رحلة في عالم "الغيميرز" السوريين... "نهرب من الحرب إلى الحب"

الاثنين 23 مايو 202205:17 م

كم هو عدد المراحل التي فزتَ/ تِ بها لتصل/ ي إلى قلعة "ماريو"؟ وكم مرةً سقطتَ/ تِ عن الكرسي وارتفع صوت الأمهات موبخاً وأنتَ/ تِ تقطع/ ين طريقاً وعراً وتقفز/ ين على الفطر الذي زرعته تلك اللعبة لتتفاعل/ ي معها بحب؟ كان شريطاً عريضاً، يوضع في الجهاز المربع، ليعلن ماريو أنه بدأ اللعبة!

هل تتذكر/ ين ذاك الجهاز الصغير الذي جمع الأطفال بأحجار صغيرة يضعونها فوق بعضها لبناء سليم متين الأركان؟ إنها "الأتاري" الصغيرة كما تُسمى باللغة العامية السورية في بعض المناطق.

هي الألعاب التي تشكل جزءاً من الذاكرة الجمعية للسوريين والسوريات الميسورين/ ات ومتوسطي/ ات الحال في تسعينيات القرن الماضي، يقصّون ذكريات لأولادهم/ هن، مع كل لعبة جديدة يتعلّق بها الأطفال في الأجهزة المحمولة. لكن التطور التكنولوجي لألعاب الفيديو التي بدأت سنة 1947، حين اخترع البروفسور الأمريكي توماس ت. جولدسميث الابن لعبةً أطلق عليها "أداة أنبوب الأشعة المهبطية المسلية"، أخذ في التطور إلى الوقت الحالي، ليكون لها جمهورها من كافة الأعمار، وبعضهم/ هن حوّلوها إلى تجارة رابحة في ظروف البلاد القاسية.

التطور التكنولوجي لألعاب الفيديو التي بدأت سنة 1947، حين اخترع البروفسور الأمريكي توماس ت. جولدسميث الابن لعبةً أطلق عليها "أداة أنبوب الأشعة المهبطية المسلية"

هروب

تختلف طرق التفريغ النفسي والهروب من الواقع التي يمارسها الناس. أحدهم يستمع إلى الموسيقى والآخر يلجأ إلى العزلة أو ربما قراءة كتاب، وبعضهم يلجأ إلى المجتمعات الموازية التي تمثّلها ألعاب الفيديو، لذا أسسوا مجتمعاً خاصاً بهم، من دون أن يعرف أي منهم الآخر معرفةً شخصيةً. جمعتهم لعبة افتراضية سواء كانت قتاليةً، أو معرفيةً، أو سباق سيارات، وتعددت قصص الولع بألعاب الفيديو، ولا تنفع هنا الأسماء الحقيقة فالكثير منهم لا يصرحون عن هويّتهم الصحيحة سواء جنسياً أو اسمياً.

تخصص هبة (24 عاماً اسم مستعار)، وهي طبيبة أسنان، ثلاث ساعات من وقتها يومياً لتجتمع مع أصدقائها الافتراضيين الذين لا تعرفهم شخصياً، وتقضي ساعتها المفضلة في اللعب معهم/ هن بعد عمل العيادة، وقد دفعها إلى "إدمان ألعاب الفيديو أخوها الأكبر منها"، فهو معلمها الأول. تشير الطبيبة إلى أن هذا الأمر لا يؤثر كثيراً على حياتها الاجتماعية، لكنها تفضلها على الجلوس مع الناس بشكل مباشر.

يعتقد ملهم (33 عاماً) وهو مهندس، أن "ألعاب الفيديو تقدّم جملةً من الأمور التي لا يمكن للمرء أن يمتلكها في الحياة العادية، في ظل هذه الظروف، وهي القوّة، والسطوة والماديات الجيدة". برأيه، يمكن أن يكون الشاب في الواقع يقضي أربع ساعات في وسائل النقل العامة مع ما فيها من معاناة، بينما في استطاعته في الوقت ذاته أن يقضي هذه الساعات وهو يركب سيارة فيراري، افتراضياً، والفارق شاسع بين الحالتين، فما تُقدمه الألعاب هو عنصر مساعد، بالرغم من أنه في مكان ما مفصول عن الواقع.

من جهته، يتحدث حسن وهو طالب شهادة ثانوية، عن اتجاهه نحو ألعاب الفيديو وهو في عمر 12 عاماً. يشعر بأنها تخفف ضغطاً نفسياً كبيراً على الشباب اليوم، كما تساعدهم في التعرّف على شباب وشابات من كل دول العالم، فيما بدأ عامر وهو مهندس أيضاً، بالدخول إلى عالم ألعاب الفيديو منذ عمر الـ10 سنوات. دخوله كان بدافع التسلية، والحديث أمام أقرانه، لكنه اليوم يُعدّ مرشداً للكثير من اللاعبين في سوريا، وبدأ بتعليم ألعاب الفيديو لابنته التي لم تتجاوز الخمس سنوات فقط، وحوّل جزءاً من حياته لتكون هذه الألعاب تجارته الرابحة.

عامر وهو مهندس، دخل إلى عالم ألعاب الفيديو منذ عمر الـ10 سنوات. يُعدّ اليوم مرشداً للكثير من اللاعبين في سوريا، وبدأ بتعليم ألعاب الفيديو لابنته التي لم تتجاوز الخمس سنوات فقط، وحوّل جزءاً من حياته لتكون هذه الألعاب تجارته الرابحة

محمد 25 عاماً (اسم مستعار) يُلقبه رفاقه بـ"الملك" كونه يُعدّ بالنسبة إليهم من الأمهر والأكثر خبرةً في عالم الألعاب الإلكترونية، ومحمد يعيش حالة "نوستالجيا" إذ يذكّره الجلوس أمام الشاشة بنفسه عندما كان يجلس مع عائلته كلّها قبل الحرب، وهو يرى أنها الوسيلة الوحيدة لنسيان الواقع السوري المؤلم كما يقول. يهرب محمد بذكرياته إلى مكان آخر، إلى شاشة ولعبة يرمي فيهما هواجسه، ويحاول أن يستعيد ذكرياته التي يبدو أنها لن تعود كما كانت.

مصدر رزق

يتذكر محمد غزاوي أو اللاعب المعتزل كما يحب أن يسمي نفسه، البدايات الأولى في اللعب عام 1995، ويتحدث عن ضغوط الحياة وكثرة الالتزامات التي جعلته يعتزل اللعب، مضيفاً أن انتشار هذه الألعاب في سوريا بدأ بكثرة عندما تحولت إلى "أونلاين"، فيما كانت مقتصرةً قبل ذلك على "الأتاري وعلي بابا وسيغا"، وهي ألعاب قديمة كانت تعتمد على شخص واحد أو اثنين على الأكثر.

في البدايات، لم تكن الألعاب الإلكترونية أو الرياضات الإلكترونية كما يحب أن يسميها الهواة، مصدر رزق بشكل صرف، وكان الحصول على الدخل من هذه الألعاب مقتصراً على بيع شخصيات معيّنة فيها الألعاب أو بيع تصنيف. يقول غزاوي: "اليوم أراها مصدر رزق مشوّهاً تحوّل إلى استعراضات طالت الأجساد، ولكن هذا لا يمنع وجود أسماء كبيرة في هذا العالم ما زالت تحافظ على نفسها وتشكل لها الألعاب الإلكترونية مصدر رزق".

يشرح "الملك" بالتفصيل كيف يمكن أن تتحول هذه الرياضات الإلكترونية إلى مصدر رزق، ويقول: "هناك أشكال عدة لكسب المال عبر مجال الألعاب، وتنقسم إلى أشكال غير مباشرة وأخرى مباشرة"، ويضيف: "بالنسبة إلى أشكال الربح غير المباشرة، فيمكن تصنيف العمل في بيع أقراص تلك الألعاب أو الأجهزة التي تشغلها، أحد أشكال أسواق العمل التي توفرها هذه الهواية، كما يمكن الحديث عن الوظائف المتعلقة بتطوير تلك الألعاب، الكتابة، والتلحين، والتسويق وغيرها، كأشكال ربح غير مباشر أيضاً".

يُعدّ مفهوم الأخلاق من أكثر المفاهيم الإشكالية الفلسفية سواء في الحياة العامة أو في الدراما وحتى الألعاب، لكن كل مجتمع يفرض قواعد عامةً للتعامل وخصوصاً في العمل أو اللعب

أما عن الربح بشكل مباشر عن طريق اللعب، فيشير "الملك" إلى أن هناك من امتهن صناعة المحتوى أو البث المباشر لتلك الألعاب لجمع جمهور خاص به ليصبح من مشاهير "السوشال ميديا"، بينما يقوم آخرون بالمتاجرة داخل الألعاب من خلال مقايضة الأدوات الافتراضية مع لاعبين آخرين وبيعها لمن يرغب كأحد أشكال الربح.

أخلاق عامة

يُعدّ مفهوم الأخلاق من أكثر المفاهيم الإشكالية الفلسفية سواء في الحياة العامة أو في الدراما وحتى الألعاب، لكن كل مجتمع يفرض قواعد عامةً للتعامل وخصوصاً في العمل أو اللعب. يتحدث "الملك" عن أن ألعاب الفيديو هي واحدة من أكثر النشاطات تحرراً من القيود الاجتماعية والخلافات العرقية والسياسية والدينية، بغض النظر عن البلاد والثقافات المتنوعة، فحب هذا النشاط الإلكتروني يجمع الكثيرين كلغة موحدة يفهمها الجميع وبالإمكان أن يُشكل عن طريقها صداقات طويلة الأمد حتى من دون الحديث بأي كلمة، وذلك عبر اللعب معاً ومشاركة المغامرات المختلفة وما شابه، وهنا تكون الأخلاق والقواعد الأخلاقية ظاهرةً من دون أن تكون معلنةً".

يوضح غزاوي وجهة نظره حول موضوع القواعد الأخلاقية للألعاب الإلكترونية، ويقول: "إذا تحدثنا عن قواعد أخلاقية عالمية فهي غير موجودة، فهذا العالم (أي الألعاب) وُجد لرسم مفاهيم جديدة، لذلك تظهر الكثير من المفاهيم التي لا تناسب بعض المجتمعات فتدخل عن طريق الألعاب بسهولة ويتم قبولها. أمّا في سوريا فلا توجد ضوابط أخلاقية إنما تكون حسب تربية الشخص وأخلاقه أو تكون محدودةً لأننا نعيش أزمة أخلاق، ولذلك مجتمع الألعاب الإلكترونية هو مجتمع سوري مصغر".

تختلف أشكال الهروب وأشكال الحب والشغف في بلاد الحروب، وربما يجني العالم أموالاً من ألعاب الفيديو وأبطاله، لكن ما زالت هذه الرياضة قاصرةً في سوريا اليوم، بالرغم من بطولة روّادها الذين جمعهم الهروب والحب في آنٍ معاً؛ الهروب من واقع الحرب، وحب التعرف على الآخر من قرب ومن بعد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard