مخطط تقسيم سوريا على قدم وساق... مستوطنات "تركيا" شمالاً تنتظر "طاعة اللاجئين"

الثلاثاء 10 مايو 202203:45 م

لا يبدو أنّ زيارة وزير الداخلية التركية، سليمان صويلو، إلى إدلب، في الثالث من أيار/ مايو الجاري، قد أسعدت السواد الأعظم من السوريين في شمال غرب سوريا، الذي يقطنه أكثر من ثلاثة ملايين نازح ومهجر داخلياً. 

دشّن صويلو مجمّعاً سكنياً في منطقة "جبل الكمونة"، بالقرب من بلدة سرمدا على الحدود السورية التركية، ومن المفترض أن يتم توطين 3،000 عائلة مهجرة ضمن خطة تركية تقضي بتأمين المسكن لمئة ألف عائلة قبل حلول العام 2023، مناقضةً بذلك اتفاقيات تأمين السكان في مناطق خفض التصعيد الأربع في سوريا، والوعود التي قطعها قادة الدولة التركية في حماية المدنيين السوريين وعدم تركهم وحيدين في مواجهة مصيرهم مع نظام الأسد.

أنهى صويلو حفل التدشين بكلمة وجهها إلى المهجرين السوريين في الداخل والخارج: "تركيا لن تترككم تواجهون الظلم بمفردكم".

دشّن صويلو مجمّعاً سكنياً في منطقة "جبل الكمونة"، بالقرب من بلدة سرمدا على الحدود السورية التركية، ومن المفترض أن يتم توطين 3،000 عائلة مهجرة فيها

العودة الطوعية

صبيحة اليوم التالي لزيارة وزير الداخلية التركي إلى إدلب، خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في شريط فيديو مصوّر موجه إلى اللاجئين السوريين في تركيا، يتحدث فيه عن برنامج العودة الطوعية لمليون لاجئ سوري على الأراضي التركية ممن يحملون بطاقة الحماية المؤقتة، والبالغ عددهم نحو ثلاثة ملايين و722 ألفاً.

وتظهر جلياً هذه المرة جدية زعيم حزب العدالة والتنمية المقبل، قبل عام من الانتخابات الرئاسية الجديدة، في تقديم تنازلات في ما يخص خطاب الكراهية والعنصرية تجاه ملف اللاجئين السوريين لصالح الأحزاب السياسية المعارضة كحزب "النصر" وحزب "الجيد"، وفي الوقت ذاته ليستمر في تحالفه مع "حزب الحركة القومية"، ثاني أكبر الأحزاب السياسية وأشدها تأثيراً على الرأي العام في الشارع التركي.

أردوغان أوضح خلال الفيديو بعض التفاصيل، كقوله إنّ 63 منظمةً تركيةً غير حكومية، مشاركة في هذه الخطة، تحت إشراف منظمة إدارة الكوارث والطوارئ التركية "AFAD"، ومنظمات دولية أخرى، مما يعني أن توجهاً تركياً مكثفاً ينشط في هذا البرنامج.

مستوطنات حدودية

أيضاً أوضح الرئيس التركي أنّ بلاده تعمل على استحداث 13 مجمعاً سكنياً في مناطق سورية عديدة، أبرزها تل أبيض ورأس العين وجرابلس وإعزاز، وسيتم الانتهاء منها في غضون خمسة عشر إلى عشرين شهراً، لتبدأ بعدها مرحلة تسليمها إلى العائلات السورية اللاجئة في تركيا.

وأشار إلى أنّ المجمعات السكنية ستكون من "الطوب"، أي منازل إسمنتية تقليدية، وليس من الخيام، وستتوفر فيها كافة البنى التحتية الخدمية للأهالي من مستوصفات ومدارس ومساجد وشبكات مياه وصرف صحي، بالإضافة إلى استحداث 11 مستشفى في مرحلة لاحقة.

مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي علّقوا على خطاب أردوغان، ومنهم من رأوا بأن ملف اللاجئين السوريين لم يعد يؤتي أُكله بالنسبة إلى أردوغان الذي استثمر فيه على مدار السنوات العشر الأخيرة، فتارةً كان يلوّح به أمام الاتحاد الأوروبي ويتوعدهم بموجات هجرة عبر حدوده، وتارةً أمام منظمة الأمم المتحدة التي تكفلت بنفقات اللاجئين في تركيا، وكثيراً ما استعطف من خلال ذلك الملف الشارع التركي الذي تغلب عليه الطبعة الإسلامية، بأنّ بلاده استوعبت أشقاء الدم والعقيدة. تلك الردود جميعها كانت تعني شيئاً واحداً فقط، هو أن الزعيم التركي لا يزال يستثمر اللاجئين السوريين حتى اللحظة وبرنامجه الأخير في تهدئة المعارضة التركية سيسقط ذلك الملف من يده.

المشروع التركي الروسي يهدف لإنشاء حزام آمن على طول الحدود السورية التركية بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً، متذرعين بأنّه لولا وجودهما في هذه المنطقة لكانت جبال الأناضول امتلأت بالإرهابيين

الأمن القومي التركي

في هذا السياق، لم يعد خافياً على أحد المشروع التركي الروسي لإنشاء حزام آمن على طول الحدود السورية التركية بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً، متذرعين بأنّه لولا وجودهما في هذه المنطقة لكانت جبال الأناضول امتلأت بالإرهابيين، بحسب تصريحات الوزير صويلو في الخامس من أيار/ مايو الحالي.

ومن دون أي شكّ، فإن مشروع التغيير الديموغرافي في سوريا الذي بدأه نظام الأسد وإيران في جنوب سوريا ووسطها انتهى بالنسبة إليهم، منذ نهاية العام 2017، عندما وصف رئيس النظام السوري بشار الأسد مناطق سيطرته بأنّ الشعب السوري فيها أصبح أكثر تجانساً.

ولم يكن متوقعاً أنّ تركيا ستضع بصمتها في هذا المشروع، إلا أن ّالسنوات الأخيرة كشفت مخطط تركيا في تشكيل منطقة يسكنها الموالون لها، وتعيش تحت رقابة مؤسستها العسكرية والاستخباراتية ومنظماتها المدنية التي تضمن أمن شريطها الحدودي من هجمات عدوها العرقي في المنطقة، وعلى رأسه الحزبان الكرديان Pkk وPyd.

يقول الناشط محمد العلي لرصيف22، إنّ "التركيبة السكانية لسوريا لم تكن في يوم من الأيام سبباً في أي صراع داخلي، وسوريا هي البلد الوحيد في المنطقة الذي لم يشهد حرباً أهليةً كما العراق أو لبنان اللذين يشبهانها من حيث التركيبة العرقية والمذهبية للسكان، وعلى الرغم من أنّ بعض وسائل الإعلام بدأت بوصف الثورة السورية مؤخراً بالحرب الأهلية، إلا أنّ الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هي أنها ثورة شعب ضد الظلم والاستبداد، وضد نظام حكم ديكتاتوري يجمع في أركانه شخصيات من كل الجغرافيا والأعراق والإثنيات السورية".

يضيف: "التغيير الديموغرافي جريمة تستهدف الإنسان السوري وهويته وتاريخه وأرضه، والتغيير الديموغرافي قد لا يكون كما الصورة النمطية التي ارتسمت في أذهان السوريين عبر عمليات التهجير القسري في الباصات الخضراء، وأيضاً التوطين القسري الذي يقتل أحلام الملايين بالعودة إلى منازلهم وأحيائهم جريمة من المستوى نفسه".

بحسب العلي، "الشعب السوري على درجة كافية من الوعي بمخاطرها المجتمعية، لكن الأمر الواقع هو وجود العائق الأكبر متمثلاً في نظام الأسد الذي أفسح المجال لكل اللاعبين الدوليين في المنطقة بتمرير غاياتهم وتنفيذ مخططاتهم".

مواقف متضاربة

في الداخل السوري وتركيا، يعيش نحو ثمانية ملايين مهجر ونازح، منهم من وصل إلى مرحلة الاستقرار ومنهم من لا يزال يعيش الشتات الذي عانى منه السوريون جميعاً، ولكل منهم رأيه في برنامج العودة الطوعية ومساكن الطوب التي تتجهز لهم.

لا يفصل بيني وبين منزلي وأرضي أكثر من 12 كيلومتراً. أي ذنب اقترفناه حتى نجبَر على الإقامة في علب الكبريت تلك المسماة زوراً بيوتاً؟

يروي أحمد الحسن، لرصيف22، قصة لجوئه إلى تركيا منذ العام 2014: "عملت مدرساً لمدة أربع سنوات في المخيم الذي أقمنا فيه منذ وصولنا إلى تركيا، وبعد أنّ تم تفريغ المخيم أصبحت أدرّس اللغة العربية لبعض التلاميذ السوريين في تركيا، وأنا مجبر على مواصلة العمل لأن عائلتي ليس لديها أي معيل. لسنا كسولين أو استغلاليين ولا نقبل بأن نكون عالةً على المجتمع".

يضيف: "ابنتي الأكبر في عامها الرابع من دراسة الصيدلة، والأخرى بدأت العام الماضي بدراسة علم الأحياء، ولدي ثلاثة أطفال في المدارس التركية. أصبح قرار الترحيل كابوساً جاثماً على حياتنا، فأنا ليست لدي أي مشكلة في العودة إلى سوريا بعيداً عن خطر الحرب والقصف الروسي والأسدي، لكن مشكلتي اليوم أصبحت في العائلة التي سيتشتت شملها ويتدمر مستقبل أبنائها وستذهب سنوات من الدراسة والمشقة هباءً منثوراً".

من جانبه، يقول العم "أبو حسين"، وهو مهجر من ريف إدلب الشرقي إلى الحدود السورية التركية: "لا يفصل بيني وبين منزلي وأرضي أكثر من 12 كيلومتراً. أي ذنب اقترفناه حتى نجبَر على الإقامة في علب الكبريت تلك المسماة زوراً بيوتاً؟".

برأيه، "الراحة النفسية والطمأنينة اللتان يعيشهما الإنسان في منزله وقريته التي عاش فيها 58 عاماً، لا يمكن أن يشعر بها في أي مكان آخر مهما توفرت سبل الراحة، وعلى من بنى هذه القرى السكنية أن يفي بالتزاماته السابقة، وعليه أنّ يحارب لأجلنا ويعيد الأمن إلى مناطقنا التي احتلتها قوات الأسد والميليشيات التي تقاتل إلى جانبه في العام 2019 بعد أن تعهد بحمايتها ووضع قواته ونقاط المراقبة في جوار تلك القرى التي دُمّر معظمها".

في 5 آذار/ مارس الماضي، كان قد مضى على وقف إطلاق النار في إدلب شمال غرب سوريا عامان، وهي أطول فترة تهدئة بين النظام والمعارضة تشهدها منطقة خفض التصعيد

لا خيار

في المقابل، يقول يونس المصطفى، وهو مهجر من ريف حماه الشرقي منذ العام 2017، لرصيف22: "لا خيار أمامنا سوى القبول بهذه المساكن. الكثيرون هنا يتهافتون ويسرعون للحصول على منزل يأوي أطفالهم وعائلتهم فيه، فبعد أول عام من نزوحنا لم نعد قادرين على تسديد أجور المنزل الذي كنا نسكنه، وعندما انتقلنا إلى المخيم كنا نعاني الأمرَّين، ففي الشتاء كانت خيمنا عرضةً للغرق والسيول المطرية، وكنا نخشى النوم عندما يهطل المطر. وفي الصيف لا يمر يوم واحد من دون قتل آفة سامة، كالأفاعي والعقارب، ناهيك عن درجات الحرارة داخل الخيمة التي تصبح أشبه بالفرن من كونها مكاناً للعيش".

بالنسبة إليه، "لا شيء يمكنه تعويض ذلك المنزل الذي بنيته حجراً على حجر، المنزل الذي أخذ سنوات من التعب والعمل قبل أن أسكنه. لكن اليوم المنازل الإسمنتية أصبحت حاجةً ملحةً لكل النازحين، ومن غير المنطقي أن نرفضها ونبقى في الخيام، بل سنكون ممتنين جداً لمن يعمل على تحسين ظروفنا ومساكننا الحالية".

في 5 آذار/ مارس الماضي، كان قد مضى على وقف إطلاق النار في إدلب شمال غرب سوريا عامان، وهي أطول فترة تهدئة بين النظام والمعارضة تشهدها منطقة خفض التصعيد.

وبحسب مركز جسور للدراسات، ما تزال تركيا وروسيا غير قادرتين على تحويل التفاهم حول إدلب إلى اتفاق مستدام؛ بسبب استمرار الخلافات الثنائية حول العديد من القضايا، كالانتشار العسكري ومكافحة الإرهاب وحركة التجارة والنقل.

وقد أَبدى الطرفان حرصاً واضحاً على عدم انهيار نظام وقف إطلاق النار في إدلب. وعليه، تم الاتفاق بين أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 29 أيلول/ سبتمبر 2021، على خريطة طريق لتطبيق مذكرة موسكو، لكن من دون أي التزام بها، والخرق والتصعيد لم ينقطعا منذ توقيع البروتوكول، حتى وصلت الأمور إلى استهداف متكرّر للمرافق المدنية والطبية والاقتصادية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard