"إذا ضاقت بك الدنيا، فسِرْ"... الهجرة والهويّة البَينيّة

الجمعة 3 ديسمبر 202104:07 م

من القطع الشعريّة المشجّعة على السفر والحركة، ما يطالعنا به الإمام الشافعي؛ الحركة بما لها من علاقة بالزمان والمكان، ومع ما للسفر من دلالات روحيّة وماديّة متنافرة أحياناً. ومن الشذرات اللمّاحة إلى الرحلة ومفهومها ،موقف يُنسب إلى النفري: "إذا ضاقت بك الدنيا، فسِرْ".

إنما ينفتح السفر، بما يتضمّنه من آفاق رحبة، على مآزق الهويّة والانتماء والاغتراب، عندما يكون ارتحالاً قسريّاً بين الأمكنة على وجه الخصوص. والأدب يتّسع لأسماء من العالم العربي نقل أصحابها تجاربهم فنّاً حين ضاقوا بالبشر وبالأمكنة اغتراباً.

فالرحلة مثلّثة الأبعاد من حيث انعكاسها على الإنسان: في اجتماعه ورزقه وهويّته. هي عنوان التحولات في الهويّة الثقافيّة والاختبار في جغرافية الروح. يوحّد المتصوّف بين العابر والطريق، بوصف العبور تجربة روحيّة. وقد تكون الرحلة هي نفسها "الفارماكون"، العقار الذي يحمل – بحسب نِسب استخدامه وطرق هذا الاستخدام- إمكانية الشفاء والداء معاً، واحتماليّة العلاج والسمّ. وفي معنى يتقاطع مع هذا الوصف موقف البحر للنفري: "في المخاطرة جزء من النجاة".

من الشذرات اللمّاحة إلى الرحلة ومفهومها ،موقف يُنسب إلى النفري: "إذا ضاقت بك الدنيا، فسِرْ"

أهروب من الماضي أم احتفال بالمستقبل، أم الاثنان معاً؟

يؤكّد الشافعي الجانب المشرق للسفر في قصيدته: "سافر، تجد عوضاً عمّن تفارقه/ وانصِب، فإنّ لذيذ العيش في النَّصَبِ/ إنّي رأيت وقوفَ الماء يفسده/ إن سال طابَ، وإن لم يجرِ لم يطِبِ". وفي اتجاه يبتعد عن هذه المقاصد، يعبّر الجزائري مالك حدّاد، في روايته "التلميذ والدرس"، بالقول:

"كم أرغب في الذهاب بعيداً إلى أي مكان، حيث لا أرى إلا وجوهاً مجهولة، تتماثل ثم تغيب على وقع المصادفة التي تبدر من المحطّات. كم أرغب في أن يكون لي اسم آخر، أن أكون من جنس مغاير، أن أغيّر لون ذاكرتي وأوهامي".

ينفتح السفر، بما يتضمّنه من آفاق رحبة، على مآزق الهويّة والانتماء والاغتراب، عندما يكون ارتحالاً قسريّاً بين الأمكنة على وجه الخصوص. والأدب يتّسع لأسماء من العالم العربي نقل أصحابها تجاربهم فنّاً حين ضاقوا بالبشر وبالأمكنة اغتراباً

يتبدّى السعي في الأرض لدى الشافعي احتفاليّة لقاءات ومعارف وخبرات. فالاجتهاد بغيته طلب الرزق والصداقات الجديدة جنباً إلى جنب. ولا يبتغي حدّاد- على لسان الراوي- من الوجوه ألفة أو صداقة مستدامة؛ ألفة مفقودة في ما اختزنته ذاكرته من وجوه، لا يريد ما يستقرّ ويؤسّس ربما لمعاناة أخرى. في اللقاء المنشود تفريغ مستمرّ للذاكرة من التاريخ والوجوه والأمكنة، بل أكثر من ذلك، ارتجاء نسيان الاسم، أي ما يشكّل الهويّة.

اللغة، المكان والمعايير الاجتماعيّة

لكي نفهم رغبة مالك حدّاد، وهو الذي يعيش على تخوم زمانين ومكانين وثقافتين، من خلال روايته على أقل تقدير، نستحضر تعريف سلمان رشدي (روائي بريطانيّ من أصول هنديّة) للإنسان بهويّته المكوّنة من ثلاثة عناصر مركزيّة، هي: اللغة، المكان والمعايير الاجتماعيّة. ويقول إنّ المرء عندما يهاجر إلى مكان آخر، يخسر فجأة هذه العناصر التي تعرّفه، ويُعتبر بحكم الميت. وليستعيد إنسانيّته ينبغي له أن يتعلّم لغة مهجره ومعاييره الاجتماعيّة الغريبة عليه.

ويقول على لسان جبريل فاريشتا، إحدى شخصيّاته الروائيّة: "إذا رغبت في أن تولد من جديد، فلا بدّ لك أولاً أن تموت". ذلك في إشارة منه إلى حالة الضياع -الشبيهة بالأحلام- التي يمرّ بها المهاجرون. ويبدو أنّ مأزق الهويّة البينيّة يصيب المهاجر، وتبقى أزمته قابعة في العمق، وإن جاهر بهويّة متعدّدة المشارب مثلما فعل اللبناني أمين معلوف، بتصالحه مع ذات دائمة التشكّل، وانفتاحه على ثقافات مكوّنة لهويته، وليس بقتل أي مكوّن كما يقترح رشدي.

يؤكّد الشافعي الجانب المشرق للسفر في قصيدته: "سافر، تجد عوضاً عمّن تفارقه/ وانصِب، فإنّ لذيذ العيش في النَّصَبِ/ إنّي رأيت وقوفَ الماء يفسده/ إن سال طابَ، وإن لم يجرِ لم يطِبِ"

يفصح معلوف في كتابه "الهويّات القاتلة" عمّا يأتي: "ما يحدّد كياني، وليس كيان شخص آخر، هو أنّني أقف على مفترق بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافيّة. وهذا بالضبط ما يحدّد هويّتي. فهل أكون أكثر أصالة لو استأصلت جزءاً من كياني؟". هما الأصيل والرافد يتجاوران ليمتزجا لاحقاً، لكنهما غالباً ما يتصارعان ليجد المهاجر نفسه أمام ضرورة الحسم في خياراته.

ما وراء التخوم والأوطان والمعتقدات

لعلّنا نفهم حالة الانتماء إلى الذات دون الانضواء إلى أي مكان بوصفه وطناً نهائياً، أو إلى عقيدة تميّز الفرد وتضعه في جانب دون آخر، ومع جماعة في مواجهة أخرى، كما هو حال الجماعات المؤدلجة سياسيّاً ودينيّاً على مستوى العالم، إذا ما عقدنا مقارنة بين شخصيّتي ليون الأفريقي التاريخية (رواية لأمين معلوف)، ويوسف الإنجليزي المتخيّلة (رواية لربيع جابر). مهما يكن من أمر مرجعيّة كل شخصية، فهما تحيلان إلى نماذج واقعيّة، ولا تبتعدان عن ظروف مماثلة للروائيين.

في حديثه إلى ابنه، يقول ليون الإفريقي: "لقد كنت في رومة ابن الإفريقي؛ وسوف تكون في إفريقية ابن الرومي". قد يندرج هذا التوصيف لمتعدّد الانتماءات والثقافات في خانة التيه والاغتراب، وقد تفضي هذه النظرة إلى الوافد والعائد، وإلى كل من يجد نفسه خارج الاصطفافات، باختيار حرّ منه أو لظروف صنعت شخصيته ومن ثم مصيره، إلى نتيجة مأسويّة. لكنّ احتمال القوّة والسعادة يحدث أن يكون أكبر في الفرادة والاختلاف.

كما يحدث أن يشكّل الخروج على السرديّات الكبرى، بالتفكير خارج الصندوق، حافزاً على التواصل المتجدّد والمغاير.

يفصح معلوف في كتابه "الهويّات القاتلة" عمّا يأتي: "ما يحدّد كياني، وليس كيان شخص آخر، هو أنّني أقف على مفترق بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافيّة. وهذا بالضبط ما يحدّد هويّتي. فهل أكون أكثر أصالة لو استأصلت جزءاً من كياني؟"

واصفاً نفسه بابن السبيل، وبأنّ وطنه هو القافلة، يوصي حسن الوزان، أو ليون الإفريقي، ابنه بما يتقاطع مع كل من أبيات الشافعي والمقولة المنسوبة للنفري؛ فينصحه بالقول: "عندما يلوح لك ضيق عقول الناس، فقل لنفسك أرض الله واسعة، ولا تتردّد في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار، إلى ما وراء جميع التخوم والأوطان والمعتقدات".

ويوسف جابر الذي أُطلقت عليه تسمية يوسف السوري في لندن، والإنجليزي حين عاد إلى بلدته الجبليّة كفربرك، وجد نفسه محاصراً بذاكرة لا تهدأ، ومفرغة من الانتماءات جميعها، وخارج معارك وحروب أدمت تاريخه؛ فحزم حقائبه وغادر من جديد.

تيه الهويات القاتلة

يحلم يوسف أو جوزف بحياة جديدة بلا ماضٍ وبلا ذاكرة. هرب من الأمكنة جميعها قاصداً "العالم". يدلّ اختفاؤه في المتخيّل السردي، على أنّه لم يجد سوى ذاته بفضائها ينتمي إليها خارج الأمكنة والمعتقدات. فكما أكره ليون على تبديل معتقده بمحو ما سبق، فيوسف، ولظروف متقاربة، وجد نفسه ليس درزيّاً ولا إنجيليّاً تماماً.

كما أنه، في لندن، نسي الحروف العربيّة؛ وجعلته أحلامه المعجَمة غريباً عن نفسه. اكتشف في بلدته عندما رجع أنّه صار إنجليزيّاً. حاول أن يجد شيئاً في كتاب رسائل الحكمة يضيء له الدرب، فلم يفلح. خبّأ كتابه الديني داخل بيت جلديّ وأقفل عليه الجارور.

غير أنّ ليون يبدو أكثر مرونة مع اللغات بمحمولاتها الثقافيّة؛ كما أنّ الصلوات جميعها ملك يده. لكن يفصح أنّه لا ينتمي إلى أيّ منها. فهو لله وللتراب، وإليهما راجع في يوم قريب. وبشيء من المرارة يأمل بألفة القبر حيث يشعر بالانتماء الحقيقي: "ذلك المثوى الأخير الذي لا يحسّ فيه أحد قطّ بالغربة أمام وجه الخالق".

"الطريق الذي يقطعه المرء لا يقلّ أهميّةً عن المكان الذي سيصل إليه"

يؤكّد أمين معلوف موقفه من أنّه لا يملك هويّات متعدّدة، بل هوية واحدة مؤلفة من عناصر كوّنتها. لأنّ الهويّة لا تتجزّأ، ولا تتوزّع مناصفة أو مثالثة. وهي لا تتطابق مطلقاً بين شخص وآخر. ويربط هذا الوضع بأزمة اللامنتمي؛ فكل من يجاهر بهويّة أكثر تعقيداً يجد نفسه مهمّشاً، بحسب ما يذهب.

لهذه الأسباب رحل يوسف، ونبّه ليون ابنه. فثمة خيارات قد تكون مؤلمة حين تلتقي انتماءات متعدّدة وتتصارع في ما بينها؛ فإمّا الرحيل وإمّا اختيار معسكر ما، والعودة إلى صفوف عشيرة باختزال هوية في عنصر واحد ليس إلا.

تجربة السفر طريق مرصوف بالوهم والحقيقة، وبالشك في قدرة المسافر على العبور وبالإيمان معاً. وهي تطرح إشكالية العابر والطريق؛ فالسائر عالق أبداً في المابين: بين البدايات المتوهَّمة واللانهايات المرجوّة. لكنّ الإجابة الأكثر اطمئناناً قد أعلنها الراوي في رواية "الخيميائي" لباولو خويلو، بأنّ "الطريق الذي يقطعه المرء لا يقلّ أهميّةً عن المكان الذي سيصل إليه". هي إذاً، دهشة السؤال عن الإنسان والطريق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard