سوريا في يوتيوب... حبذا لو تُسمع أصوات المعذَّبين بدلاً من صوت فيروز

الاثنين 14 فبراير 202212:38 م

يُعرف عن سائقي سيارات الأجرة في مدينة إسطنبول، فضولهم الشديد تجاه ركابهم، أياً كانت جنسياتهم، ولا يخفون ترحيبهم أو امتعاضهم عند معرفتهم بأن الراكب سوري الجنسية، ويبدأ فصل الأسئلة المباشرة.

"كيف هي الحرب؟ هل ستعود إلى سوريا؟ هل تحب الأسد؟ الأسد ليس قاتلاً أليس كذلك؟ هل تحب إسطنبول؟ ما هو رأيك بأردوغان؟"، وعادةً ما يتلقى السائق الإجابات نفسها من الركاب السوريين، والتي تضعها الغالبية في قوالب الدبلوماسية، طالما أن هذه الإجابات تتعلق بتركيا، وبرأيه السياسي طالما يتعلق الأمر بسوريا، والإجابة الأكيدة هي "نعم سأعود في أقرب فرصة".

قبل أيام، حاول سائق سيارة الأجرة تغيير الطريق المعتاد إلى آخر يستغرق وقتاً أطول، وتالياً مبلغاً أكبر. انتبهت وصححت له الطريق شارحاً له أنني أسلكه وأعرفه جيداً، فقال يبدو أنك تحفظ إسطنبول! سألت نفسي ساخراً: "أليست ثماني سنوات كافيةً لأحفظ طرقها؟".

دفعني السؤال لمشاهدة عشرات التسجيلات المصورة لشوارع دمشق عبر منصة يوتيوب. منذ سنوات تنتشر مقاطع مسجلة لكاميرا تمشي في شوارع سوريا، دمشق وحلب وحمص وغيرها، بعناوين جذابة تلعب على وتر الحنين للغائبين عن بلادهم منذ سنين.

يمر عشرات الأشخاص في أجزاء من الثانية، في المشهد المصور، والذي عادةً لا يخضع لأي عملية مونتاج. يمكن بسهولة إيقاف الفيديو والنظر في عيون هؤلاء ورؤية عذاباتهم وآمالهم وحياتهم المتعبة

عادةً ما يترافق المشهد المصوّر بعدسة هاتف محمول، بأغنيات عاطفية، لفيروز أو غيرها، تنقل شكل الشارع في تلك اللحظة فحسب، لا ما قبلها مهم، ولا ما بعدها. المكان والزمان محجوزان بشكل كامل لحنين ما عاد ينفع، ولا يُطعم خبزاً للجائعين في تلك الشوارع، والمستبعدين من الدعم الحكومي، ولا للغائبين الواصلين إلى مرحلة النفور والقرف من أخبار بلادٍ ما عادت بلادهم، وإن كانوا داخلها أم خارجها فالأمر سيّان!

يمر عشرات الأشخاص في أجزاء من الثانية، في المشهد المصور، والذي عادةً لا يخضع لأي عملية مونتاج. يمكن بسهولة إيقاف الفيديو والنظر في عيون هؤلاء ورؤية عذاباتهم وآمالهم وحياتهم المتعبة. آمالهم التي تحطمت على عشرات الصخور، وتحطمت أمام عيونهم بسبب شخص يجلس أعلى الجبل، وينظر إليهم ضاحكاً وشامتاً وشاتماً ومتوعداً ومُعاقباً، لأن أشخاصاً قالوا يوماً إن الشعب لن يُذلّ!

تمرّ الكاميرا أمام هؤلاء الغائبين، سواء من يشاهدون من خلف الشاشات أو من يمرّون أمام الكاميرا. هؤلاء أيضاً غائبون عن الحياة. طُحنوا وسط الأزمات وانعدام الحلول، وعلى الرغم مما كانت تعرضه الكاميرا من شوارع تثير الذاكرة، إلا أنني أرى صورةً أخرى مختلفةً تماماً، لم تكن سوى صورة لساحة "الميسات"!

تمرّ الكاميرا أمام هؤلاء الغائبين، سواء من يشاهدون من خلف الشاشات أو من يمرّون أمام الكاميرا. هؤلاء أيضاً غائبون عن الحياة.

ولمن لا يعرف أهمية ساحة "الميسات"، فهي ساحة تتفرع منها الطرق المؤدية إلى مناطق "ركن الدين وساحة الشهبندر والمزرعة والجسر الأبيض"، وهي مناطق في وسط العاصمة، وهذه الساحة تتضمن مطعمين أو ثلاثة، ومحلين للورود، بالإضافة إلى المباني السكنية. لكن ذلك كله لم يكن موجوداً. كان هناك مبنى ضخم مكون من ثلاثين طابقاً، ومن الطابق الخامس والعشرين خرج عمود عُلّق عليه رجل مشنوق يتدلى وحيداً، ويمرّ تحته أشخاص لا أعرفهم، ينظرون إليه من دون اهتمام، وصوت الصدى لا يخبر سوى أن الرجل الذي لا أعرفه انتحر، ولم أكن سوى شخص وحيد وبائس وحزين، قبل أن أكتشف أن أحلام اليقظة تحاصرني مجدداً.

على الرغم من أن هذه التسجيلات تعرض أجمل ما في المدينة، ويستغلها اليمين المتطرف في أوروبا والمعارضة في تركيا، ويقولون لنا نحن المشردين في أصقاع الأرض، هيا اذهبوا إلى مدنكم، ويقولون بسخرية ومكر مبين، كم بلادكم جميلة! انتهت الحرب، وها هو الشيف "نصرت" جاهز لرش الملح على جروحكم بطريقته المميزة. هؤلاء لا يعرفون المعتقلين، ولا يعرفون نضالات المئات والشهداء الذين دفعوا ثمن مواقفهم، ولا يعرفون جدتي التي رحلت من دون أن أعانقها العناق الأخير.

على الرغم من أن ما شاهدته في رأسي محض خيال، إلا أن ما شاهدته في يوتيوب حقيقة ناقصة. نعم هذا هو شكل الشارع، ولكن يا حبذا لو تُسمع أصوات المعذبين والمقهورين بدلاً من صوت فيروز.

فيا أيها الناطقون والقارئون والمتحدثون باللغة العربية، وتبحثون عن سوريا في يوتيوب، هذه ليست سوريا الحقيقية، وليست نحن، ولا أدّعي امتلاك الحقيقة الوحيدة والكاملة، لكنني أمتلك الألم والذكريات، وسبق أن تحطمت آمالي كما آمال هؤلاء المارين والعابرين في أجزاء من الثانية، في مقطع تسجيلي لا يبتغي صاحبه غالباً سوى جني الأرباح منه. أعرف أن قلوبكم ترنو إلى دمشق، وتدعون في صلواتكم لها بالخلاص، لكنني أعرف أن الكثيرين منكم يا أحبائي يقولون صلاتهم بطريقة خطأ، فتضل طريقها. عليكم تحديد "الخلاص ممن؟".

دمشق هناك لا تنبض بالحياة، وما ترونه ليس سوى وجه كاذب وشاحب لمدينة في العناية المشددة، لا خدمات فيها، والإنترنت سيء، والكهرباء تخضع لسطوة التقنين، فتزور السوريين ساعاتٍ معدودة، وقليلة، يومياً، وغلاء الأسعار فاحش لا يناسب سوى أصحاب المليارات.

الحقيقة هي ما شعر ويشعر به السوريون؛ الخوف والألم وانعدام الأمل. هي شعور الخوف من اليوم ومن الغد.

ربما تبدو دمشق وحمص وحلب ودرعا وحماة والمدن كافة، في عيون العنصريين والمعارضة وبعض المحبين، مدناً حيّةً، لكنها ميتة في نفوس مئات آلاف السوريين المنتشرين في أصقاع الأرض. امتلكوا يوماً ما الحلم والأمل، قبل أن يسرقه ديكتاتور المهاجرين وصبيانه من الموالين له، أو بعض من ارتدوا أقنعة المعارضة بأشكالها كافة (الإسلامية والليبرالية والمحافظة... إلخ)، وأهدوه شعاره المضحك: "الأمل بالعمل".

فيا أيها الناطقون والقارئون والمتحدثون باللغة العربية، وتبحثون عن سوريا في يوتيوب، هذه ليست سوريا الحقيقية، وليست نحن، ولا أدّعي امتلاك الحقيقة الوحيدة والكاملة، لكنني أمتلك الألم والذكريات

لا أطالب أحداً ما زال داخل البلاد بالصراخ، ولا بالاحتجاج، ولا بفعل أي شيء. لا يحق لي ولا لغيري المزايدة. لكن يمكنني طلب التفكير مرتين منكم، قبل أن تنزل دموعكم في غير مكانها، أو تتعاطفوا مع بلاد ما عادت بلادنا، وربما لم تكن كذلك أصلاً. لا أطلب منكم ألا تتعاطفوا مع أشخاص حزانى وأمهات ثكالى يعيشون في بلاد الكوابيس، لكن لا تتعاطفوا مع القاتل ومن يشجعه على القتل. لا تُخدعوا بشعارات آمنّا بها، وهي حق يراد به باطل، والحديث عن المقاومة والممانعة، لأن من قاوم المخرز بعينيه، اختفى في المعتقلات، والباقين ماتوا أو تشردوا في أرض لا تقبل السوريين، وتضيق شوارعها الواسعة بهم، وترفض ناطحات سحابها بزجاجها اللامع خبراتهم، وينسف نضالاتهم تاريخ كتبته السياسة.

تعاطفوا مع عيون السوريين القابعين في بلاد الكوابيس... فهؤلاء أولى من شوارع خالية من "الرفاق"، وفي تلك العيون تجدون الحقيقة واضحةً وكاملةً ومخيفة!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard