البحث عن 75 مفقوداً. وتفيد المعلومات الأوّلية بأن الزورق انطلق من سواحل "زوارة" الليبية في اتجاه السواحل الأوروبية ليلة 22 و23 أيار/ مايو.

قوارب الموت

حادثة غرق المركب ليست بمعزل عن حوادث مشابهة تتعرض لها "قوارب الموت" بشكل شبه يومي، فقد انتشلت خلال الشهر الماضي جثامين 17 مهاجراً غير شرعي، وأنقذت 97 آخرين إثر غرق أربعة مراكب عند سواحل محافظة صفاقس.

وعلى الرغم من الارتفاع اللافت في عدد ضحايا قوارب الموت خلال الفترة الأخيرة، يصرّ المهاجرون غير النظاميين على المغامرة هرباً من الفقر والخصاصة حالمين بحياة أكثر أماناً وبمصير أفضل.

أحصى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خلال الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني/ يناير إلى 25 أيار/ مايو 2022، غرق 373 مهاجراً وفقدانهم مقابل 215 ضحيةً ومفقوداً خلال الفترة نفسها من سنة 2021، أي أن حوادث الغرق على السواحل التونسية ارتفعت بنسبة 73 في المئة، كما ارتفع عدد المهاجرين الذين تم منع اجتيازهم انطلاقاً من السواحل التونسية إلى 7،030 مهاجراً مقابل 5،514 في الفترة نفسها من سنة 2021.

تمكنت الوحدات البحرية من إنقاذ 24 مهاجراً غير نظامي من جنسيات إفريقية وآسيوية وانتشال جثة واحدة، فيما تتواصل عملية البحث عن 75 مفقوداً

أفاد المتحدث الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمكلف بالهجرة، رمضان بن عمر، بأن تونس تشهد في السنوات الأخيرة أزمةً إنسانيةً كبيرةً في علاقة بالهجرة غير النظامية، ضحاياها المهاجرون واللاجئون وطالبو اللجوء، وأسبابها خارجية مرتبطة بالاتحاد الأوروبي وسياسته في البحر الأبيض المتوسط وداخلية متعلقة أساساً بالوضع في تونس.

يرى محدث رصيف22، أن الاتحاد الأوروبي يريد إلقاء العبء في قضايا الهجرة على دول الجنوب ويسعى إلى التخلص من عبء الهجرة والمهاجرين عبر نقل هذه الأزمة التي كانت على شواطئه في سنوات 2014 و2015، إلى دول الجنوب أساساً مثل تونس وليبيا.

حرس الحدود

ويؤكد بن عمر أن الاتحاد الأوروبي تخلى عن دوره في البحر الأبيض المتوسط، ولم يعد يساهم في عمليات إنقاذ المهاجرين ويفرض تضييقاً على المنظمات الإنسانية التي تقوم بعمليات الإنقاذ ويمارس شتى أنواع الضغوط على تونس وليبيا من أجل القيام بدور حرس الحدود الأوروبية بالوكالة، عادّاً أنه استغل هشاشة هذه الدول، خاصةً منها تونس التي تعاني من وضع اقتصادي وسياسي واجتماعي متردٍ لتحصل على تعاون غير عادل ينتهك حقوق المهاجرين وكرامتهم ويساهم في تعميق المأساة الإنسانية في البحر بفرضه على السلطات التونسية ضبط الحدود البحرية من خلال عمليات الاعتراض التي تقوم بها حتى في المياه الدولية، وللمهاجرين من السواحل الليبية الذين تجرفهم الرياح أو المياه نحو السواحل التونسية.

يرى رمضان بن عمر أن تونس أصبحت تلعب دور حارس الحدود الأوروبية في حين أنها دول تمرّ بفترة انتقال ديمقراطي واقتصادي وهي مرحلة فيها توترات وخاصةً أزمات اقتصادية واجتماعية ستلقي بضلالها على المهاجرين واللاجئين وانعكاساتها تكون أكبر على الفئات الأكثر هشاشةً، كما أشار إلى أن الجانب التونسي لم يكن عنده فهم متكامل لقضايا الهجرة بمختلف أبعادها ولم تكن له إستراتيجية واضحة ينطلق منها للنقاش مع الاتحاد الأوروبي في مسألة الهجرة، سواء المهاجرين من جنوب الصحراء أو المهاجرين غير النظاميين التونسيين، وظل الطرف التونسي في موقع المتلقي للتعليمات الأوروبية والمتفاعل معها.

تونس أصبحت تلعب دور حارس الحدود الأوروبية في حين أنها دول تمرّ بفترة انتقال وهي مرحلة فيها أزمات اقتصادية واجتماعية ستلقي بضلالها على المهاجرين واللاجئين

كما انتقد المتحدث اكتفاء الجانب التونسي بالمقاربات الأمنية في ملف الهجرة غير النظامية، عوض مقاربات تتوجه أكثر نحو الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، لافتاً إلى أن تونس لم تهيّئ الأرضية الملائمة لتحسين ظروف المهاجرين من جنوب الصحراء في تونس، ولم توفر لهم فرص الاندماج الاقتصادي لكيلا تتركهم فريسةً سهلةً لمجموعات تهريب المهاجرين أو شبكات الاتجار بالبشر وغيرها.

وقال بن عمر: "القانون التونسي ما زال في جزء كبير منه إقصائياً وتمييزياً تجاه المهاجرين، فهو لا يتيح لهم حق الولوج إلى سوق العمل ولا يمنحهم إمكانية تسوية وضعيتهم الإدارية ولا التمتع بالحقوق الأساسية كالصحة والتعليم وغيرهما. لا تدمج السياسات العمومية في تونس المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء. تونس ليس لديها إطار قانوني واضح لحماية المهاجرين، وتالياً من تدير هذه العملية هي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والدولة أوكلت لها المهمة بصفة كاملة واستقالت من مهامها".

طالبو اللجوء يخرجون عن صمتهم

الحادثة الأخيرة والحوادث المشابهة، تدفع الكثير من اللاجئين وطالبي اللجوء إلى الغضب من أوضاعهم في تونس، وتدفع البعض منهم إلى محاولة الهجرة غير النظامية إلى الاتحاد الأوروبي، يحكي لنا لاجئ سوداني  رفض الكشف عن اسمه، أنه دخل التراب التونسي سنة 2019، وعن ذلك يقول: "دخلت تونس هرباً من جحيم الحرب في ليبيا وبطش الميليشيات. كنت أبحث عن بلد أكثر أمناً واستقراراً، لكننا تشردنا في الشوارع وأصبحنا عرضةً للخطر منذ أن تخلت عنا المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. اعتصمت وزملائي المقدّر عددهم بنحو 200 شخص أمام مقر المفوضية في ضفاف البحيرة. حاولنا إيجاد حل مع المفوضية لكنها كانت متعنّتةً وغير قابلة للتفاوض وتسببت بذلك في تفاقم الأزمة. مطلبنا الأساسي كان إجلاءنا من تونس بعد أن أصبحنا عرضةً للخطر وبعد تدخل أطراف حقوقية تنازلنا عن المطلب وقبلنا بمقترح تخصيص سكن للاجئين ثم دراسة ملفاتهم. لكن المفوضية تراوغ ولم تفِ بوعودها واللاجئون ما زالوا مشردين إلى اليوم".

هؤلاء المهاجرون الوافدون على تونس، نساءً ورجالاً وأطفالاً، لا يعدّون تونس سوى نقطة عبور يرفضون المكوث فيها لعدم توفر أبسط مقومات العيش الكريم

يؤكد اللاجئ في حديثه إلى رصيف22، أن لاجئاً ليبياً من عديمي الجنسية كان يعتصم معهم أمام المفوضية تعرض لحادث مرور يوم 19 أيار/ مايو الجاري، توفي على إثره في مستشفى في إحدى ضواحي العاصمة، ويضيف: "أعرف أن وفاته قدر لكن الإهمال يسبق الأقدار، فلو لم يكن مشرداً، ما حدث هذا... نحن نستمد قوتنا من المساعدات التي نتلقاها أحياناً. نطالب بالسكن وبتوفير الخدمات الاجتماعية والصحية".

يعتصم لاجئون وطالبو لجوء منذ شهر شباط/ فبراير الماضي، أمام مقر مفوضية اللاجئين في جرجيس جنوب البلاد، وقد قرروا نقل اعتصامهم إلى تونس العاصمة بعد تعنّت المفوضية في الاستجابة لمطلبهم الأساسي وهو نقلهم من تونس نحو الفضاء الأوروبي بحثاً عن ظروف عيش أفضل. فهؤلاء المهاجرون الوافدون على تونس، نساءً ورجالاً وأطفالاً، لا يعدّون تونس سوى نقطة عبور يرفضون المكوث فيها لعدم توفر أبسط مقومات العيش الكريم.

في تعليقه أوضح رمضان بن عمر، أن المفوضية منظمة أممية قريبة من الحكومات والسياسات الحكومية ولها ممارسات تواجه اعتراضاً من اللاجئين وطالبي اللجوء. ولفت إلى أن المهاجرين في تونس لديهم إشكال كبير مع المفوضية في علاقة بمسألة دراسة ملفات اللجوء، ومسألة الحيّز الزمني الممنوح لدراسة هذه الملفات التي تستغرق وقتاً طويلاً أحياناً في ظل غياب مرافقة للاجئين وطالبي اللجوء عندما تتم عملية إدماجهم في المجتمع التونسي، بالإضافة إلى عدم تمتعهم بالخدمات الأساسية التي تضمن كرامتهم، مثلاً على مستوى الإعانات والسكن والحق في الصحة والدراسة.

كما أشار بن عمر، إلى أن المفوضية طلبت من المجموعة المعتصمة مغادرة المبيتات والمساكن التي تستأجرها لهم وأعلنت عن تخفيضها قيمة المساعدات المالية المخصصة للاجئين وطالبي اللجوء، مما أثار غضبهم ودفعهم للاحتجاج منذ يوم 9 شباط/ فبراير حتى الآن.

مسؤولية مفوضية اللاجئين

حمّل المتحدث الرسمي باسم المنتدى، عن الوضعية المأساوية للاجئين، للمفوضية، مسؤولية هذه الأزمة لأنها خلقتها وتعاملت مع المهاجرين بمنطق الحكومات نفسه إذ تعترف بهم لاجئين ولا تمكنهم من مقومات الحماية الدولية بدعوى أن ميزانيتها لا تسمح بذلك، في حين أنها مسؤولة عنهم ويُفترض بها أن تجد حلولاً تحفظ كرامتهم.

تفاعلاً مع اعتصام اللاجئين وطالبي اللجوء، دعت منظمات تونسية ودولية في بيان لها السلطات التونسية إلى الإيفاء بالتزاماتها في ما يتعلق بحماية اللاجئين، خاصةً أن المعتصمين "يعيشون ظروفاً صعبةً ووضعاً صحياً خطيراً".

في المقابل، استنكرت وزارة الخارجية التونسية "ما يروّج له عدد من المعتصمين من معلومات مضللة وادّعاءات باطلة بتعرضهم لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان"، قائلةً في بيان لها أنه "لا يمكن القبول بتوظيف مناخ الحرية الممنوح للاجئين وطالبي اللجوء ليعمد البعض منهم إلى تشويه صورة تونس بأي شكل من الأشكال في الوقت الذي استقبلتهم فيه بعد أن تم إنقاذ حياتهم إثر غرق مراكبهم في البحر".

يجب وضع خطة عاجلة للبحث والإنقاذ للحد من مآسي الهجرة غير النظامية، لأن المقاربات التي نستعملها حالياً أمنية تمنع الوصول إلى الفضاء الأوروبي، لكنها لا تنقذ الأرواح

يرى الحقوقي بن عمر، أن هذا البيان عنيف تجاه المهاجرين، وفيه وصم وتمييز ضد المهاجرين والتعليقات عليه كانت عنصريةً بمعنى أن خطاب وزارة الخارجية أثار مشاعر معاديةً فيها كراهية لمهاجرين، في حين أن تونس جزء كبير من أبنائها يعيشون في الخارج وبطريقة غير نظامية.

وقال بن عمر: "نحن كمجتمع مدني ندافع عن التونسيين الموجودين في فرنسا وإيطاليا بطريقة غير نظامية، ونندد بما تمارسه الحكومتان الإيطالية والفرنسية تجاههم، وأودعنا شكاوى في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضدهما، وتالياً وجب علينا الدفاع عن حقوق المهاجرين الموجودين على أراضينا بالقدر نفسه، ونمكنهم من الحقوق نفسها لنكون دولة استثناء في حفظ الحقوق والحريات".

لاحظ بن عمر وجود خطر كبير، وهو صعود خطاب معادٍ للمهاجرين في الشبكات الاجتماعية، بدأ يأخذ أبعاداً ميدانيةً من خلال تصاعد الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية ذات الطابع العنصري التي يتعرض لها المهاجرون عادّاً أن ذلك "نتيجة حتمية لتسامح الدولة مع خطاب الكراهية المتصاعد والذي تبنّت وزارة الخارجية جزءاً منه، ما من شأنه أن ينشئ في المرحلة القادمة تيارات معاديةً للمهاجرين وخطاباً سياسياً أو أحزاباً معاديةً للمهاجرين مثل اليمين الأوروبي".

ودعا المتحدث الحكومة التونسية إلى الانخراط في مقاربات إنسانية تتجه نحو البحث والإنقاذ، على أن تكون الوسائل اللوجستية التي يقدمها الجانب الأوروبي مخصصةً للإنقاذ، لأن السواحل التونسية والبحر الأبيض المتوسط يخضعان لرقابة إلكترونية بحرية جوية تامة من الطرف الأوروبي ويتم تبادل كل المعطيات سواء مع الحرس البحري التونسي أو مع خفر السواحل الليبي.

كما رأى أن المسؤولية مضاعفة على الاتحاد الأوروبي، لأن المراكب تلقي بها التيارات البحرية والهوائية نحو السواحل التونسية  وتنطلق من السواحل الليبية، وهي مسؤولية سياسية وأخلاقية وقضائية للاتحاد الأوروبي وعليه أن يمكّن المنظمات الإنسانية من كل التسهيلات للمساهمة في إنقاذ الأرواح.

وقال بن عمر: "في تونس لم ننجح في توفير ظروف وسياسات اقتصادية تحفظ كرامة أبنائنا على الأقل. عندما يختارون الهجرة غير النظامية، ويتعرضون للخطر يشعرون بأن الدولة بجانبهم، وتوفر لهم كل الإمكانات لإنقاذهم وحمايتهم. هذه السنة سنواجه صيفاً خطيراً لأن العوامل التي تدفع شباناً للهجرة ما زالت موجودةً، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعمقت بما يغذّي الرغبة في الهجرة، والشبكات التي تنظم الهجرة تستغل هذه الرغبة لمراكمة الأرباح وتضع المهاجرين في ظروف صعبة. منذ الآن يجب وضع خطة عاجلة للبحث والإنقاذ للحد من مآسي الهجرة غير النظامية، لأن المقاربات التي نستعملها حالياً أمنية تمنع الوصول إلى الفضاء الأوروبي، لكنها لا تنقذ الأرواح".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard