تركيا تلعب أوراقها قبيل الانتخابات... دخول السويد وفنلندا إلى الناتو مقابل دعم عمليتها في سوريا

الثلاثاء 24 مايو 202206:40 م

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الإثنين، عن اعتزام تركيا إطلاق عملية عسكرية في مناطق شمال سوريا التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، مشيراً إلى أن الأمر ينتظر موافقة مجلس الأمن القومي التركي فحسب.

تصريحات أردوغان، تشير بشكل أو بآخر إلى أن العملية لا ترتبط فقط برغبة تركيا في إبعاد مقاتلين وتنظيمات تضعهم على قوائم الإرهاب عن حدودها فحسب، إذ إن توقيت الإعلان واقتراب موعد العملية العسكرية التي تدور حولها الشائعات والتحليلات والأخبار منذ شهور، يشي بأنها ترتبط بشكل مباشر بنقطتين أساسيتين إحداهما تؤثر على أخرى، ثالثة.

تأتي العملية في وقت تحفظت فيه تركيا على الموافقة على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وأنباء متتالية عن انسحاب قوات روسية من سوريا لدعم العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، من جهة، ومشروع "العودة الطوعية" الذي أعلن عنه أردوغان قبل أسابيع، والذي يشمل إقامة مشاريع تنموية وتجارية وتعليمية لإعادة مليون سوري إلى بلادهم من تلك المناطق من جهة أخرى، وهذه النقطة بالذات هي التي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على النقطة الثالثة، أي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية في صيف 2023، التي يصفها محللون ومراقبون بأنها "الأصعب" و"الأكثر حسماً" في تاريخ تركيا الحديث.

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الإثنين، عن اعتزام تركيا إطلاق عملية عسكرية في مناطق شمال سوريا التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية"

مبررات وأسباب

تركيا، وفق كلام أردوغان، ستتخذ قراراتها في ما يخص العملية خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الخميس المقبل. والحديث عن عملية عسكرية تركية جديدة في مناطق الشمال السوري ليس جديداً، إذ سبق أن صدرت العشرات من التحليلات السياسية والعسكرية والتقارير الصحافية الخاصة بالأمر، إلا أن ما صرّح به أردوغان هو الإعلان الرسمي الأوّل عن العملية، خاصةً مع عمليات استهدفت الداخل التركي، أعقبتها اتهامات وجّهتها أنقرة إلى "قسد" بتنفيذ هذه العمليات، كما أنها تأتي بعد عملية "المخلب"، التي نفّذتها تركيا في شمال العراق ضد "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، الذي تضعه على قوائم الإرهاب.

وكانت وتيرة الاشتباكات بين "قوات الجيش الوطني" و"قسد" قد ارتفعت خلال الأيام الأخيرة في ريفَي حلب الشمالي والشرقي، ومدينتَي "رأس العين" و"تل أبيض".

يرى الكاتب السياسي التركي، حمزة تكين، في حديث إلى رصيف22، أن العملية العسكرية المرتقبة "كان لها العديد من المؤشرات خلال الأشهر الماضية، وما أعلن عنه أردوغان كان مجرد إعلان وتأكيد عليها"،

ويشرح: "مبررات العملية لم تنقطع يوماً خلال السنوات القليلة الماضية، وأهمها وجود تنظيمات (إرهابية) في الشمال السوري تهدد الحدود التركية والأمن القومي التركي وتهدد بتقسيم سوريا، وهو ما لا يتوافق مع مصلحة الأمن القومي التركي، خاصةً أن هذه التنظيمات (قوات سوريا الديمقراطية-قسد، وPKK)، نفّذت عمليات قصف وتفجير في مناطق غصن الزيتون ونبع السلام ودرع الفرات، كما استهدفت مناطق داخل الحدود التركية"، مشيراً إلى أن العملية "ستتم بالشراكة بين الجيش التركي والجيش الوطني السوري كما العمليات السابقة".

وأصدر المكتب الإعلامي لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، بياناً أمس الإثنين، نفى فيه "أي بوادر لتغيير إستراتيجي في انتشار القوى الضامنة في مناطق نفوذها شمال شرق سوريا"، عادّاً أن التصريحات التركية لـ"تسخين الأجواء"، مستبعداً أي عملية عسكرية فعلية.

العملية والعودة الطوعية

لا يمكن الحديث عن العملية العسكرية التركية التي أعلن عنها الرئيس التركي، من دون ربطها بشكل أو بآخر بمشروع "العودة الطوعية"، خاصةً أن العدد الأوّلي الذي يستهدفه المشروع يشمل مليون سوري، في حال لم تُحتسب أعداد أخرى قد يتضمنها المشروع في وقت لاحق.

وعليه، فإن النظرية السياسية المطروحة هنا هي "عملية عسكرية تزيح خصوم أنقرة من على حدودها، وتؤمّن نتيجةً أفضل للمشروع، وتالياً تخفيف الضغط الذي يسببه ملف اللاجئين السوريين على حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات المقبلة في عام 2023".

يلعب الرئيس التركي أوراقه مستفيداً من "موقعه القوي" نتيجة الواقع الأوروبي الجديد بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، كذلك تستهدف عمليته العسكرية في شمال سوريا جميع ممارسات حكومة العدالة والتنمية الحالية الداخلية محاولاً استعادة شعبيته قبل الانتخابات

وبقدر ما يمكن القول إن هناك اتفاقاً حول ارتباط العملية بشكل أو بآخر بمشروع "العودة الطوعية"، يذهب الخلاف أكثر في اتجاه ارتباطه بشعبية حزب العدالة والتنمية في الشارع التركي، ويرى المحلل السياسي التركي، مصطفى كمال أرديمول، أن "العملية المحتملة يمكن أن تبدأ من منطقتَي تل رفعت ومنبج، والخطة هي السيطرة على هذه المناطق في المقام الأول".

ويقول أريدمول لرصيف22: "أردوغان زعم بأن منظمتَي PKK، وYPD، كثّفتا من هجماتهما ومضايقاتهما في الشمال السوري، وأن مصدر هذه الهجمات هو منطقة تل رفعت، وعليه ستتم إعادة توطين المدنيين السوريين في المناطق الخالية، لذا أعتقد أن العملية مرتبطة بمشكلة الهجرة".

ويضيف: "العملية تستهدف فعلياً جميع ممارسات حكومة العدالة والتنمية الحالية الداخلية، وأردوغان يحاول استعادة شعبيته قبل الانتخابات، لذا فإن العملية مرتبطة بالانتخابات بشكل مباشر، إذ قال أردوغان إنه سيعيد مليون سوري، وينوي تهيئة مناطق آمنة لهم في الوقت الذي يتواجد فيه الجيش التركي هناك بالفعل، لذا فإن الهدف هو فقط الحد من رد فعل المجتمع التركي، وأنا أرفض هذا الأمر لأنني لا أريد إعادة أي طالب لجوء طوعاً أم قسراً".

في المقابل، لا يرى تكين رابطاً بين العملية والانتخابات المقبلة، ويقول: "لا علاقة لها (أي العملية) بالانتخابات على الإطلاق. هي عملية عسكرية ضرورية في هذه الفترة بعد أن طفح الكيل من هذه التنظيمات، كذلك هي مهمة للجيش الوطني السوري الذي سيفرض سيطرته على هذه المناطق"، مشيراً إلى الخطوات التي ستلي نهاية العملية العسكرية، إذ ستشرع تركيا "في عملية تنموية وإغاثية تشمل مشاريع هائلةً لإعادة ترميم البنى التحتية".

وعليه، وفق تكين، "ستؤمّن عودةً طوعيةً لمئات الآلاف من السوريين الراغبين في العودة إلى منازلهم التي هُجّروا منها، خاصةً الأكراد، إذ تستضيف تركيا 400 ألف من الأخوة الأكراد السوريين الذين هربوا من مناطقهم بسبب التنظيم وسياساته ضد كل من يخالفه، سواء أكان تركياً أو عربياً أو كردياً أو تركمانياً".

بحسب الموالين لأردوغان، ستؤمّن العملية عودةً طوعيةً لمئات الآلاف من السوريين الراغبين في العودة إلى منازلهم التي هُجّروا منها، خاصةً الأكراد، إذ تستضيف تركيا 400 ألف من الأكراد السوريين

أين روسيا وأمريكا؟

كان من المتوقع، وفقاً للظروف السياسية والظروف على الأرض في سوريا، أن تعترض كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على العملية العسكرية التركية المقبلة، إلا أن الظروف الحالية التي فرضتها الحرب الروسية على أوكرانيا، غيّرت قواعد اللعبة كما يبدو.

وتواردت الأنباء مؤخراً عن سحب روسيا لقواتها من مناطق عدة، وفق ما ذكرت صحيفة "موسكو تايمز"، في 17 نيسان/ أبريل الماضي، لدعم قواتها في أوكرانيا، وتسلّمت هذه المناطق قوات تابعة لـ"حزب الله" و"الحرس الثوري الإيراني".

من جهة أخرى، فرضت الحرب في أوكرانيا، على الدول الأوروبية المجاورة لروسيا (السويد وفنلندا)، التخلي عن حيادها العسكري التاريخي والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو ما اصطدم برفض تركي صريح، إذ اتهمت أنقرة كلاً من السويد وفنلندا بدعم تنظيم (PKK) الذي تضعه أنقرة على قوائم الإرهاب.

وتسعى واشنطن إلى تسهيل عملية انضمام الدولتين إلى الحلف في سبيل الضغط على موسكو، في الوقت الذي أعلنت فيه الخارجية التركية عن لقاء يُعقد غداً الأربعاء في أنقرة، مع وفدين من السويد وفنلندا، للتباحث حول الانضمام إلى الحلف. وتحاول تركيا استغلال الموقف الحالي لكل من واشنطن وروسيا للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب خلال الفترة المقبلة.

يقول تكين، إن "تركيا لا تنتظر موافقة أحد، لا روسيا ولا أمريكا، لتتحاور معهما، لكن في نهاية المطاف عندما تفرض الظروف العملية العسكرية فإن تركيا لا تنتظر موافقة أحد، والدليل أن العمليات السابقة جرت بالرغم من معارضة روسيا وأمريكا والأمر ذاته يحصل اليوم"، ويضيف: "موقف روسيا أصلاً موقف ضعيف في سوريا نتيجة الحرب في أوكرانيا، والأمر نفسه بالنسبة إلى أمريكا بسبب محاولات إدخال السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، ورفض تركيا لهذا الأمر لدعمهما للتنظيمات".

تنازلات متبادلة

يتوقع تكين، أن واشنطن ستقدّم تنازلاتٍ لتركيا في نهاية المطاف، "للحصول على موافقتها في شأن انضمام فنلندا والسويد إلى (الناتو). قد توافق تركيا وهي في مرحلة تحفظ وليس في مرحلة الرفض الكامل، وهذا التحفظ قد يزول عندما تربح تركيا الأوراق من الناتو والاتحاد الأوروبي".

لا يمكن لأي دولة الدخول إلى الحلف من دون الحصول على موافقة جميع أعضاء الحلف من غير استثناء، علماً أن تركيا تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في "الناتو"

من جهته، يرى أرديمول، أن العملية العسكرية المرتقبة "ستتم وفق اتفاقيات أستانا وبعمق لا يتجاوز الـ30 كيلومتراً". ويضيف: "لا أعتقد أنه سيتم إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة لهذه العملية، لكن تركيا ستقدّم بالتأكيد بعض التنازلات في ما يتعلق بعضوية الناتو لفنلندا والسويد، مع الولايات المتحدة. في النهاية، بغض النظر عن مدى رفض أردوغان، فإن الناتو هو الذي سيقبل فنلندا والسويد كعضوين".

ولا يمكن لأي دولة الدخول إلى الحلف من دون الحصول على موافقة جميع أعضاء الحلف من غير استثناء، علماً أن تركيا تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في "الناتو".

يعتقد تكين أن "الولايات المتحدة ستبيع التنظيمات التي تدعمها في سوريا، في سبيل أهداف أكبر تتعلق بأوروبا وحلف الناتو، وتالياً هذا مكسب جديد للدبلوماسية التركية في لعبة الشطرنج التي تنجح فيها تركيا مجدداً في هذه الفترة الحساسة".

في المحصلة، فإن العالم الذي يعاني من أزمات اقتصادية حادة وصل إلى مرحلة من الارتباط يُحدد فيها انضمام دولتين بحجم السويد وفنلندا إلى حلف "الناتو"، مصير ملايين السوريين المنتظرين حلاً ما لأزمتهم المستمرة منذ سنوات، وسط صعود قوى جديدة إلى الساحة الدولية في ظل الظروف الحالية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard